من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
ومنهم ما حكاه السامري
قال مررت أنا وصديق لي بدير هرقل، فقال هل لك أن تدخل فتنظر إلى ما فيه من ملاح المجانين، فدخلنا وإذا بشاب نظيف الثياب حسن الهيئة جميل المنظر، فحين بصر بنا قال مرحباً بالوفد قرب الله بكم بابي، من أين أقبلتم؟ فقلنا جعلنا فداءك ومتسع الله بك أقبلنا من كذا، ثم قلنا له ما أجلسك ههنا وأنت لغير هذا المكان أهل وهو لغيرك محل، فتنفس الصعداء وهو مشدود إلى الجدار في سلسلة وصوب طرفه إلينا وأنشد:
الله يعلم أنني كمدلا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنهابلد وأخرى حازها بلد
أما المقيمة ليس ينفعهاصبر وليس يقرها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتيبمكانها تجد الذي أجد
قلت وسيأتي منه أنه ينسب هذا الشعر لخالد الكاتب ولا يمكن أن يقال إن هذا المحكى عنه هو لأن خالداً لم يحبس وإنما كان سائحاً، كما سيأتي فلم يبق إلا استعارة أحدهما من الآخر قال الراوي، ولما فرغ من شعره التفت إلينا فقال هل أحسنت فقلنا نعم ثم ولينا، فقال بأبي ما أسرع ذهابكما أعيراني سمعكما فعدنا إليه فأنشد:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمورحلوها وسارت بالهوى الابل
وقلبت من خلاف السجف ناظرهاترنو إليّ ودمع العين منهمل
فودعت ببنان عقدها عمنناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبهايا نازح الدار حلّ البين وارتحلوا
يا حادي العيس عرج كي أودعهايا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهمفليت شعري وطال العهد ما فعلوا
فقلنا له مجوناً لننظر ما يفعل ماتوا فقال أقسمت عليكم ماتوا، قلنا نعم فجذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه وبرزت عيناه وانبعث الدم من شفتيه وشهق فإذا هو ميت. فما ندمنا على شيء أعظم منه.
وحكاها المبرد كما هي وزاد، إن قال فوجدنا في الدير مجانين ليس فيهم أنظف من شاب عليه بقايا ثياب ناعمة فدنونا منه فقال أنشدوني شيئاً من الشعر أو أنا أنشدكم فقلنا له أنشد، فأنشد الشعرين فلما قال ما فعلوا قال رجل بغيض معنا ماتوا فقال وأنا أيضاً أموت فقال له افعل ما شئت فتجدب حتى مات وأخرج الزجاج في آماليه، عن المبرد الحكاية أيضاً لكنه قال فقال لنا أنشدوني فقلت لرفيقي أنشده فأنشد:
قبلت فاها على خوف مخالسةكقابس النار لم يشعر من العجل
ماذا على رصد في الدار لو غفلواعني فقبلتها عشراً على مهل
غضي جفونك عني وانظري أممافإنما افتضح العشاق بالمقل
فقال أنا وهذا القائل على طرفي نقيض فإنه يرى محبوبه وأنا مقصي، فقلنا له أنت عاشق قال نعم. قلنا لمن قال أنت سؤل، قلت محسن إن أخبرت قال عقد لي أبي على ابنة عم لي ثم توفي وترك مالاً كثيراً فاستولى عمي على المال ونسبوني إلى الجنون.
قال المبرد هذا كله والقيم يقول احذروه فإنه يتغير ثم التفت إلي فقال: أنشدني أنت فإنك من أهل الأدب فلم يحضرني إلا قول الشاعر:
قال سكينة والدموع زوارفتجري على الخدين والجلباب
ليت المغيري بالذي لم أجزهفيما أطال تبصري وطلابي
كادت تردّ لنا المنى أيامهإذ لا ألام على هوى وتصابي
خبرت ما قالت فقلت كأنماترمي الحشا بصوائب النشاب
اسكين ما ماء الفرات وطيبهمني على ظما وحب شراب
بالذ منك وإن نأيت وقلمايرعى النساء أمانة الغياب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع