من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ما قيل في النقط والشكل والخط الدقيق
كره الكتاب الشكل والإعجام، إلا في المواضع الملتبسة من كتب العظماء إلى دونهم، فإذا كانت الكتب ممن دونهم إليهم ترك ذلك في الملبس وغيرهم، إجلالاً لهم عن أن يتوهم عنهم الشك وسوء الفهم، وتنزيهاً لعلومهم وعلو معرفتهم عن تقييد الحروف، ولولا أن الذي جددناه من ذلك في كتاب الرئيس إلى تابعه يجري مجرى الزيادة في الإيضاح له، ونفي الارتياب عنه، وإيجاب الحجة عليه فيما يؤمر به وينهى عنه، لكان الأحسن أن لا يستعمل في الحالتين معاً.
وقد رأى قوم أن تكون كتبهم إلى سلطانهم بأكبر الخطوط وأجلها، واختاروا الشكل والإعجام فيها.
وحكوا عن بعض الخلفاء، أنه تأذى من إخلاء الكتب من ذلك في المؤامرات وغيرها. وقال الذين اختاروا ذلك لا نعرضهم للشكوك، ولا نكلفهم إعمال الفكر في المشكل، وأنه يجب أن نوضح لهم الشكوك ونضبط الحروف، بما يسبق معه المعاني إلى قلوبهم في أول وهلة.
ونسبوا الأصل في هذا إلى المأمون، وهذا ما لا يجمع المميزون عليه، ولا يلتفتون إلى ما يتأول فيه، لأن الأمر لو كان على ما يختاره من يشكل وينقط، لما وقع من الكتاب تصحيف، في كثير مما قرأوه في مجالس الخلفاء، حتى أحصيت عليهم غلطات سقطوا بها في عصرهم، وبقي عارها عليهم، كالذي صحف من " حامرطي " جاضرطي، والذي صحف بين يدي المأمون " البريدي " فقال الثريدي، فأمر المأمون أن يطعم، وقال: أبو العباس جائع - يعني وزيره ابن أبي خالد - فغذوه. ثم قرأ فلان الحمصي فقال: الخبيصي، فقال المأمون: ما في طعام أبي العباس خبيص فأطعموه.
وقرأ كاتب عبيد الله بن زياد كتاب عبيد الله بن أبي بكرة أنه وجد بعض الخوارج في شرب فقال عبيد الله: وكيف لي بأن أكون ممن يشرب هو ونظراؤه إنما هو في سرب أي سرداب. وكتب رجل من أغبياء الكتاب إلى صاعد بن مخلد كتاباً فصير العين غيناً ونقطعها من فوق ونقط الخاء من مخلد من أسفل فصيرها جيماً. فقرأ كتابه صاعد بن مخلد فلم يفطن لذلك، ووقع فيه فخرج إلى
الديوان فرآه الناس فقال فيه بعض الشعراء:
رأيت الوزير كثير الشكوكبعيد الإفاقة من غفلته
فما عرف الجد من والدولا اسم ابنه الفذ من كنيته
رأيت الكتابة قد عطلتورسم البلاغة في دولته
وأغفل كاتب سليمان بن عبد الملك الإعجام في كتاب كتبه إلى عامله بالمدينة يأمره بإحصاء المخنثين فقال له: احص من قبلك من المخنثين. فقرأه اخض، فخصى منهم جماعة حتى خصى الدلال، فقال: الآن والله أشبهنا النساء، هذا والله الختان الأكبر.
وأخرج كتاب عبيد الله بن سليمان على عامل مالاً، فتظلم منهم، فوقع عبيد الله " هذا هذا " فقدر الرافع لبعد ذهنه أنه وقع هذا هذا أي حجة ثابتة كما تقول: أنت أنت، وأنا أنا، فأخرج التوقيع إليهم فقال: قد قبل حجتي، فلم يعرفوا ذلك، وجاءوا بالتوقيع إلى صاحب الديوان، فرده إلى عبيد الله بن سليمان واستأمره فيه، فما زاد عبيد الله على أنه شدد الذال، ووقع تحته: الله المستعان، كأنه نسب صاحب التوقيع إلى الهذيان. ومثل هذا كثير جداً وإنما جئنا بطرف منه.
حدثني يعقوب بن بيان قال: حدثني علي بن الحسين قال: لما أخرج بغا إلى منبج وقلدها، كان معه كاتب فقراً عليه يوماً كتاب عامل بسمساط وأن فلاناً سقط عن برذونه، يريد عن برذونه، فقال له بغا: وما برذونه ويحك؟ فقال: جبل بين سمساط والروم وهو الحد بينهما، فلم يدر من أي شيء يتعجب! من تصحيفه أم من احتجاجه بما احتج به. وكتب بعض الكتاب إلى رجل كتاباً فدقق خطه فيه فكتب الرجل إليه: ما كاتبتني وإنما عوذتني! شبه كتابه بالتعويذ.
وكتبت إلى بعض إخواني كتاباً بقلم دقيق، فأنكر ذلك فكتبت إليه:
أنكر الخط إذ رآه ضئيلاًقال: هلا كتبت خطاً جليلا
قلت لا تسبقن باللوم عذريبخل الخط إذا رآني بخيلا
وكذا الجسم إذ رأى علة الألحاظ من مقلتيك صار عليلا
وقال آخر في نحوه:
يقول وقد كتبت دقيق خطإليه لم تجنبت الجليلا
فقلت له: عشقت فصار خطيدقيقاً مثل صاحبه ضئيلا
ومن مليح ما قيل في النقط والإعجام قول عبد الله بن المعتز:
غلالة خده ورد جنيونون الصدغ معجمة بخال
وقال أبو نواس يصف صغر أثافي قدر الرقاشي:
رأيت قدور الناس سوداً من الصلىوقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر
يبينها للمعتفي بفنائهاثلاث كنقط الثاء من قلم الحبر
وما رأيت النقط والإعجام وقعاً أصح من مكان أوقعهما عصابة الجرجاني يهجو الحسن بن رجاء فإنه قال:
خوان الأمير معمى المكانله شبح ليس بالمستبان
يرى بالتوهم لا بالمجسوبالخبر الفذ لا بالعيان
دعا بالخوان على لؤمهلكيما يقال دعا بالخوان
فأما غضائره الوارداتفأسماه ليست لها من معان
ونقط منها عراق عراقكم تعجم الصحف بالزعفران
وتقول: قرمطت الخط أقرمطه قرمطة إذا قاربت بين حروفه.
وحكى التنوخي: قرمط خطوه إذا قارب بينه.
ومن مليح ما قيل في النقط والشكل قول أبي نواس:
يا كاتباً كتب الغداة يسبنيمن ذا يطيق براعة الكتاب
لم ترض بالإعجام حين كتبتهحتى شكلت عليه بالإعراب
أخشيت سوء الفهم حين فعلتهأم لم تثق بي في قرأة كتاب
لو كنت قطعت الحروف فهمتهامن غير وصلكهن بالأنساب
وأردت إفهامي فقد أفهمتنيوصدقت فيما قلت غير محاب
وقال التنوخي: يقال: " كتاب نزل الخط " إذا كانت الكتابة كثيرة فيه. ويقال: " رجل ذو نزل " حبر كثير. وطعام له نزل " أي ريع كثير. والعامة تقول: نزل وذلك خطأ قال لبيد:
ولن تعدموا في الحرب ليثاً مجرباوذا نزل عند العطية نازلا
ذا نزل ذا عطاء.
ونحو قول أبي نواس، قول العباس بن الأحنف:
فإذا الذي كتب الكتاب يسبنيقصداً فبالغ في الكتاب وأعجما
فإذا أردت هديت من إعجامهإني أراك حسبت أن لا أفهما
وتقول: شكلت الكتاب أشكله شكلاً. وشكلت الطائر شكولاً وشكلت الدابة شكالاً. وشكلت المرأة شكلاً. وأشكل الأمر إشكالاً التبس. والقوم أشكال أي أشباه.
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع