تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد الستمائة

فيه ١٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعيويغضب مِنْهُ صَاحِبي بقؤول
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

على أَن سِيبَوَيْهٍ جوز فِي يغْضب النصب وَالرَّفْع.

وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: وَسَمعنَا من ينشد هَذَا الْبَيْت من الْعَرَب وَهُوَ لكعبٍ الغنوي بِالنّصب.

وَالرَّفْع أَيْضا جائزٌ حسن. ويغضب مَعْطُوف على الشَّيْء وَيجوز رَفعه على أَن يكون دَاخِلا فِي صلَة الَّذِي. انْتهى.

قَالَ النّحاس: قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد: الرّفْع الْوَجْه لِأَن يغْضب فِي صلَة الَّذِي لِأَن مَعْنَاهُ الَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي. قَالَ: وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يقدم النصب ويثني بِالرَّفْع وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يَصح عَلَيْهِ الْكَلَام إِنَّمَا يكون بِأَن يَقع يغْضب فِي الصِّلَة كَمَا ذكرت لَك.

وَمن أجَاز النصب فَإِنَّمَا يَجْعَل يغْضب مَعْطُوفًا على الشَّيْء وَذَلِكَ جَائِز وَلكنه بعيد. وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الشَّيْء منعوت فَكَأَن تَقْدِيره: وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي هَذِه حَاله وَلِأَن يغْضب صَاحِبي.

وَهُوَ كلامٌ مَحْمُول على مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقُول الْغَضَب. وَمثل هَذَا تجوز. تَقول: إِنَّمَا جَاءَ بك طَعَام زيد. وَالْمعْنَى: إِنَّمَا جِئْت من أَجله.

قَالَ أَبُو إِسْحَاق: النصب بِمَعْنى وَغَضب أَي: دون غضب صَاحِبي. وَالرَّفْع على أَن يكون دَاخِلا فِي صلَة الَّذِي كَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي. وَسَأَلت عَنهُ أَبَا الْحسن فَقَالَ: أَي: يكون يغْضب مَنْصُوبًا بعد الْوَاو فِي جَوَاب النَّفْي الأول الَّذِي هُوَ: وَمَا أَنا دون الثَّانِي الَّذِي هُوَ: لَيْسَ نافعي. وَهُوَ الْمُسَمّى فِي الشَّرْح بِالصرْفِ. وَهُوَ مُخْتَار الشَّارِح تبعا لصَاحب اللّبَاب.

وَفِيه ردٌّ على ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على الْمفصل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه زعم أَن الْوَاو فِي ويغضب لَيست وَاو الْجمع وَإِنَّمَا هِيَ وَاو الْعَطف. وَذكرهَا الزَّمَخْشَرِيّ وَإِن لم يكن بَابهَا لموافقتها لواو الْجمع من وَجْهَيْن الرّفْع وَالنّصب. وَكَذَلِكَ فعل فِي الْفَاء.

ثَانِيهمَا: فِي اتِّبَاعه لسيبويه فِي زَعمه أَن يغْضب مَعْطُوف على قَوْله للشَّيْء.

بَقِي احتمالٌ آخر لعطف يغْضب الْمَنْصُوب قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون مَعْطُوفًا على نافعي لأمر معنوي وَهُوَ أَنه يصير الْمَعْنى: لَا يَنْفَعنِي وَلَا يغْضب صَاحِبي. وَلَيْسَ الْغَرَض كَذَلِك بل الْغَرَض نفي النَّفْع عَنهُ وَإِثْبَات الْغَضَب للصاحب.)

وَأورد على مُخْتَار الشَّارِح بِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ تقدم الْمَعْطُوف وَهُوَ يغْضب على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ قؤول. وَأجَاب بِأَنَّهُ قَوْله: ويغضب فِي نِيَّة التَّأْخِير إِذْ التَّقْدِير: وَمَا أَنا بقؤول للشَّيْء الَّذِي لَا يَنْفَعنِي ويغضب صَاحِبي بِالنّصب أَي: مَعَ غضب صَاحِبي.

فيغضب وَإِن كَانَ مقدما لفظا على قؤول فَهُوَ مُتَأَخّر معنى لِأَن بقؤول خبر مَا فَهُوَ مقدم فِي وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: بل هُوَ عطف على نافعي أَرَادَ بِكِتَاب الشّعْر كِتَابه الْمُسَمّى بإيضاح الشّعْر وإعراب الشّعْر.

وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ: فِي قَوْلك يغْضب ضَرْبَان: إِن جَعلتهَا دَاخِلَة فِي الصِّلَة كَانَت مَرْفُوعَة لِأَنَّهُ لَا شَيْء يحمل عَلَيْهِ فينصب فَإِذا عطف لم يُخرجهَا من الصِّلَة وَحمل الْكَلَام على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ وَمَا أَنا للَّذي لَا يَنْفَعنِي ويغضب مِنْهُ صَاحِبي بقؤول.

فَإِذا دخل يغْضب فِي الصِّلَة عطف الْمُضَارع على اسْم الْفَاعِل وكل وَاحِد من الْمُضَارع وَاسم الْفَاعِل يعْطف على الآخر لتشابههما. وَمَوْضِع الْمُضَارع الَّذِي هُوَ يغْضب نصبٌ للْعَطْف على خبر لَيْسَ وَالضَّمِير الَّذِي هُوَ مِنْهُ يعود على اسْم لَيْسَ وَالْمقول حينئذٍ هُوَ الشَّيْء وَالْقَوْل يَقع عَلَيْهِ لعمومه واحتماله أَن يكون القَوْل وَغَيره. وَلَيْسَ كالغضب.

فَإِذا أخرج يغْضب من الصِّلَة أضمر أَن بعطفه إِيَّاهَا على الشَّيْء كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي ويغضب صَاحِبي بقؤول.

فالغضب لَا يُقَال وَلَكِن التَّقْدِير وَلقَوْل غضب صَاحِبي. فتضيف القَوْل الْحَادِث عَنهُ الْغَضَب إِلَى الْغَضَب كَمَا تَقول: ضرب التّلف فتضيف الضَّرْب إِلَى مَا يحدث عَنهُ. هَذَا كَلَامه.

وَنظر صَاحب اللّبَاب فِي تَقْدِير القَوْل الْمُضَاف وَبَينه شَارِحه الفالي بِأَن القَوْل

الْمُقدر إِمَّا من أما الأول فَلِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ وُقُوعه على مَا هرب مِنْهُ إِذْ يلْزم أَن يكون الْغَضَب مقولاً.

وَأما الثَّانِي فَلِأَن لَفْظَة مِنْهُ تَدْفَعهُ إِذْ إِضَافَة الملابسة مغنية عَن ذكر مِنْهُ إِذْ قَوْلك قَول غضب صَاحِبي بِمَعْنى الملابسة مَعْنَاهُ قَول يصدر ويتولد عَنهُ غضب صَاحِبي. فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر مِنْهُ كَمَا تَقول: رَأَيْتُك يَوْم خرجت فَإِن الْإِضَافَة مصححة لكَون الْخُرُوج فِي الْيَوْم فَلَا حَاجَة إِلَى أَن تَقول يَوْم خرجت فِيهِ.

وَالْبَيْت من قصيدة لكعب بن سعدٍ الغنوي أوردهَا أَبُو تَمام فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَأورد بَعْضهَا القالي فِي أَمَالِيهِ والشريف فِي حماسته وَهِي:)

لقد أنصبتني أم عمروٍ تلومنيوَمَا لوم مثلي بَاطِلا بجميل
ألم تعلمي أَن لَا يراخي منيتيقعودي وَلَا يدني الْحمام رحيلي
فَإنَّك واللوم الَّذِي ترجعينهعَليّ وَمَا لوامةٌ بعقول
كداعي هديلٍ لَا يُجَاب إِذا دَعَاوَلَا هُوَ يسلو عَن دُعَاء هديل
وَذي ندبٍ دامي الأظل قسمتهمُحَافظَة بيني وَبَين زميلي
وزادٍ رفعت الْكَفّ عَنهُ عفافةًلأوثر فِي زادي عَليّ أكيلي
وَمن لَا ينل حَتَّى يسد خلالهيجد شهوات النَّفس غير قَلِيل

وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي لَيْسَ نافعي............. الْبَيْت

وَلنْ يلبث الْجُهَّال أَن يتهضمواأَخا الْحلم مَا لم يستعن بجهول

وَهَذَا مَا أوردهُ أَبُو تَمام.

وأنصبه: أوقعه فِي النصب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ التَّعَب. وَالْحمام: الْمَوْت. والهديل: فرخ كَانَ على عهد نوحٍ ﵇ فصاده جارحٌ من جوارح الطير. قَالُوا: فَلَيْسَ من حمامةٍ إِلَّا وتبكي عَلَيْهِ.

قَالَ الْكُمَيْت:

وَمَا من تهتفين بِهِ لنصرٍبأقرب جابةً لَك من هديل

وَالنَّدْب بِفتْحَتَيْنِ قَالَ القالي: هُوَ الْأَثر وَجمعه ندوب وأنداب. والأظل بِالْمُعْجَمَةِ قَالَ القالي: هُوَ بَاطِن خف الْبَعِير. والزميل: الرفيق. يُرِيد أَنه قسم ظهر بعيره بَينه وَبَين رَفِيقه فِي الرّكُوب وَلم يتْركهُ مَاشِيا.

والعفافة: الْعِفَّة. والأكيل: المؤاكل. والخلال بِالْكَسْرِ: جمع خلة بِالْفَتْح: الْحَاجة والفقر. والعوراء: الْكَلِمَة القبيحة. وتهضمه وهضمه إِذا دَفعه عَن مَوْضِعه.

وَكَعب بن سعد الغنوي هُوَ شاعرٌ إسلامي وَهُوَ أحد بني سَالم بن عبيد ابْن سعد بن عَوْف بن كَعْب بن جلان بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن غنم

بِسُكُون النُّون ابْن غَنِي بن أعصر. كَذَا وَقد راجعت كتب الصَّحَابَة وَكتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَكتاب الأغاني وَغَيرهَا فَلم أجد تَرْجَمته فِي أَحدهَا إِلَّا مَا قَالَه أَبُو عبيدٍ الْمَذْكُور. وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ.

وَأنْشد بعده:

وَلبس عباءةٍ وتقر عَيْنيأحب إِلَيّ من لبس الشفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة

)

على أَن تقر مَنْصُوب بِأَن بعد وَاو الْعَطف.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لما لم يستقم أَن تحمل وتقر وَهُوَ فعل على لبس وَهُوَ اسْم وَلما ضممته إِلَى الِاسْم وَجعلت أحب لَهما وَلم ترد قطعه لم يكن بُد من إِضْمَار أَن.

قَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو الْحسن: أَي لم ترد لبس عباءة أحب إِلَيّ. وَأَن تقر عَيْني لِأَن هَذَا يبطل الْمَعْنى لِأَنَّهُ لم يرد أَن لبس عباءة أحب إِلَيْهِ. هَذَا سخف إِنَّمَا أَرَادَ قُرَّة الْعين فَلهَذَا نصب.

وَقَالَ الأعلم: نصب تقر بإضمار أَن ليعطف على اللّبْس لِأَنَّهُ اسْم وتقر فعل فَلم يُمكن عطفه عَلَيْهِ فَحمل على إِضْمَار إِن لِأَن أَن وَمَا بعْدهَا اسْم فعطف اسْما على اسْم وَجعل الْخَبَر عَنْهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ أحب.

وَالْمعْنَى: لبس عباءةٍ مَعَ قُرَّة الْعين وصفاء الْعَيْش أحب إِلَيّ من لبس الشفوف مَعَ سخنة الْعين ونكد الْعَيْش.

فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين وَاو الْجمع وواو الْعَطف وَهل هما إِلَّا شيءٌ وَاحِد قلت: وَاو الْجمع فِي الأَصْل للْعَطْف لكنه خص بِبَعْض أَحْوَاله وَذَلِكَ أَن الْمَعْطُوف قد يكون قبل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الْوُجُود وَقد يكون بعده وَقد يكون مَعَه نَحْو: جَاءَ زيد وعمروٌ قبله أَو بعده أَو مَعَه.

فَخص وَاو الْجمع بِمَا يكون بِمَعْنى مَعَ فَهُوَ بِاعْتِبَار أصل معنى الْعَطف احْتَاجَ إِلَى تَقْدِير مصدر منتزع من الأول. وَبِاعْتِبَار اخْتِصَاصه الْعَارِض بِحَال الْمَعِيَّة صَار كَأَنَّهُ قسيمٌ للْعَطْف الْمُطلق الَّذِي لَا يتَقَيَّد. فواو الْجمع عطفٌ مُقَيّد بالمعية وواو الْعَطف غير مُقَيّد بهَا. فَهَذَا هُوَ الْفرق.

وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَلَو رفعت وتقر لجَاز على أَن ينزل الْفِعْل منزلَة الْمصدر وَنَحْو قَوْلهم: تسمع بالمعيدي فَتسمع منزل منزلَة سماعك. وكقول جريرٍ يَعْنِي الفرزدق:

نفاك الْأَغَر بن عبد الْعَزِيزوحقك تنفى من الْمَسْجِد

وَقَول امرىء الْقَيْس:

فدمعهما سحٌّ وسكبٌ وديمةٌورشٌّ وتوكافٌ وتنهملان

قَالَ: يُرِيد وحقك النَّفْي وانهمالٌ.

وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِالْبَيْتِ على قِرَاءَة: أَو آوي بِالنّصب على إِضْمَار أَن كَأَنَّهُ وَالْبَيْت من أَبْيَات لميسون بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة وَتَقَدَّمت مشروحة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخمسين)

بعد الستمائة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»