تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

فصل في المجون

قيل حضرت سق عكاظ امرأة بنحبين أعني ظرفين من عسل فأتاها خوات بن جبير وكان فاتكاً في الجاهلية فحل أحدهما وذاقه وأعاده فمسكته بإحدى يديها وفعل بالآخر كذلك ثم أمسك رجليها وقضى وطره فحين فرغ قالت لأهنئت قال بل هنئت وأنشد:

وشدت على النحيين كفى ضنينةواعجلتها والفتك من فعلاتي

وبهما ضرب المثل فقالوا أشغل من ذات النحيين وأظلم من خوات قال الأصمعي بينا نحن بطريق مكة إذا بأعرابي يقول من أحسن من بعير بعنقه علاط وبأنفه خزامة يتبعه بكرتان سمراوان عهد العاهد به عند البئر فقالت جويرية على حوض أعزب يا فاسق لا أرد الله عليك ضالتك فقلنا مالك ولمن ينشد ضالته قالت إنما ينشد ... قوله علاط بالمهملة حبل يجعل في عنق البعير وسمراوان يريد اللون المعروف ويحتمل أنه تثنية سمراء يعني الناقة وجيء لأبن أبي مساحق بابن أخته وقد أحبل جارية فقال له هبك ابتليت بالفاحشة فهلا عزلت فقال جعلت فداءك بلغني أن العزل مكروه فقال وما بلغك أن الزنا حرام وكان بمكة رجل تجتمع الرجال والنساء عنده للفساد فشكوه فنفاه الوالي إلى عرفات فقال لأصحابه يوماً ما يمنعكم أن تأتوا إلي على العادة فقالوا كيف لنا بذلك فقال حمار بدرهمين وقد صرتم إلى الأمن والنزهة فقالوا صدقت وفعلوا فعاد أمره أعظم فرفعوه إلى الوالي فقال ألم أنهك فقال أصلحك الله إنهم يكذبون علي فقالوا للوالي اجمع حمير مكة وأرسلها فإن لم تأت بيته فنحن كاذبون عليه ففعل فمضوا إلى بيته فجرده ليضر به فقال أو ضار بي أنت قال نعم فقال أفعل فوالله ما بي إلا قول أهل العراق إن أهل مكة يحكمون بشهادة الحمير فضحك وخلى سبيله وفي منازل الأحباب قال غلام جئت حياً قد أزمعوا الرحيل وامرأة على أحسن ما يكون من الحسن والهيئة والثياب قد تخلفت تهيء أمرها فما جنتها يسيراً فقالت أيما أحسن عارياً الرجل أم المرأة فقلت الرجل قالت بل المرأة وإن شئت علمت ذلك بأن أتجرد وأمشي إلى تلك الأكمة وأعود وتعاهدني أن تفعل كذلك فعاهدتها وكنت حين بقل وجهي وأنا على أجمل ما يكون فتجردت عن محاسن تسر القلب وتملأ العين وتمشت كما ذكرت وعادت وسألتني الوفاء ففعلت فلم أمش المسافة حتى تدرعت ثيابي واعتقلت سيفي واستوت على جملي ومضت فلم أجد حيلة إلا أخذ ثيابها وجملها كذلك فكنت أستحي إن الحق القوم وهم يصرخون علي حتى جاءت جارية فجذبت زمام البعير حتى أوصلتني إليهم فجاءت أمها فقالت أي بنية كم أتعبتنا في هذه الليلة وأدخلتني الستر فلما عرفوني واستخبروني عن القصة أخبرتهم بها فقال لي أمها إنها ذهبت إلى صاحب لها وهذا وقت زفافها على رجل به لوثة تعني خبالاً في عقله فهل لك أن تكون مكانها ساعة ولك عندي اليد البيضاء فأجبت إلى ذلك فحين دخلت عليه ما نعته ساعة وأتت المرأة فخرجت اشترت بعضهم عجلاً فكان كلما ركبه يصرعه وهو يحسبه مهراً حتى نجمت قرناه وفي الحلية عن الشافعي قال قيل للحطيئة وقد حضرته الوفاة بم توصي للمساكين قال بالمسئلة قيل في مالك قال للذكور دون الاناث فقالوا ما قال الله هذا فقال لكني أقوله ثم احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم وتزوج رجل اسمه حمار بامرأة من ولد دارا فأعجب بها فأمرته بتغيير اسمه فسمى نفسه بغلاً فقالت هو خير لكنك لم تخرج من الاصطبل بعد وأتى كفيف نخاساً فقال له أطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر ولا الكبير المشتهر إن خلي الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق لا يصادم بي السواري ولا يدخلني تحت البواري أن أقللت علفته صبر وإن أكثرته شكر وإن ركبته هام وإن ركبه غيري نام فقال له النخاس اصبر فإن مسخ الله القاضي حماراً قضيت حاجتك وشدد عمر بن عبد العزيز ﵁ في النهي عن المعاصي كشرب الخمر فقال لصاحبي عسسه وخبره إذا رأيتما سكران فأتياني به فطافا إلى آخر الليل فإذا هما بشيخ حسن الهيئه بهي المنظر قد أخذ منه السكر وهو يقول:

سقوني وقالوا ألا تغني ولو سقواجبال حنين ما سقوني لغنت

فقالا له أما تستحي وأنت بهذه الحالة فقال ارفقا بي فقد شربت مع أخوان أحداث فحين أخذ الشراب مني أخرجوني فقال لصاحب الخبر اكتم علي وأنا أطلقه قال قد فعلت فقال له أذهب يا شيخ ولا تعد قال نعم وأنا تائب فلما كان في الليلة الآتية رأياه كما ذكر وهو يغني.

إنما هيج البلىحين عض السفرجلا
فرماني وقال ليكن بعيني مبتلى
ولقد قام لحظهلي على القلب بالقلى

فقال له أين التوبة فقال إن أخواني الذين ذكرتهم لكما البارحة عدوا علي وحلفوا أن لا يخرجوني إذا عمل بي الشراب فغلب علي وعليهم فخرجت فأطلقاه فلما كان الثالثة رأياه على تلك الحالة وهو يغني.

أرض عني فطالما قد سخطتأنت ما زلت جافياً مذ عرفت
أنت ما زلت قاطعاً لا وصولاًبل بهذا فدتك نفسي ألفت
ما كذا تفعل الكرام بنو الناس بأحبابهم فلم كنت أنت

فقالا له هذه ثالثة ولا عفو فقال أخطأتما قالا ولم ذلك قال رسول الله ﷺ من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله عليه فإن شربها الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله عليه فإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله عليه فإن شربها الرابعة لم تقبل صلاة أربعين ليلة فإن تاب لم يتب الله عليه وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال وهي عصارة أهل النار فقالا له اذهب فلما كانت الرابعة رأياه على الحكم وهو ينشد:

قد كنت أبكي وما حنت لهم أبلفما أقول إذا ما حمل الثقل
كأنني بك نضو الأحراك بهتدعي وأنت عن الداعين مشتغل
فقلوبك بأيديهم هناك وقدسارت بأحمالك المهربة الذلل
حتى إذا استيأسوا من أن تجيبهمعضوا عليك وقالوا قد قضى الرجل

فقال له لم يبق عفو فقال افعلا ما بدا لكما فحملاه إلى عمر فاستنكهه فوجد الرائحة فحبسه حتى أفاق وجلده ثمانين ثم قال له لا تعد فقال قد ظلمتني يا أمير المؤمنين لأني عبد وقد جلدتني حد الأحرار فقال أخطأت إذ لم تعرفني وغم عمر فاقل له الشيخ لا تحزن يا أمير المؤمنين واجعل الأربعين سلفاً عندك فضحك حتى استلقى على ظهره ثم قال لصاحب العسس إذا رأيت مثل هذا فارفعه إلي واجتمع قوم عند بصيص جارية ابن نفيس وكانت اعجوبة وقتها في الحسن والغناء يتمنى كل أحد رؤيتها ولو بذهاب نفسه فتذاكروا بخل مزيد فقالت أنا آخذ منه درهماً فقال مولاها إن فعلت جعلتك حرة وكسوتك ثوب وشى وأولمت لك يوماً بالعقيق فقالت أرفع الغيرة فقال ولو رفع رجليك لم أقل شيأ فخرج ابن مصعب فرآه في مسجد المدينة فقال له يا أبا إسحق أما تحب أن ترى بصيص جارية ابن نفيس فقال امرأته طالق إن لم يكن الله ساخطاً علي فيها وإن لم أكن اسأله أن يرينها منذ سنة فما يفعل فقلت له اليوم إذا صليت العصر فوافني ههنا قالت امرأته إن برحت من ههنا حتى تجيء صلاة العصر قال فتصرفت في حوائجي حتى كان العصر فدخلت المسجد فوجدته فيه فأخذت بيده وأتيتهم به فأكلوا وشربوا وتساكر القوم وتناوموا فأقبلت بصيص على مزيد فقالت يا أبا إسحق كأن نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة.

لقد حثوا الجمال ليهربوا منا فلم ينلوا

فقال امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوط قال فغنته ثم سكتت ساعة وقالت يا أبا إسحق كأن نفسك تشتهي أن تقوم فتجلس إلى جانبي وتقرصني قرصات وأغنيك.

قالت وأبثثتها وجدى فبحت بهقد كنت عندي تحب الستر فاستتر
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
ألست تبصر من حولي فقلت لهاغطى هواك وما ألقي على بصري
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «لما بعثت بداعي الشوق والدله»

فقال امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غداً وبأي أرض تموت فغنته ثم قال برح الخفاء أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني شوق البين وأغنيك هزجاً.

أنا أبصرت بالليلغلاماً حسن الدل
كغصن البان قدأصبح مسقياً من الطل

فقال أنت نبية مرسلة فقبلها وغنته ثم قالت يا أبا إسحق أرأيت أسقط من هؤلاء يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحاناً بدرهم يا أبا إسحق هلم واعطني درهماً اشتر به ريحاناً فوثب وصاح واحرباه أي زانية أخطأت استك الحفرة انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحي إليك وعطعط القوم وعلموا أن حيلتها لم تنفذ فيه ثم خرج ولم يعد إليهم وأعاد القوم مجلسهم فكان أكثر شغلهم فيه حديث مزيد والضحك منه وحكى أبو يعقوب قال حضرت مجلس حماد عجرد ومعنا غلام جميل فجعل يرمقه حتى حزر المكان الذي ينام فيه فلما هجع الناس وقد اختف النوام فكنت موضع الغلام قام حماد فدب علي فأخذت يده وجعلتها على عيني العوراء فلما عرف ولى وهو يقول وفديناه بذبح عظيم وروي أن نصرانياً وجد مع مسلمة آخر يوم صومه فأكره علي الاسلام فأسلم وضرب مائة سوط وأخذ منه مائة دينار وكان أول يوم من رمضان فصام مع الناس فقيل له بعد أيام كيف حالك فقال كيف حال من صام خمسين وأتبعها بثلاثين وضرب مائة ووزن مائة وخرج من ملة إلى أخرى وزوج فاجرة وسأل رجل عالماً فقال أفطرت يوماً من رمضان سهواً قال صم عوضه قال صمت عوضه وأتيت أهلي وعندهم طعام فسبقتني يدي إليه فأكلت منه قال تقضي يوماً آخر قال قضيته وأتيت أهلي وقد عملوا هريسة فأكلت ساهياً فما ترى قال أرى أن لا تصوم إلا ويدك مغلولة إلى عنقك ودخل رجل على الشعبي وعنده امرأة فقال أيكما الشعبي فقال هذه واشترى جحا يوماً دقيقاً وأعطاه لحمال فلما دخلوا في الزحام هرب الحمال بالدقيق فرآه جحا بعد أيام فتوارى منه فقيل له لم ذلك فقال أخاف أن يطالبني بالأجرة وقدم إلى أبي حازم القاضي سكران ليمتحنه فقال له من ربك فقال أصلحك الله ليس هذا من مسائل القضاة إنما هو من مسائل منكر ونكير فضحك وخلى سبيله وولى رجل تفرقة مال على العميان والأيتام والقواعد من النساء فدخل عليه رحل ومعه ولده فقال أثبتني في القواعد فقال ويلك أنهن نساء لا أزواج لهن وأنت رجل فقال أثبتني في العميان فقال صدقت فإن الله تعالى يقول " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوت التي في الصدور " وقال وأثبت ولدي أيضاً في الأيتام فقال أفعل ذلك لأن من أنت أبوه فهو يتيم دخل جحا على المهدي يوماً فقال له كم عيالك قال ثمانية فأمر له بثمانية آلاف درهم فأخذها وخرج لما بلغ الباب رجع وقال نسيت واحداً من عيالي قال من هو قال أنا فضحك المهدي وأمر له بمثل ذلك مر يهودي في سوق وكان كاتباً فصاح به صبي يا عم قف حتى أصفعك فالتفت إليه وقال أنا مستعجل أصفع أخي عني وقال بعض السوقة هذه النعل في قفاك فقال له إذا كان في رجل أختك ومثل ذلك رجل قال لامرأة في يدها خف ليته على كتفي فقالت بشرط أن يكون فارغاً وقال رجل لآخر إني أعرف صناعة الفضة وأريد أن أعلمك ولكن أحتاج إلى ألف درهم للالآت فأعطاه فمضى ولم يعد فقيل له قد خدعك وكذب عليك قال لا لأنه علمني كيف صناعة الفضة أي أخذها وكيفية الحيلة فإن شئت أن أفعل مثله فعلت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من خاتمة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.