تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

الحروف التي شبهت الشعراء بها

أنشدنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن إسماعيل لأبي

النجم العجلي الراجز، وكان له صديق، يقال له زياد يسقيه الشراب، فينصرف أبو النجم من عنده ثملاً:

أقبلت من عند زياد كالخرفتخط رجلاي بخط مختلف
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

كأنما قد كتبنا لام ألف

وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف كما عيب ذو الرمة في وصف ناقته:

كأنما عينها فيها وقد ضمرتوضمها السير في بعض الأضاميم

يريد كأن عينها دارة ميم لتدويرها، والأضاة الغدير، يقال أضاة وأضا مثل قطاة وقطا وأضأة وآضاء مثل أكمة وآكام. فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف الميم.

وحدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي، قال: قرأ حماد الراوية على ذي الرمة شعره قال: نراه قد ترك في الخط لاماً، فقال له ذو الرمة: اكتب لاماً فقال له حماد: وإنك لتكتب! قال: اكتم علي فإنه كان يأتي باديتنا خطاط، فعلمنا الحروف تخطيطاً في الرمال، في الليالي المقمرة، فاستحسنتها، فثبتت في قلبي، ولم تخطها يدي. ومن مليح ما قيل في التشبيه بلام ألف قول بكر بن النطاح:

يا من إذا درس الإنجيل ظل لهقلب التقي عن القرآن منصرفا
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
إني رأيتك في نومي تعانقنيكما يعانق لام الكاتب الألفا
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

فقيل: قلب لحال القافية، لأن المعنى كما تعانق ألف الكاتب اللام لأن الألف تعطف على اللام. والذي عندي أنه صواب لأن كل شيء عانق شيئاً، فإن ذلك الشيء أيضاً قد عانقه. وقال آخر في التشبيه بالهاء:

تنزو إذا مسها قرع المزاج كماتنزو الجنادب أوقات الظهيرات
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سقيا للبنى ولا سقيا لعانات»
وتكتسي لؤلؤات في تقلبهامن الحباب شبيهات بهاءات

وفي مثله يقول أبو نواس:

ثم شجت، فأدارتفوقها طوقاً فدارا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع لباكيها الديارا»
كاقتران الدر بالدر صغاراً وكبارا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع لباكيها الديارا»
خلته في جنبات الكاس واوات صغارا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع لباكيها الديارا»

وقال عبد السلام بن رغبان الحمصي:

فاصرف بصرفك وجه الماء يومك ذاحتى ترى نائماً منهم ومنصرفا
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أما ترى راهب الأسحار قد هتفا»
فقام مختلفاً كالبدر مطلعاًوالظبي ملتفتاً والغصن منعطفا
كأن قافاً أديرت فوق وجنتهواختط كاتبها من فوقها ألفا
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أما ترى راهب الأسحار قد هتفا»

وقال عبد الله بن المعتز:

وكأن السقاة بين الندامىألفات بين السطور قيام
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أخذت من شبابي الأيام»

وقال أبو مقاتل الديلمي واسمه صالح:

شهدت لها لام الطراز بأنهاكتبت وكانت قبل عند مهندس
للشاعر صالح الديلمي، اقرأ القصيدة
فإذا أدارت قاف صدغ خلتهاأخذت قوام الشكل من إقليدس
للشاعر صالح الديلمي، اقرأ القصيدة

وقال أحمد بن إسماعيل:

وسال عذاره من تحت صدغفصارت لام ذاك الصدغ عينا

وقال بعض الأعراب يصف طوق القمرية:

كأن بنحرها والجيد منهاإذا راقت عيون الناظرينا
مداداً لاقه قلم لطيففصاغ به لطوق النحر نونا

وقال أبو نواس يصف ريش الصقر:

واجتاب من طرازه تفويفاًوشياً ترى بسيطه مكفوفا

مثل استراق الكاتب الحروفا

وقال أيضاً يصف منسراً:

في هامة علياء تهدي منسراكعطفة الجيم بكف أعسرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما رأيت الليل قد تشزرا»
يقول من فيها بعقل فكرالو زادها عيناً إلى فاء ورا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما رأيت الليل قد تشزرا»

فاتصلت بالجيم فصارت جعفراً

وقال غيره:

له من عيون الوحش عين مريضةومن خضرة الريحان خضرة شارب
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
كأن غلاماً ماهراً خط خطهفجاء كنصف الصاد من خط كاتب
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

وقال غيره:

صدغ على خدك أبكانيورد لي همي وأحزاني
كأنما قومه صائغوخطه كاتب ديوان

وقال آخر:

وقد بدا صدغه من فوق وجنتهكمشقة عطفت من نقطة الراء

وقال محمد بن عبد الملك الزيات:

ماذا تواري ثيابي من أخي دنف كأنما الجسم منه بقة الألف

وقال الثرواني الكوفي:

أما ومطال ذي خلفبه أمسيت ذا شغف
وحرمة من خضعت لهبلا ميل ولا لطف
خضوع فتى لمالكهبذل الرق معترف
لقد أصبحت ذا كلفبخال غير ذي كلف
كأن معاقد الزنار قد عقدت على ألف

ولي من آخر قصيدة إلى بعض الرؤساء أساله حاجة:

سبقتما في حلاب المجد بينكمافرط التجارب ميمون لميمون
فأتبع النون عيناً في المقال ولاتؤخر الميم عن عين وعن نون

وقال عبد الصمد بن المعذل لعلي بن عيسى بن جعفر وقد شرب دواء:

وقد أهديت ريحاناً ظريفاًبه حاجيت مستمعي مقالي
وريحان النبات يعيش يوماًوليس يموت ريحان المقال
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
ولم تك مؤثراً ريحان شمعلى ريحان أسماع الرجال

وقال هشام بن عبد الملك لأعرابي: أنظر كم على هذا الميل من عدد الأميال؟ وكان الأعرابي لا يحسن أن يقرأ، فمضى ونظر ثم عاد فقال: رأيت كرأس المحجن، متصلاً بحلقة صغيرة، تتبعه ثلاثة كأطباء الكلبة، تفضي إلى هنة كأنها رأس قطاة بلا منقار. ففهم بصفته أنها خمسة.

وقال أبو نواس يشبه نحوله بقلة حروف لا:

يا عاقد القلب منيهلاً تذكرت حلا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من تمره عمدا»
تركت جسمي عليلاًمن العليل أقلا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من تمره عمدا»
يكاد لا يتجزاأقل في اللفظ من لا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من تمره عمدا»

وقال الصولي وأنشدني ابن الخراساني:

مستهتر بالصدود موصوفمؤلف للحاظ مألوف
كأنه في اعتداله ألفليس لها في الكتاب تحريف

وقال أبو الهندي، وهو أشعث اليربوعي، يخاطب خمارة كانت تبيعه الخمر، فإذا أعطته كوزاً خطت عليه خطاً، فرآها تزيد عليه فقال:

إذا ما بعتني كوزاً بخطفخطي ما بدا لك أن تخطي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وزيدي ثم زيدي ثم زيديعلى وغلظي بالله شرطي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وصبي في أبيريق صغيركأن الأذن منه رجع خطي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وقال يهجو ابن حجام:

يا ابن من يكتب في الأرقاب من غير دواة
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
لم يكن يكتب فيهاغير خط الألفات
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.