من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
نادرة
قال إسحق غنيت الرشيد ليلة حتى نام فجلست أنتظر انتباهه والعود في يدي وإذا بشاب على أجمل ما يكون من الهيآت قد دخل علي فأصلح العود بعدما شرب وأنشد:
ألا غنيا لي قبل أن نتفرقاوهات اسقني صرفاً شراباً مروقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يفضح الدجىوكاد قميص الليل أن يتمزقا
ثم قال هكذا غن الخلفاء وغاب وقد ذهب عقلي من حسن غنائه فلما أفاق الرشيد قصصت عليه القصة وعنيته الصوت فأحسن صلتي وقال ليته متعنا بغنائه ولم يرنا شخصة قال إسحق فذكرت بهذه ما حكاه لي أبي أنه استوهب الخليفة يوماً يخلو به مع أهله فوهبه السبت لأنه كان يستثقله فخلا إبراهيم يوماً وقد زين بيته وحرمه وأتقن طعاماً وشراباً وأوصى بحفظ الأبواب خوفاً من أحد يدخل فبينما هو جالس على أحسن ما يكون إذا بشيخ عليه قلنسوة وثياب ناعمة وبيده عكازة وقد عبقت رائحة الطيب منه فسلم بلطف ثم جلس قال إبراهيم فكدت أقضي فروضت نفسي فذاكرني الأدب وأيام العرب حتى ظننت أن غلماني حيوني به لما رأوا من ظرفه ثم قال بعدما أبى من الطعام وأخذ شيئاً من الشراب هل لك أن تغني شيئاً مما ألفت به فتشجمت المشقة وغنيت فقال أحسنت يا إبراهيم فزاد غضبي ثم استأذنني في الغناء فأذنت له متعجباً من تجرية بحضرتي فأصلح العود وأنشد:
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها عبداً ليست بذات قروح
أباها على الناس أن يشترونهاومن يشتري ذا علة بصحيح
أئن من الشوق الذي في جوانحيأنين غصيص بالشراب جريح
ثم غير الصوت وغنى
ألا يا حمامات اللون عدن عودةفإني إلى أصواتكن حزين
فعدن فلما عدن كدت يمتننيوكدت بأسراري لهن أبين
دعون بترداد الهدير كأنماشربن حميا أو بهن جنون
فلم تر عيني مثلهن حمائماًبكين ولم تدمع لهن عيون
فوالله ما سمعت بأحسن منه ولقد خلت أن العود والجدار ينطلقان معه ثم غاب فخرجت مغضباً وسألت عن الشيخ فقالوا نعيذك بالله لم يدخل أحد فرجعت وإذا بهاتف من جانب البيت يقول لا بأس عليك ما كان ضيفك إلا إبليس فركبت إلى الرشيد فحدثته بالقصة وأخبرته أن الشيخ أخبرني أني أحكمت الغناء وغنيته كما سمعت فأحسن صلتي وحكي عنه في الأصل أيضاً وفي غيره عن ولده إسحق قال أصبحت في يوم مطير أيقنت فيه أن لا يأتيني أحد فصنعت لنفسي ما شئت من طعام وشراب وجلست في سرور حتى ولي النهار فذكرت جارية أهواها فقلت لو كانت عندي لكمل سروري فما أكملت القول حتى جاءني غلام فقال فلانة بالباب فوثبت لم أملك نفسي فإذا بغرس التمني قد أثمر فاعتنقتها وقد بلها المطر فخلعت ما عليها وألبستها بدلة تليق بها وجئت بماء ساخن وغسلت رجليها بيدي وقلت ما الذي جاء بك في هذا الوقت قالت جاءني رسولك مرتين يخبرني أنك تشكو الحرقة فكرهت أن أقول ما أرسلت أحداً فجلست وأخذت العود فغنيت:
توسدها كفى وبت ضجيعهاوقلت لليلى طل فقد رقد الفجر
بوجه إذا ما عاب عني حكاه ليوإن لم يكن في حسن صورته البدر
فلما أضاء الصبح فرق بينناوأي نعيم لا يكدره الدهر
فبينما نحن كذلك دخل علينا شيخ حسن الهيئة فجلس معنا فقالت هذا رسولك إلي فأنكرت إذ لم أعرفه وعجبت من دخوله لأن المفاتيح عندي هكذا في الأصل وفي غيره أن الجارية حين استقر بها الجلوس قالت أريد أن يغني قال إسحق أنا قالت لا أنت ولا أنا ولكن اخرج فالتمس لنا أحداً فخرجت لنا طاعة لها فإذا أنا بشيخ أعمى وهو يقول لا جزي الله من كنت عندهم خيراً إن غنيت لم يسمعوني وإن سكت استخفوا بي فقلت له: هل تكون عندنا ليلتك فقال: خذ بيدي إن شئت. فلما دخلنا وجلس قال لي: غنّ فحين غنيت قال: قاربت أن تكون مغنياً فكدت أن أموت ثم سأل الجارية فغنت. فقال: ما جئت بشيء. فقالت: هذا ما عندنا فهات ما عندك فطلب عوداً جديداً فأصلحه وكانت الجارية حين طرق الباب قالت:
أيدخل محبوب على الباب واقف
فأنشد الشيخ:
سرى يخبط الظلماء والليل عاكفحبيب بأوقات الزيارة عارف
وما راعني إلا السلام وقولهاأيدخل محبوب على الباب واقف
فحين سمعت ذلك الجارية قالت: قد ضاق صدرك بكلمة فلم أزل أترضاها وأحلف أني لم أقل وأتقرب إليها بالتقبيل ودعدعة الثديين حتى ضحكت فغنى الشيخ:
ألا ربما زرت الملاح وطالمالمسكت بكفي البنان المخضبا
ودغدغت رمان الصدور ولم أزلأعضعض تفاح الخدود المكتبا
فقلت لها أنا أعلمته بذلك فاطمأنت ثم قام إلى الخلاء وأبطأ فطلبناه فلم نجده فعلمت أنه أبو مرة فتمثلت بقول أبي نواس:
عجبت من إبليس في كبرهوخبث ما أظهر من نيته
أبى على آدم في سجدةوصار قوّاداً لذريته
قال بعض الأدباء:
كان أبو نواس أول من فتح هذا الباب على إبليس فكثرت فيه الأقوال من الشعراء:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع