من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
ومنهم خالد بن يزيد
يكنى أبا القاسم ويعرف بالكاتب خراساني الأصل بغدادي المنشأ أحد كتاب الجيش في الدولة العباسية والمشهورين باللطف والرقة وحسن الشعر، ثم اعتراه الجنون قيل من السوداء.
نقله في النزهة وقال أنها كانت تعتريه زمن الباذنجان فإذا جاء الشتاء، حسن حاله وحكى في امتزاج الأرواح ورياض اللطائف أنه خرج إلى بعض الأعمال بأذربيجان فشهد مجلساً وفيه قينة فأعجب بها وطلب أن يصطحبها فامتنعت فداخله حبها حتى خامر عقله، فكان يصحو أحياناً ويغمر أحياناً فترك العمل مدة ثم استعمله محمد بن عبد الملك في كتابه بعض الأعمال فمر بماجنة تغني:
من كان ذا شجن بالشام يطلبهففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن
فسقط مغشياً عليه حين سمع ذلك وتذكر به حال الماجنة وأنها أخبرته أنها تطلب الشام، ثم أفاق ورجع ورمى العمل وكان يركب قصبة ويطوف ببغداد وأهلها يطلبونه خصوصاً أرباب الدواوين ليسمعوا شعره، قيل قال له ابن الجهم يوماً هب لي قولك:
ليت ما أصبح من رقة حدّيك بقلبك
فقال من الذي يهب ولده، ورآه يوماً والصبيان يضربونه، فأدخله بيته ثم قال له بعدما أخذ الراحة، ماذا تريد قال هريسة ورطباً فأحضرهما، فلما أكل قال أسمعني شيئاً من شعرك فأنشد:
تناسيت ما أودعت سمعك يا سمعيكأنك بعد الضر خال من النفع
فإن كنت مجبولاً على الصد والجفافمن أين لي صبر فاجعله طبعي
هل الحب تجنيه عليّ التفاتةفافرح بعد اليأس مني ومن نفعي
علام الجفايا من كلفت بحبهأتتلفني بالهجر منك وبالقطع
لئن كان أضحى فوق خديك روضةفإن على خدي غديراً من الدمع
فقال له أحسنت والله ووجد لذلك وجداً عظيماً، ثم قال له أسمعني شيئاً غير هذا قال حسبك لن ينالك بهريستك ورطبك أكثر مما سمعت، وخرج من عنده، وله أيضاً:
يا تارك الجسم بلا قلبإن كنت أهواك فما ذنبي
يا مفرداً بالحسن أفردتنيمنك بطول الهجر والحب
إن تك عيني أبصرت قينةفهل على قلبي من عتب
حسيبك الله لما بي كماأنك في فعلك بي حسبي
ودخل على ابن عباد فرفع مجلسه فقال ابن الأعرابي من هذا فقال أو ما تعرفه قال لا. قال هو خالد الكاتب فقال له ابن الأعرابي، أسمعنا من شعرك فأنشد:
لو كنت من بشر لم يفتن البشراولم يفق في الضياء الشمس والقمرا
نور تجسم منحلاً ومنعقداًسلك تضمن في تنظيمه دررا
فقال له ابن الأعرابي كفرت هذه صفة الخالق لا المخلوق أنشدنا غير هذا فقال:
أراك لما لججت في غضبكتترك ردّ السلام في كتبك
حتى أتى على قوله:
أقول للسقم عد إلى بدنيحباً لشيء يكون من سببك
فقال له إنك لفوق ما وصت به ووقف عليه إبراهيم بن المهدي عشية وقد تلفع برداء أسود فقال له أنت القائل:
قد بكى العاذل لي من رحمةفبكائي لبكاء العاذل
قال نعم، قال يا غلام ادفع له ما معك، فقال خالد وما ذاك؟ قال ثلثمائة دينار، قل لا أقبلها أو تعرفني من أنت؟ قال أنا ابن المهدي، فأخذها وانصرف إبراهيم، فلما بويع له بالخلافة طلبه فقال له أنشدني من شعرك فأنشد:
عش فحبيك سريعاً قاتليوالضني إن لم تصلني واصلي
قد طغى الشوق بقلب دنففيك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنىتركاني كالقضيب المائل
وحكى عن حمزة الشاعر نحو ما سبق عن ابن الجهم من رؤيته مع الصبيان وادخاله وإطعامه لكنه قال: فأطعمه رطباً فقط واستنشدته فأنشد:
قد حاز قلبي فصار يملكهفكيف أسلو وكيف أتركه
رطيب جسم كالماء تحسبهيخطر في القلب منك مسلكه
يكاد يجري من القميصمن النعمة لو القميص يمسكه
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع