من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
(أَمرتك الْخَيْر)
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ
أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِفقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب
على أَن الْجُزُولِيّ منع نِيَابَة الْمَنْصُوب بِسُقُوط الْجَار مَعَ وجود الْمَفْعُول بِهِ الْمَنْصُوب من غير حذف الْجَار وَأَصله أَمرتك بِالْخَيرِ لِأَن أَمر يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الْكَاف هُنَا وبحرف الْجَرّ إِلَى آخر ف الْخَيْر مَنْصُوب بِنَزْع الْبَاء بِدَلِيل مَا أمرت بِهِ قَالَ الأعلم وسوغ الْحَذف وَالنّصب أَن الْخَيْر اسْم فعل يحسن أَن وَمَا عملت فِيهِ فِي مَوْضِعه وَأَن يحذف مَعهَا حرف الْجَرّ كثيرا تَقول أَمرتك أَن تفعل تُرِيدُ بِأَن تفعل فَإِذا وَقع موقع أَن اسْم فعل شبه بهَا فَحسن الْحَذف فَإِن قلت أَمرتك بزيد لم يجز أَن تَقول أَمرتك زيدا انْتهى وَنقل ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ هَذَا الْكَلَام فِي شرح أَبْيَات الْجمل إِلَّا أَنه قَالَ الْخَيْر مصدر وَهَذَا لَيْسَ بجيد قَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح عِنْد قَول الشَّاعِر
وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمرهوَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما
يجوز أَن يكون جعل الْخَيْر كِنَايَة عَن كل مَا يحمد من إِصَابَة الْحق وتعاطي الْعدْل وَاتِّبَاع الرشد وَيكون وَمن يغو على الضِّدّ مِنْهُ وَيجوز أَن يكون الْخَيْر كِنَايَة عَن الْغنى خَاصَّة والغي كِنَايَة عَن الْفقر وَقد علم أَن الْغنى مَحْمُود والفقر مَذْمُوم وَالْعرب تسمى كل مرتضى عِنْدهم خيرا وَحقا وصوابا
وحسنا وكل مَذْمُوم عِنْدهم شرا وَخطأ وسيئة وجهلا وغيا انْتهى وَقد أورد القَاضِي هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى (فأفعلوا مَا تؤمرون على أَنه بِتَقْدِير تؤمرون بِهِ كَمَا فِي الْبَيْت وَلَا يخفى ركاكة قَول شَارِح شواهده الْموصِلِي إِن الْأَمر لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْبَاء وَقد شاع حذفه فِي هَذَا الْفِعْل وَكثر اسْتِعْمَال أَمرته كَذَا حَتَّى لحقت بالأفعال المتعدية إِلَى مفعولين هَذَا كَلَامه روى أَبُو عَليّ الهجري فِي نوادره أَمرتك الرشد بدل الْخَيْر وَهُوَ الصّلاح وإصابة الصَّوَاب وَفعله من بَابي تَعب وَقتل وَأمرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَضمير بِهِ لما الموصولة أَو الموصوفة وَالْفَاء الأولى جَوَاب شَرط مُقَدّر أَي إِن تمتثل فافعل وَقَالَ اللَّخْمِيّ جَوَاب لما فِي الْجُمْلَة من معنى الْأَمر وَالْفَاء الثَّانِيَة جَوَاب الْأَمر وَقَالَ أَيْضا ذَا حَال من الْكَاف فِي تركتك وَالْعَامِل فِيهِ ترك وَهُوَ بِمَعْنى صَاحب وَهُوَ عِنْد ابْن درسْتوَيْه مفعول ثَان لتركت لِأَنَّهَا تتعدى إِلَى مفعولين وَالثَّانِي هُوَ الأول وَهَذَا وهم لِأَن تركت فِي معنى خليت وخليت لَا يَجِيء مَعهَا إِلَّا الْحَال فَكَذَلِك لَا يَجِيء مَعَ تركت إِلَّا الْحَال انْتهى وَالصَّوَاب أَن ترك يتَضَمَّن معنى جعل فيتعدى تعديته وَهَذَا مستفيض لَا يخفى على مثله وَقَالَ ابْن خلف وتركتك إِن كَانَ بِمَعْنى صيرتك كَانَ ذَا مَال مَفْعُولا ثَانِيًا كَمَا تَقول تركت زيدا فَقِيه الْبَلَد إِذا كنت أَنْت الَّذِي فقهته وعلمته وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ (تركناها آيَة) أَي جعلناها وصيرناها وَإِن كَانَت بِمَعْنى خلفتك كَانَ ذَا مَال حَالا كَمَا تَقول تركت زيدا وَهُوَ فَقِيه الْبَلَد انْتهى وَقد للتحقيق وَقَالَ اللَّخْمِيّ يجوز أَن تكون للتوقع أَيْضا وَالْمَال قَالَ
اللَّخْمِيّ فِي شرح فصيح ثَعْلَب هُوَ عِنْد الْعَرَب الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا يُقَال لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّة مَال وَإِنَّمَا يُقَال لَهما ناض وَأقله مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَمَا نقص عَن ذَلِك فَلَيْسَ بِمَال وَحكى أَبُو عمر صَاحب الياقوته المَال الصَّامِت والناطق فالصامت الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم والجواهر والناطق الْبَعِير وَالْبَقَرَة وَالشَّاة قَالَ وَمِنْه قَوْلهم مَاله صَامت وَلَا نَاطِق وَمِنْهُم من أوقع المَال على جَمِيع مَا يملكهُ الْإِنْسَان وَهُوَ الصَّحِيح انْتهى وَيشْهد لِلْقَوْلِ الْأَخير قَوْله تَعَالَى (وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم وَهَذَا لَا يخص شَيْئا دون شَيْء والنشب بالشين الْمُعْجَمَة قيل بِمَعْنى جَمِيع مَا يملك بِمَعْنى المَال وَقيل المَال الْأَصِيل الثَّابِت بِمَعْنى الْعقار كالدور والضياع مَأْخُوذ من نشب الشَّيْء إِذا ثَبت فِي مَوضِع لُزُومه فعلى الأول يكون من عطف المترادفين للتوكيد وعَلى الثَّانِي يكون من عطف الْخَاص على الْعَام وَإِن فسر المَال بِغَيْر القَوْل الْأَخير كَانَ من عطف المتقابلين وَقَالَ الأعلم قد قيل إِن النشب هُنَا جَمِيع المَال فَيكون عطفه على الأول مُبَالغَة وتوكيدا وسوغ ذَلِك أختلاف اللَّفْظَيْنِ وَهَذَا كَلَامه فَتَأَمّله وَهَذِه رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَرَوَاهُ الهجري فِي نوادره ذَا نسب بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ اللَّخْمِيّ وَأَبُو الْوَلِيد الوقشي فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا معنى لإعادة ذكر المَال وَإِنَّمَا يَقُول تركتك غَنِيا حسيبا يُخَاطب ابْنه وَقد نسب السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي هَذَا الْكَلَام لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يكْتب عَلَيْهِ هُنَا شَيْئا وَإِنَّمَا كتب مَا يُقَارب هَذَا فِي أَبْيَات الْجمل وَقد ورد هَذَا الْبَيْت فِي شعرين أَحدهمَا فِي شعر أعشى طرود وَالثَّانِي فِي شعر اخْتلف فِي قَائِله أما الأول فقد نَقله الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَهُوَ
يَا دَار أَسمَاء بَين السفح فالرحبأقوت وَعفى عَلَيْهَا ذَاهِب الحقب
فَمَا تبين مِنْهَا غير منتضدوراسيات ثَلَاث حول منتصب
وعرصة الدَّار تستن الرِّيَاح بهَاتحن فِيهَا حنين الوله السَّلب
دَار لأسماء إِذْ قلبِي بهَا كلفوَإِذ أقرب مِنْهَا غير مقترب
إِن الحبيب الَّذِي أمسيت أهجرهمن غير مقلية مني وَلَا غضب
أصد عَنهُ ارتقابا أَن ألم بِهِوَمن يخف قالة الواشين يرتقب
إِنِّي حوبت على الأقوام مكرمَةقدما وَحَذَّرَنِي مَا يَتَّقُونَ أبي
وَقَالَ لي قَول ذِي علم وتجربةبسالفات أُمُور الدَّهْر والحقب
أَمرتك الرشد فافعل مَا أمرت بِهِ
انْتهى وَقَالَ اللَّخْمِيّ من قَالَ إِن الْبَيْت لأعشى طرود قَالَ بعده
لَا تبخلن بِمَال عَن مذاهبهفِي غير زلَّة إِسْرَاف وَلَا تغب
فَإِن وراثه لن يحمدوك بِهِإِذا أجنوك بَين اللَّبن والخشب
وَقد أورد الهجري أَيْضا فِي نوادره هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَأما الثَّانِي فَهُوَ هَذَا
فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرةمجرب عَاقل نزة عَن الريب
قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسهأَب كريم وجد غير مؤتشب
أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِفقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب
واترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُمواعمد لأخلاق أهل الْفضل وَالْأَدب
وَإِن دعيت لغدر أَو أمرت بِهِفاهرب بِنَفْسِك عِنْد آبد الْهَرَب
وَهَذَا الشّعْر قد نسب إِلَى عَمْرو بن معد يكرب وللعباس بن مرداس ولزرعة ابْن السَّائِب ولخفاف بن ندبة قَالَ اللَّخْمِيّ من نسب الْبَيْت لأحد الثَّلَاثَة الأول قَالَ قبْلَة
فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرة الْبَيْت
وَنسب قَوْله فاترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُم
وَقَوله قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسه الْبَيْتَيْنِ إِلَى أعشى طرود لَا غير وَقَالَ هما بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَقد نسب الْبَيْت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ لعَمْرو بن معد يكرب وَالله أعلم وأعشى طرود قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف لم يذكر اسْمه وَلَا عرف نسبه إِلَى الْقَبِيل وَبَنُو طرود من فهم بن عَمْرو بن قيس بن عيلان وهم حلفاء بني سليم ثمَّ فِي بني خفاف انْتهى وَنقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب هَذَا الْكَلَام وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي نقلا عَن نَوَادِر الهجري وَاللَّخْمِيّ نقلا عَن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن سراج إِن أعشى طرود اسْمه إِيَاس بن مُوسَى بِكَسْر الْهمزَة بعْدهَا مثناة تحتية وَلم يزيدا على هَذَا قَالَ المرزباني حضر هوذه بن الْحَارِث الْمَعْرُوف بِابْن حَملَة فِي أَيَّام عمر الْعَطاء فَدَعَا قبله إِيَاس بن مُوسَى هَذَا فَقَالَ هَوْذَة
لقد دَار هَذَا الْأَمر فِي غير أَهلهفابصر أَمِين الله كَيفَ تذود
ايدعى جشيم والسويد أمامناويدعى إِيَاس قبلنَا وطرود
فَإِن كَانَ هَذَا فِي الْكتاب فهم إِذنمُلُوك سوى حَرْب وَنحن عبيد
انْتهى وَفهم من هَذَا أَن أعشى طرود إسلامي لَكِن لَو يعلم مَا هُوَ صَحَابِيّ أم تَابِعِيّ وَالله أعلم وَقَوله يَا دَار أَسمَاء بَين السفح إِلَخ قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ السفح بِلَفْظ سفح الْجَبَل وَهُوَ أَسْفَله حَيْثُ يسفح فِيهِ المَاء وَهُوَ مَوضِع كَانَت بِهِ وقْعَة بَين بكر بن وَائِل وَتَمِيم وَلم يذكر أَبُو عبيد هَذِه الْكَلِمَة فِي المعجم
والرحب بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ مَوضِع وَلم يذكرهَا أَبُو عبيد وَلَا ياقوت وأقوت خلت من الأنيس كَأَنَّهُ ذهب قوتها وَعفى عَلَيْهَا بِالتَّشْدِيدِ كعفاها أَي طمسها ومحا علاماتها والحقب بِضَمَّتَيْنِ الدَّهْر وبكسر فَفتح جمع حقبة وَهِي السّنة أَي طمسها الدَّهْر الذَّاهِب والسنون الْمَاضِيَة وَتبين ظهر والمنتضد الْحِجَارَة المصفوفة بَعْضهَا فَوق بعض وَأَرَادَ بقوله راسيات ثَلَاث حِجَارَة الْقدر الثَّلَاثَة وَهُوَ مَعْطُوف على منتضد وَكَذَلِكَ عَرصَة واستنت الرِّيَاح هبت عَلَيْهَا من هُنَا وَمن هُنَا والوله جمع الواله الْمَرْأَة الَّتِي فقدت وَلَدهَا وَالسَّلب بِضَمَّتَيْنِ اللابسة الثِّيَاب السود وتحن من الحنين بِمَعْنى الأنين وَقَوله وَإِذ أقرب مِنْهَا إِلَخ أَي أمني نَفسِي مِنْهَا مَا لَا يكون والمقلية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر بِمَعْنى القلى وَهُوَ البغض والكراهية والارتقاب الِانْتِظَار وَأَن ألم أَي لِأَن أنزل وَأحل بِهِ والتغب بمثناة فوقية فغين مُعْجمَة قَالَ اللَّخْمِيّ هُوَ جمع تغبة وَهِي السقطة وَمَا يعاب بِهِ ابْنه والتغب أَيْضا الْهَلَاك وَقَالَ فِي الصِّحَاح تغب بِالْكَسْرِ تغبا هلك ونزه بِفَتْح وَسُكُون الزَّاي الْبعيد سكن الزَّاي وَهِي مَكْسُورَة للضَّرُورَة والمؤتشب الْمُخْتَلط يُقَال أشبت الْقَوْم إِذا خلطت بَعضهم بِبَعْض
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع