تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

ما قيل في حسن الخط من المنظوم

فمن مليح ما قيل في ذلك، قول أبي تمام للحسن بن وهب، وقد قرأ كتاباً له فاستحسن خطه ولفظه من كلمه:

لقد جلى كتابك كل بثجو وأصاب شاكلة الرمي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
فضضت ختامه فتبلجت ليغرائبه عن الخبر الجلي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
وكان أغض في عيني وأندىعلى كبدي من الزهر الجني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
وأحسن موقعاً عندي ومنيمن البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره ما لم تضمنصدور الغانيات من الحلي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
فكائن فيه من معنى بديعوكائن فيه من لفظ بهي
وكم أنجزت من بر جليلبه ووعدت من وعد سني
كتبت به بلا لفظ كريهعلى أذن ولا خط قمي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»
فأطلق من عقال في الأمانيومن عقل القوافي والمطي

وأهدي بعض الكتاب غلاماً كاتباً، إلى رئيس له، وكتب إليه بصفة الخط وغيره - وسمعت من يحكي أن فاعل ذلك عيسى بن فرخانشاه بإبراهيم بن العباسي الصولي، وكان عيسى يكتب له ولا أدري كيف صحته، لأني لم أعتد بما لم أسمعه من أفواه الرجال:

اقبل هدية شاكرتجزيه بالنزر الجليلا
بدراً يضيء إذا نظرت إليهـ لم يألف أفولا
إني بعثت به وكنت بحسن موقعه كفيلا
لما رأيت بخطهحسناً يصيد به العقولا
كمنمنم الموشي قدسحب القيان به الذيولا
أو كالرياض بكى الحيافيها فاوسعها همولا
وتراه للمعنى اللطيفإذا أشرت به قبولا
لا مستعيداً منك إذتملي عليه ولا ملولا
عرف المبادئ والوصولمن الحكاية والفصولا
وصنوف ترنيب الدعاءوإن يقصر أو يطيلا
والهمز والممدود والمقصور والمثل المقولا
والفعل والأسماء والمصروف منها والثقيلا
فاستكفه وأضمر لهأن لا تريد به البديلا
يحمل بفضل لسانهوبيانه عنك الثقيلا

وأنشد أحمد بن إسماعيل نطاحة لنفسه:

أضحكت قرطاسكعن جنةأشجارها من حكم مثمره

مسودة سطحاً ومبيضةأيضاً كمثل الليلة المقمره

ولي من قصيدة مدحت بها الوزير أبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى:

ينظم دراً في قراطيسهأفدي أبا العباس من ناظم
يطلع أنواراً بها غضةبوابل من نقشه واسم
بنفسجاً أو مشبهاً لونهفي أرض نسرين له فاحم
كالدر في اللفظ وكالوشي في الرقم أجادته يد الراقم

فقال أحمد بن إسماعيل:

وإذا نمنمت بناتك خطاًمعرباً عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معانتجتنى من سواد ذاك المداد
للشاعر كشاجم، من قصيدة «وإذا نعنعت بنانك خطا»

حدثنا محمد بن إبراهيم الأنصاري أبو الحسن، قال: وصف أحمد بن صالح جارية كاتبة فقال: " كأن خطها أشكال صورتها. وكأن مدادها سواد شعرها. وكأن قرطاسها أديم وجهها. وكأن قلمها بعض أناملها. وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها سيف لحاظها. وكان مقطها قلب عاشقها ". وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه يصف خطاً:

فدونكه موشى نمنمتهوحاكته الأنامل أي حوك
بشكل يؤمن الإشكال فيهكأن سطوره أغصان شوك

ومثل هذا لأحمد بن إسماعيل نطاحة:

مستودع قرطاسه حكماكالروض ميز بينه زهره
وكأن أحرف خطه شجروالشكل في أضعافها ثمره

أنشد محمد بن يزيد المبرد، قال: استعار محمد بن عبد الملك الزيات من الحسن بن وهب دفتراً فيه شعر أبي يعقوب الخريمي، وكان معجباً به، فوجه الحسن به إليه، وكان بخط حسن، ثم وجه الحسن يطلبه منه، فوجه إليه محمد بالنسخة التي كانت عنده واحتبس نسخة الحسن وكتب إليه:

إني نظرت ولا صواب لناظرفيما يهيم به إذا لم ينظر
فإذا كتابك قد تخير خطهوإذا كتابي ليس بالمتخير
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
وإذا وسوم في كتابك لم تدعشكاً لمعتسف ولا لمفكر
تنبيك عن رفع الكلام وخفضهوالنصب فيه لحاله والمصدر
وإذا كتاب أخيك من ذا كلهخلو فبئس لبائع أو مشتري
فاقبل كتاب أخيك غير منافسفيه وخل له كتابك واعذر
واعلم بأنك لا تزال مؤخراًفي العلم عند الناس ما لم تكسر
إني أرى حبس السماع على الذيشاركته فيه وكسر الدفتر
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

واستهدى أحمد بن إسماعيل دفتراً فيه حدود الفراء، فأهداه إلى مستهديه وكتب على ظهره:

خذه فقد سوغت فيه مشبهاًبالروض أو بالبرد في تفويفه
نظمت كما نظم السحاب سطورهوتأنق الفراء في تأليفه
للشاعر أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، من قصيدة «خذه فقد سوغت منه مشبهاً»
وشكلته ونقطته فأمنت منتصحيفه ونجوت من تحريفه
للشاعر أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، من قصيدة «خذه فقد سوغت منه مشبهاً»
بستان خط غير أن ثمارهلا تجتنى إلا بشكل حروفه
للشاعر أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، من قصيدة «خذه فقد سوغت منه مشبهاً»

وللخط صفات وتركيبات وأسماء مختلفات، تحد وتصنف ما يقال ذلك في النغم واللحون. فمنه الرياشي المحقق والخفيف المطلق، وهو الذي يتعلق بعضه ببعض، ومنه منثور ومجموع.

وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة، فقال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشبه راءه نونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى العقول ثمره، وقدرت فصوله واندمجت وصوله، وتناسب رقيقه وجليله، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنع المحدرين، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قلت في وصف خط:

إذا ما تحلل قرطاسهوساومه القلم الأرقش
تضمن من خطه حلةكنقش الدنانير بل أنقش
حروف تعيد لعين الكليلنشاطاً ويقرأها الأخفش

وقال آخر:

أتاني كتابك يا سيديفآنس نفساً به مبهجه
وكان بما ساق من فرحةوسكن من لوعة مزعجه
أبر وأمتع من ريطةعلى كل مائدة مدرجه

قد ذكرت في هذا الكتاب ما استحسن من خط الجواري: وقد كره أهل النبل من الناس وذوو الرأي منهم أن يعلم النساء الخط، وجاء فيه النهي عن ابن عباس، أنه قال: " لا تسكنوا النساء

العلالي ولا تعلموهن الكتابة ".

وقال حمزة بن أبي سلامة الكوفي:

جاء خط كأنه شعراتوسط خط ولم يصله عذار
أو كنقش الحناء في كف عذراء أباحتك لمحه الأستار
يا كتاباً يكاد يضحك من جوهره في نظامه الطومار

وقال علي بن الجهم:

يا رقعة جاءتك مثنيةفكأنها خد على خد
نبذ سواد في عذار كماذر فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفةمن ملح الهزل إلى الجد
يا كاتباً أسلمني عبثهإليه حسبي منه ما عندي

وقال أبو نواس:

زجرت كتابكم لما أتانيبمر سوانح الطير الجواري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «زجرت كتابكم لما أتاني»
نظرت إليه مجزوماً بزبروفي ظهر ومختوماً بقار
فعفت الظهر أحور قرطقياًتركب صداغه سين العذار
وكان الشدو ذا زبر مصيبوكان الختم من رق العقار
فكيف ترونني وترون زجريألست من الفلاسفة الكبار

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.