تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة

فيه ١٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة

أقبلن من ثهلان أَو وَادي خيمعلى قلاصٍ مثل خيطان السّلم

على أَن الأندلسي جوز أَن يُقَال فِي جمع الْمُذكر الْعَاقِل المكسر الرِّجَال كُلهنَّ مستدلاً بِهَذَا الْبَيْت. وَلم يظْهر لي وَجهه وَكَأن وَجه الِاسْتِدْلَال أَن نون أقبلن ضمير الْعُقَلَاء الذُّكُور أَي: الرِّجَال أَو الركب أَو نَحْوهمَا وَإِنَّمَا أنث لتأويله بِالْجَمَاعَة.

وَالدَّلِيل على أَن مرجع الضَّمِير مَا ذكر قَوْله بعد: حتّى أنخناها على بَاب الحكم فَدلَّ مَا بعد الْكَلَام على مَا قبله. وَفِيه أَنه لَا يجب أَن يتحدا وَيجوز أَن تكون النُّون ضمير النسْوَة أَو أَن أَصله أَقبلنَا فحذفت الْألف ضَرُورَة فَيكون من بَاب التقارض.

وَهَذِه الْمَسْأَلَة لم أرها إِلَّا هُنَا عَن الأندلسي. وَقد راجعت شُرُوح التسهيل وارتشاف الضَّرْب فَلم أر فِيهَا أَن النُّون تعود على الْجمع المكسر للعاقل بتأويله بِالْجَمَاعَة.

بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه سَوَاء أجعلت النُّون حرفا أم ضميراً. وَيَأْتِي شَرحه بعد هَذَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد الثلاثمائة.

وَهَذَا أول رجز لجرير بن الخطفى أورد الْمبرد بَعْضًا مِنْهُ فِي الْكَامِل وَفِي الاعتنان. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أخبرنَا أَيُّوب بن كسيب بن عَطاء بن الخطفى قَالَ: قدم جرير فِي إمرة الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ الْبَصْرَة وَكَانَ الحكم ابْن عَم الْحجَّاج وعامله. قَالَ: وَأَنا مَعَه وَكَانَ أَيُّوب بن كسيب لَا يُفَارِقهُ ومدح الحكم فَقَالَ:

أقبلن من ثهلان أَو وَادي خيمعلى قلاصٍ مثل خيطان السّلم
حتّى أنخناها إِلَى بَاب الحكمخَليفَة الحجّاج غير المتّهم

فِي ضئضئ الْمجد وبحبوح الْكَرم فأعجب بِهِ الحكم بن أَيُّوب ووجده باقعة. قَالَ: فَكتب إِلَى الْحجَّاج: إِنَّه قدم عَليّ أَعْرَابِي شَيْطَان من أشعر النَّاس وأفصحهم وَوَصفه لَهُ. قَالَ: فَكتب الْحجَّاج أَن يسرحه إِلَيْهِ حِين يقْرَأ كِتَابه. قَالَ: فَلَمَّا قدم الْكتاب أمرنَا الحكم فشخصنا حَتَّى قدمنَا على الْحجَّاج وامتدحه جرير)

بكلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

الطَّوِيل قَالَ: وَأما مسحل بن كسيب أَخُو أَيُّوب فَحَدثني أَن أول كلمة امتدحه بهَا كَلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

من سدّ مطّلع النّفاق عَلَيْكُمأم من يصول كصولة الحجّاج
أم من يغار على النّساء عشيّةًإِذْ لَا يثقن بغيرة الْأزْوَاج
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى لفؤادك المهتاج»

قَالَ: فَأمر لَهُ الْحجَّاج بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم وَكسَاء حلَّة صفراء وأنزلنا فِي دَار ضيافته. انْتهى.

وَزَاد فِي الْكَامِل أَن جَرِيرًا لما دخل على الْحجَّاج قَالَ لَهُ: بَلغنِي أَنَّك ذُو بديهة فَقل لي فِي هَذِه لجارية قَائِمَة على رَأسه فَقَالَ جرير: مَا لي أَن أَقُول فِيهَا حَتَّى أتأملها وَمَالِي أَن أتأمل جَارِيَة الْأَمِير فَقَالَ: بلَى فتأملها واسألها. فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمك يَا جَارِيَة فَأَمْسَكت فَقَالَ لَهَا الْحجَّاج: خبريه يَا لخناء. فَقَالَت: أُمَامَة. فَقَالَ جرير:

ودّع أُمَامَة حِين حَان رحيلإنّ الْوَدَاع لمن تحبّ قَلِيل
مثل الْكَثِيب تمايلت أعطافهفالرّيح تجبر مَتنه وتميل
هذي الْقُلُوب صوادياً تيّمتهاوَأرى الشّفاء وَمَا إِلَيْهِ سَبِيل

فَقَالَ الْحجَّاج: قد جعل الله لَك السَّبِيل إِلَيْهَا خُذْهَا هِيَ لَك. فَضرب بِيَدِهِ إِلَى يَدهَا فتمنعت عَلَيْهِ فَقَالَ:

الْكَامِل فاستضحك الحجّاج وَأمر بتجهيزها مَعَه إِلَى الْيَمَامَة. وخبرت أَنَّهَا كَانَت من أهل الرّيّ وَكَانَ إخوتها أحراراً فَاتَّبعُوهُ فَأَعْطوهُ بهَا حَتَّى بلغُوا عشْرين ألفا فَلم يفعل.

وَفِي ذَلِك يَقُول:

إِذا عرضوا عشْرين ألفا تعرّضتلأمّ حكيمٍ حاجةٌ هِيَ مَا هيا
لقد زِدْت أهل الرّيّ عِنْدِي مودّةًوحبّبت أضعافاً إليّ المواليا
للشاعر جرير، من قصيدة «إذا أعرضوا ألفين منها تعرضت»

فأولدها حكيماً وبلالاً وحرزة بني جرير. انْتهى.

وثهلان: بِفَتْح الْمُثَلَّثَة: جبل بِالْيمن وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ: هُوَ جبل بِالْعَالِيَةِ. وأصل الثهل الانبساط على الأَرْض. ولضخم هَذَا الْجَبَل تضرب بِهِ الْعَرَب الْمثل فِي الثّقل فَتَقول: أثقل من ثهلان. وخيم بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: جبل.

قَالَ صَاحب الأغاني: ثهلان جبل كَانَ لباهلة ثمَّ غلبت عَلَيْهِ نمير. وخيم: جبل يناوحه من)

طرفه الْأَقْصَى فِيمَا بَين رُكْنه الْأَقْصَى وَبَين مطلع الشَّمْس بِهِ مَاء ونخل. انْتهى.

وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَالَّذِي فِي ديوانه وَرَوَاهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي المعجم: أقبلن من جَنْبي فتاخ وإضم وَقَالَ: فتاخ بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا مثناة فوقية وَآخره خاء مُعْجمَة: مَوضِع. وَقَالَ الهجري: فتاخ بأطراف الدهناء مِمَّا يَلِي الْيَمَامَة. وإضم بِكَسْر الْهمزَة: وَاد دون الْمَدِينَة وَقيل جبل. والقلاص: جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة. وخيطان جمع خوط بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْغُصْن.

وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: مثل أَغْصَان السّلم. أَرَادَ أَن القلاص هزلت من شدَّة السّفر حَتَّى صَارَت كأغصان السّلم فِي الدقة والضمر.

وَزَاد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ بعد هَذَا فِي شرح أمالي القالي:

قد طويت بطونها على الْأدمإِذا قطعن علما بدا علم
فهنّ بحثا كمضلاّت الخدمحتّى تناهين إِلَى بَاب الحكم

الْعلم: الْجَبَل. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال. قَوْله: إِذا قطعن علما بدا علم مثل يضْرب لمن يفرغ من أَمر فَيعرض لَهُ آخر.

وَقَوله: فهن بحثا أَي: يبحثن بحثا بمناسمهن الأَرْض كَمَا يبْحَث المضلات خلاخيلهن فِي التُّرَاب.

والخدم: جمع خدمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الخلخال. والضئضئ بِكَسْر الضادين المعجمتين والهمزة الأولى بَينهمَا سَاكِنة: الأَصْل وَالْجِنْس. والبحبوح بِضَم الباءين والحاء الْمُهْملَة الأولى بَينهمَا سَاكِنة: الْوسط.

وَقد أورد صَاحب الأغاني حِكَايَة جرير مَعَ الْحجَّاج على غير هَذَا النمط وَأطَال وَزَاد الأبيات.

وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع فِي أول الْكتاب.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»