من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
وشق لَهُ من اسْمه ليجلهفذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد
على أَنه يُمكن لمح الْوَصْف مَعَ العلمية اي يُمكن أَن يُلَاحظ بعد العلمية الْوَصْف الَّذِي كَانَ قبلهَا وبملاحظته بِوَضْع علما فَإِن مُحَمَّدًا وضع علما لنبينا
بملاحظة مَعْنَاهُ فَإِن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة كَمَا قَالَ صَاحب الْعباب وَغَيره الَّذِي كثرت خصالة المحمودة كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مدح النُّعْمَان ابْن الْمُنْذر
إِلَيْك أَبيت اللَّعْن كَانَ كلالهاإِلَى الْمَاجِد الْفَرْع الْجواد المحمد
وَبعد أَن صَار علما يجوز أَن يلحظ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ كَمَا لحظه حسان فِي هَذَا الْبَيْت
وَهُوَ أول أَبْيَات ثَمَانِيَة مدح بهَا نَبينَا مُحَمَّدًا
وَالصَّوَاب فِي رِوَايَته شقّ لَهُ من اسْمه بِدُونِ وَاو فَإِنَّهَا للْعَطْف وَلم يتَقَدَّم شَيْء يعْطف عَلَيْهِ لَكِن يبْقى الشّعْر مخروما والخرم جَائِز عِنْدهم وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة عبارَة عَن حذف أول الوتد الْمَجْمُوع فِي أول الْبَيْت وَذَلِكَ نَحْو فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن كَمَا أَن ضمير لَهُ رَاجع إِلَى النَّبِي
ومفعوله مَحْذُوف أَي شقّ لَهُ اسْما من اسْمه وَاسم الله تَعَالَى المشقوق مِنْهُ مَحْمُود بِمَعْنى أَن الْحَمد لَا يكون إِلَّا لَهُ وَلَا يَقع إِلَّا عَلَيْهِ فَأَرَادَ ﵎ أَن يُشْرك نبيه فِي اسْم من هَذَا الْوَصْف تَعْظِيم لَهُ
فَسَماهُ مُحَمَّدًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَقَوله من اسْمه بِهَمْزَة الْوَصْل وَسمعت بَعضهم يقرؤة بِهَمْزَة الْقطع وَهُوَ لحن وَقَوله ليجله روى بدله كي يجله وَبَقِيَّة الأبيات هَذِه
نَبِي أَتَانَا بعد يأس وفترةمن الرُّسُل والأوثان فِي الأَرْض تعبد
فأمسى سِرَاجًا مستنيرا وهاديايلوح كَمَا لَاحَ الصَّقِيل المهند
وأنذرنا نَارا وَبشر جنَّةوَعلمنَا الْإِسْلَام فَالله نحمد
وَأَنت إِلَه الْعَرْش رَبِّي وخالقيبذلك مَا عمرت فِي النَّاس أشهد
تعاليت رب النَّاس عَن قَول من دَعَاسواك إِلَهًا أَنْت أَعلَى وأمجد
لَك الْخلق والنعماء وَالْأَمر كُلهفإياك نستهدي وَإِيَّاك نعْبد
لِأَن ثَوَاب الله كل موحدجنان من الفردوس فِيهَا يخلد
كَذَا فِي ديوانه من رِوَايَة أبي سعيد السكرِي وَرَأَيْت فِي الْمَوَاهِب اللدنية قَالَ مؤلفة ثمَّ إِن فِي اسْمه مُحَمَّد خَصَائِص مِنْهَا أَنه تَعَالَى شقَّه من اسْمه الْمَحْمُود كَمَا قَالَ حسان بن ثَابت
أغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتممن الله من نور يلوح وَيشْهد
وَضم الْإِلَه اسْم النَّبِي إِلَى اسْمهإِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن اشْهَدْ
وشق لَهُ من اسْمه ليجلهفذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فالواو للْعَطْف وفاعل شقّ ضمير الْإِلَه وَالضَّمِير فِي لَهُ رَاجع للنَّبِي ثمَّ قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الصَّغِير من طَرِيق عَليّ بن زيد قَالَ كَانَ أَبُو طَالب يَقُول
وشق لَهُ من اسْمه ليجله الْبَيْت
وَقد سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهَذَا الِاسْم قبل الْخلق بألفي ألف عَام كَمَا ورد من حَدِيث أنس بن مَالك من طَرِيق أبي نعيم فِي مُنَاجَاة مُوسَى وروى ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ إِن الله أنزل على آدم عصيا بِعَدَد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ ثمَّ أقبل على ابْنه شِيث فَقَالَ أَي بني أَنْت خليفتي من بعدِي فَخذهَا بعمارة التَّقْوَى والعروة الوثقى وَكلما ذكرت الله فاذكر إِلَى جنبه اسْم مُحَمَّد فإنى رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طفت السَّمَوَات فَلم أر فِي السَّمَوَات موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَإِن رَبِّي أسكنني الْجنَّة فَلم أر فِي الْجنَّة قصرا وَلَا غرفَة إِلَّا اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهَا وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا على نحور الْحور الْعين وعَلى ورق قصب آجام الْجنَّة وعَلى ورق شَجَرَة طُوبَى وعَلى ورق سدره الْمُنْتَهى وعَلى أَطْرَاف الْحجب وَبَين أعين الْمَلَائِكَة فَأكْثر ذكره فَإِن الْمَلَائِكَة تذكره فِي كل ساعاتها وَلما سَمَّاهُ جده عبد الْمطلب بِمُحَمد قيل لَهُ كَيفَ سميته باسم لَيْسَ لأحد من آبَائِك وقومك فَقَالَ لِأَنِّي أَرْجُو أَن يحمده أهل الأَرْض كلهم وَذَلِكَ لرؤيا كَانَ رَآهَا عبد الْمطلب كَمَا ذكر حَدِيثهَا عَليّ القيرواني العابر فِي كتاب الْبُسْتَان قَالَ كَانَ عبد الْمطلب قد رأى فِي الْمَنَام كَأَن سلسلة من فضَّة خرجت من ظَهره لَهَا طرف فِي السَّمَاء وطرف فِي الْمشرق وطرف فِي الْمغرب ثمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَة على كل ورقة مِنْهَا نور وَإِذا أهل الْمشرق وَالْمغْرب كَأَنَّهُمْ يتعلقون بهَا فَقَصَّهَا فعبرت لَهُ بمولود يكون من صلبه يتبعهُ أهل الْمشرق وَأهل الْمغرب وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَالْأَرْض فَلذَلِك سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حدثته بِهِ أمه آمنهُ حِين قيل لَهَا إِنَّك قد حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة فَإِذا وَضعته فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا قَالَ السُّهيْلي مُحَمَّد مَنْقُول من صفة فِي معنى مَحْمُود وَلَكِن فِيهِ معنى الْمُبَالغَة
والتكرار لِأَن المحمد الَّذِي حمد مرّة بعد مرّة كَمَا ان المكرم من أكْرم مرّة بعد مرّة وَكَذَلِكَ الْمَدْح وَنَحْو ذَلِك فاسم مُحَمَّد مُطَابق لمعناه وَالله سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ بِهِ قبل أَن يُسمى بِهِ علم من أَعْلَام نبوته ﵇ إِذْ كَانَ اسْمه صَادِقا عَلَيْهِ فَهُوَ
مَحْمُود فِي الدُّنْيَا بِمَا هدى إِلَيْهِ ونفع بِهِ من الْعلم وَالْحكمَة وَهُوَ مَحْمُود فِي الْآخِرَة بالشفاعة فقد تكَرر معنى الْحَمد ومحمود أَيْضا من أَسْمَائِهِ
قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب أعلم أَن من أَسمَاء الله تَعَالَى الحميد وَمَعْنَاهُ الْمَحْمُود لِأَنَّهُ تَعَالَى حمد نَفسه وحمده عبَادَة وَقد سمى الرَّسُول
بمحمود وَكَذَا وَقع اسْمه فِي زبور دَاوُد وَقَالَ الشَّامي فِي سيرته وَمن أَسْمَائِهِ
الْمَحْمُود وَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يحمد لِكَثْرَة خصالة الحميدة قَالَ حسان بن ثَابت ﵁
فَأصْبح مَحْمُودًا إِلَى الله رَاجعايبكيه حق المرسلات ويحمد
وَهُوَ من أسمائة تَعَالَى قَالَ حسان أَيْضا
وشق لَهُ من اسْمه ليجله
ا. هـ.
وَعَلِيهِ فَهُوَ اسْم مُشْتَرك بَين الله وَبَين نبيه وَلم أر من صرح بِهِ غير الشَّامي وَأما أَحْمد فَهُوَ اسْمه ﵊ ُ الَّذِي سمي بِهِ على لِسَان عِيسَى ومُوسَى قَالَ السُّهيْلي هُوَ مَنْقُول من الصّفة الَّتِي مَعْنَاهَا التَّفْضِيل فَمَعْنَى أَحْمد أَحْمد الحامدين لرَبه وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يفتح عَلَيْهِ فِي الْمقَام الْمَحْمُود محامد لم تفتح على أحد قبله فيحمد بهَا ربه وَلذَلِك يعْقد لَهُ لِوَاء الْحَمد وَقَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة أَحْمد هُوَ مَأْخُوذ من الْحَمد كَمَا أَخذ من الْحمرَة أَحْمَر وَمن الصُّفْرَة أصفر وَأحمد أبلغ من مُحَمَّد كَمَا أَن أَحْمَر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر لِأَنَّهُ فِي أَحْمَر وأصفر ألزم وَلَيْسَ أَحْمد بمنقول من الْفِعْل الْمُضَارع وَلَا هُوَ أفعل فَتَقول كأكرم وَمن هَذَا الله أكبر
وَحسان هُوَ أَبُو الْوَلِيد بن ثَابت بن الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ من بني النجار وَأمه الفريعة بنت خنس من بني الْخَزْرَج والفريعة بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة مصغر قرعَة بِالتَّحْرِيكِ وَهِي القملة الْكَبِيرَة قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَهُوَ جاهلي إسلامي مُتَقَدم الْإِسْلَام إِلَّا أَنه لم يشْهد مَعَ رَسُول الله
مشهدا لِأَنَّهُ كَانَ يرْمى بالجبن لعِلَّة أَصَابَته وَكَانَت لَهُ نَاصِيَة يسدلها بَين عَيْنَيْهِ وَكَانَ يضْرب بِلِسَانِهِ روثه أَنفه من طوله وَيَقُول وَالله لَو وَضعته على شعر لحلقه أَو على صَخْر لفلقة وعاش فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة فَهُوَ من المخضرمين وَمَات فِي زمن مُعَاوِيَة وكف بَصَره فِي آخر عمْرَة
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع