من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة
يَا لَيْتَني كنت صبيّاً مُرْضعًاتحملنِي الذّلفاء حولا أكتعا
على أَن الْكُوفِيّين اسْتشْهدُوا بِهِ على جَوَاز توكيد النكرَة المؤقتة الْمَعْلُومَة الْمِقْدَار وَهُوَ حول بِمَعْنى الْعَام.
قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: حَال حولا من بَاب قَالَ إِذا مضى. وَمِنْه قيل للعام حول وَإِن لم يمض لِأَنَّهُ سَيكون حولا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ.
وَفِيه شَاهد آخر وَهُوَ التَّأْكِيد ب أَكْتَع غير مَسْبُوق بأجمع. وَبعده بَيت آخر وَهُوَ:
إِذا بَكَيْت قبّلتني أَرْبعاإِذن ظللت الدّهر أبْكِي أجمعا
وَفِيه أَيْضا شَاهِدَانِ: أَحدهمَا: التَّأْكِيد بأجمع غير مَسْبُوق بِكُل. وَثَانِيهمَا: الْفَصْل بَين الْمُؤَكّد قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: نظر أَعْرَابِي إِلَى امْرَأَة حسناء وَمَعَهَا صبي يبكي فَكلما بَكَى قبلته فَأَنْشَأَ يَقُول هَذَا
وَقَوله: يَا لَيْتَني الخ يَا حرف تَنْبِيه ومرضع اسْم مفعول من أَرْضَعَتْه إرضاعاً. وَجُمْلَة: تحملنِي الذلفاء صفة ثَانِيَة. وَيجوز أَن تكون حَالا من ضمير مرضع وَيجوز أَن تكون خَبرا ثَانِيًا لَكُنْت.
والذلفاء بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَبعد اللَّام الساكنة فَاء: وصف مؤنث أذلف من الذلف وَهُوَ صغر الْأنف واستواء الأرنبة. وَيحْتَمل أَنه اسْم امْرَأَة مَنْقُول من هَذَا.
وأكتع قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال إِنَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم: أَتَى عَلَيْهِ حول كتيع أَي: تَامّ.
وَقَوله: أَرْبعا أَي: تقبيلاً أَرْبعا. وظللت بِكَسْر اللَّام وظل بِمَعْنى اسْتمرّ من أَخَوَات كَانَ التَّاء اسْمهَا وَجُمْلَة أبكى فِي مَوضِع نصب خَبَرهَا والدهر ظرف لأبكي. وَجُمْلَة إِذن ظللت الخ جَوَاب لشرط مَحْذُوف أَي: إِن حصل مَا تمنيته استمررت فِي الْبكاء حَتَّى تستمر الذلفاء تحملنِي وتقبلني كلما بَكَيْت.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن التَّقْدِير: إِن لم يكن الْأَمر كَذَا إِذن ظللت الخ. وَلَا يخفى أَن هَذَا عكس مُرَاد الشَّاعِر.
وَأنْشد بعده: لما تقدم قبله:)
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: هَذَا شَاذ وَإِن لم يكن مصنوعاً فوجهه عِنْدِي أَن أجمع هَذِه لَيست الَّتِي تسْتَعْمل للتَّأْكِيد أَعنِي الَّتِي مؤنثها جَمْعَاء وَلَكِن الَّتِي فِي قَوْلك: أخذت المَاء بأجمعه وأمعه بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا أَي: بكليته فدخلو الْعَامِل عَلَيْهَا ومباشرته إِيَّاهَا يدل على أَنَّهَا لَيست التابعة للتوكيد فَذَلِك قَوْله: يَوْمًا أجمعا أَي: يَوْمًا بأجمعه ثمَّ حذف حرف الْجَرّ ثمَّ أبدل الْهَاء ألفا فَصَارَ أجمعا. انْتهى.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة: قد صرّت البكرة يَوْمًا أجمع على أَن يَوْمًا من غير تَنْوِين وَأَصله يومي فالألف منقلبة عَن يَاء الْمُتَكَلّم فأجمع توكيد للمعرفة.
أَقُول: إِن كَانَ يومي ظرفا فَلم لم ينصب أجمع وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَمَا هُوَ مَعَ أَن مَا قبله عِنْده: إنّا إِذا خطّافنا تقعقعا وَهَذَا من الرجز الَّذِي لَا يجوز اخْتِلَاف قوافيه. وَهَذَا التَّوْجِيه تعسفه ظَاهر ككلام ابْن جني.
وَقد اسْتدلَّ الْكُوفِيُّونَ بِأَبْيَات أخر مِنْهَا قَوْله:
وَمِنْهَا قَوْله: ثلاثٌ كلّهنّ قتلت عمدا وَمِنْهَا قَوْله:
إِذا الْقعُود كرّ فِيهَا حفدايَوْمًا جَدِيدا كلّه مطّردا
وَمِنْهَا قَوْله:
زحرت بِهِ لَيْلَة كلّهافَجئْت بِهِ مودناً خنفقيقاً
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أجَاب البصريون عَن هَذِه الأبيات بِأَن الرِّوَايَة فِي الأول يَا لَيْت عدَّة حَولي بِالْإِضَافَة إِلَى الْيَاء. وَعَن الثَّانِي بِأَن كُلهنَّ بدل من ثَلَاث أَو جملَة كُلهنَّ قتلت خبر عَن الثَّلَاث. وَعَن الثَّالِث بِأَن كُله بِالرَّفْع لتوكيد الضَّمِير فِي جَدِيد. وَأما قد صرت البكرة يَوْمًا أجمعا فمجهول. لَا يعرف قَائِله.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ مَبْنِيّ على الطعْن فِي روايتهم وَهَذَا لَا يجوز لأَنهم ثِقَات.
ثمَّ قَالَ: وَأما قَول الْكُوفِيّين بِأَن الْيَوْم مُؤَقّت فَيجوز أَن تقعد بعضه وَاللَّيْلَة مُؤَقَّتَة فَيجوز أَن)
تقوم بَعْضهَا فَإِذا أكدت صَحَّ معنى التَّأْكِيد. قُلْنَا: هَذَا لَا يَسْتَقِيم
فَإِن الْيَوْم وَإِن كَانَ مؤقتاً إِلَّا أَنه لم يخرج عَن كَونه نكرَة شائعة وتأكيدها بالمعرفة لَا يجوز لِأَن تَأْكِيد مَا لَا يعرف لَا فَائِدَة أَقُول: ادعاؤه عدم الاسْتقَامَة مَمْنُوع وَالْفرق ظَاهر فَإِن التَّأْكِيد بِاعْتِبَار أَجزَاء الْيَوْم وَاللَّيْلَة ليشْمل جَمِيعهَا والشيوع بِاعْتِبَار جنس الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك.
وَقد أَشَارَ الشَّارِح الْمُحَقق إِلَى مَا ذكرنَا وَالله أعلم.
وَقد تقدم شرح هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع