تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الستمائة

فيه ٢٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

نحاول ملكا أَو نموت وَهُوَ قطعةٌ من بَيت وَهُوَ:

فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَانحاول ملكا أَو نموت فنعذرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

على أَن سِيبَوَيْهٍ جوز الرّفْع فِي قَوْله: نموت إِمَّا بالْعَطْف على نحاول أَو على الْقطع أَي: نَحن نموت.

وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن معنى مَا انتصب بعد أَو على إِلَّا أَن كَمَا كَانَ معنى مَا انتصب بعد الْفَاء. تَقول: لألزمنك أَو تقضيني حَقي ولأضربنك أَو تسبقني. فَالْمَعْنى لألزمنك إِلَّا أَن تقضيني ولأضربنك إِلَّا أَن تسبقني. هَذَا معنى النصب.

قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك.............. الْبَيْت والقوافي مَنْصُوبَة فالتمثيل على مَا ذكرت لَك وَالْمعْنَى على إِلَّا أَن نموت فنعذرا. وَلَو رفعت لَكَانَ عَرَبيا جيدا على وَجْهَيْن: على أَن تشرك بَين الأول وَالْآخر وعَلى أَن يكون مُبْتَدأ مَقْطُوعًا من الأول يَعْنِي أَو نَحن مِمَّن يَمُوت.

وَقَالَ تَعَالَى: ستدعون إِلَى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِن شِئْت كَانَ على وَقَالَ صَاحب التَّكْمِيل: وَيحْتَمل أَن يكون أَو هُنَا للغاية أَي: نحاول الْملك إِلَى أَن نموت.

وَأما نصب قَوْله: فنعذرا فبالعطف على نموت على رِوَايَة النصب وَأما على رِوَايَة الرّفْع فخفيٌّ. وَلِهَذَا حذفه الشَّارِح الْمُحَقق من المصراع.

وَوجه نَصبه الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح بِأَن الْفَاء للسَّبَبِيَّة وَبعدهَا أَن مضمرة فِي جَوَاب النَّفْي الضمني بِتَأْوِيل نموت بِلَا نبقى. فَتَأمل.

ونعذرا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وروى: نعذر من أعذر الرجل إِذا أَتَى بِعُذْر.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وروى: فنعذر بِكَسْر الذَّال أَي: نبلغ الْعذر.

وَالْبَيْت من قصيدةٍ لامرىء الْقَيْس مشتملةٍ على جملٍ من يَوَاقِيت الفصاحة وجواهر البلاغة قَالَهَا لما دخل بِلَاد الرّوم مستجيراً بقيصر لِأَن أَبَاهُ كَانَ قد ولي بني

أَسد فظلمهم فتعاونوا على قَتله كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته فَخرج امْرُؤ الْقَيْس إِلَى قَيْصر يستمده.)

قَالَ أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ فِي كتاب مساوي الْخمر: وَمِمَّنْ بلغ بِهِ إفشاء سره حتفه امْرُؤ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ. وَذَلِكَ أَن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء عِنْد مَا ملك على الْحيرَة عِنْدَمَا ولاه أنوشروان ذَلِك بعد مقتل حجر وَزَوَال ملك بني آكل المرار أرسل جَيْشًا من بكر وتغلب فِي طلب بني آكل المرار فجيء إِلَيْهِ مِنْهُم بِسِتَّة عشر رجلا فَضرب أَعْنَاقهم فِي بيُوت بني مرينا.

أَلا يَا عين بكي لي شنيناوبكي لي الْمُلُوك الذاهبينا
ملوكاً من بني حجر بن عَمْرويساقون العشية يقتلونا
فَلَو فِي يَوْم معركة أصيبواوَلَكِن فِي بيُوت بني مرينا

وَفِي ذَلِك أَيْضا يَقُول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته:

فآبوا بالنهاب مَعَ السباياوأبنا بالملوك مصفدينا

فهرب مِنْهُ امْرُؤ الْقَيْس: قيل: كَانَ مَعَهم فَأَفلَت وَقيل: سمع بخبرهم فَذهب على وَجهه يستجير بالعرب فبعضٌ يقبله وبعضٌ يردهُ. فَخرج إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْمَعْرُوف بِابْن مَارِيَة وَحَال الْحَارِث يومئذٍ بِالشَّام كَحال الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء بالعراق فَسَأَلَهُ الْجوَار والنصرة وتوسل إِلَيْهِ الخؤولة.

وَذَلِكَ أَن مَارِيَة ذَات القرطين اللَّذين يضْرب الْعَرَب بهما الْمثل هِيَ أُخْت هندٍ امرأةٍ جُحر وَالِد امرىء الْقَيْس. فَأكْرمه وَسَأَلَهُ النُّصْرَة على الْمُنْذر فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لست أقدر على الْمسير إِلَى الْعرَاق فِي هَذَا الْوَقْت وَلَكِنِّي أَسِير مَعَك إِلَى الْملك قَيْصر فَهُوَ أقوى مني على مَا سَأَلت.

وَكَانَت لِلْحَارِثِ وفادةٌ على الْملك فأوفده مَعَه. وَهَذَا قبل أَن يَغْزُو الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء إِلَى وَقيل أَن سَبَب مَا هيج مَا بَين الْمُنْذر والْحَارث هَذَا الْحَرْب إِنَّمَا هُوَ إِجَارَة الْحَارِث لامرىء الْقَيْس فَتوجه مَعَه امْرُؤ الْقَيْس إِلَى بلد الرّوم. وَفِي ذَلِك قَالَ هَذِه القصيدة ذكر فِيهَا استجارته وخلوصه إِلَى التَّوَجُّه إِلَى بلد الرّوم:

سما لَك شوقٌ بَعْدَمَا كَانَ أقصراوحلت سليمى بطن ظبيٍ فعرعرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
فدعها وسل الْهم عَنْهَا بجسرةٍذمولٍ إِذا صَامَ النَّهَار وهجرا
عَلَيْهَا فَتى لم تحمل الأَرْض مثلهأبر بميثاقٍ وأوفى وأصبرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
إِذا قلت هَذَا صاحبٌ قد رضيتهوقرت بِهِ العينان بدلت آخرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

)

كَذَلِك جدي لَا أصَاحب صاحباًمن النَّاس إِلَّا خانني وتغيرا
تذكرت أَهلِي الصَّالِحين وَقد أَتَتعلى جملٍ بِنَا الركاب وأعفرا
وَلما بَدَت حوران والآل دونهَانظرت فَلم تنظر بِعَيْنَيْك منْظرًا
تقطع أَسبَاب اللبانات والهوىعَشِيَّة جاوزنا حماة وشيزرا
بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونهوأيقن أَنا لاحقان بقيصرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
فَقلت لَهُ: لَا تبك عَيْنك إِنَّمَانحاول ملكا أَو نموت فنعذرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

وَبعد هَذَا سَبْعَة أَبْيَات فِي وصف فرسه وَفِي بعض مَا مر لَهُ فِي بعض الْمنَازل.

وَصَاحبه الَّذِي بَكَى هُوَ عَمْرو بن قميئة الضبعِي الشَّاعِر الْمَشْهُور وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الثلثمائة. كَانَ صحب امْرأ الْقَيْس لما مر ببكر ابْن وَائِل يطْلب مِنْهُم النُّصْرَة فَسَأَلَهُمْ عَن شاعرٍ محسن فيهم فَأتوهُ بِهِ وَقد أسن فاستنشده فأعجبه ثمَّ شكا إِلَيْهِ حَاله فَقَالَ لَهُ: اصحبني. فصحبه وَكَانَ مَعَه حَتَّى سلك الطَّرِيق إِلَى بلد الرّوم فَلَمَّا توَسط الدَّرْب بَكَى عَمْرو بن قميئة وَقَالَ: غررت بِنَا.

والدرب: كل مدْخل إِلَى الرّوم أَو النَّافِذ مِنْهُ وَبَاب السِّكَّة الْوَاسِع وَالْبَاب الْأَكْبَر. كَذَا فِي الْقَامُوس.

ثمَّ إِن عمرا مَاتَ فِي الطَّرِيق فَكَانَ يُسمى عمرا الضائع. فَلَمَّا وصل امْرُؤ الْقَيْس إِلَى بلد الرّوم أَمر ملك الرّوم بإدخاله عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يدْخل على قيصرٍ أحدٌ إِلَّا سجد لَهُ. فَقيل لَهُ إِن امْرأ الْقَيْس لَا يسْجد لَك.

وَكَانَ لقيصر بَابَانِ أَحدهمَا صَغِير وَالْآخر كَبِير فَقَالَ: أدخلوه من الْبَاب الصَّغِير ليضع رَأسه لي.

فَلَمَّا رأى امْرُؤ الْقَيْس صغر الْبَاب ولى ظَهره فَدخل موليا حَتَّى قَامَ بَين يَدَيْهِ. قَالُوا: فَنظر إِلَيْهِ قَيْصر فأعجبه وَكَانَ وسيماً جميلاً وأعلمه أَنه جَاءَهُ يستمده على الْعَرَب. فَرَحَّبَ بِهِ وألطفه.

وَقَالَ لَهُ: أَيّمَا أحب إِلَيْك: ستمائةٍ من أَوْلَاد الْمُلُوك

أَو سِتَّة آلَاف من الْجند فَاخْتَارَ سِتّمائَة من أَبنَاء الْمُلُوك. وخف على قلب قَيْصر حَتَّى نادمه فَفِي ذَلِك يَقُول:

ونادمت قَيْصر فِي ملكهفأوجهني وَركبت البريدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»
إِذا مَا ازدحمنا على سكةٍسبقت الفرانق سبقاً بَعيدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

)

والفرانق بِضَم الْفَاء وَكسر النُّون: الَّذِي يدل صَاحب الْبَرِيد على الطَّرِيق. والبريد: دَابَّة الرَّسُول المستعجل.

ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس لطف مَحَله من قَيْصر فَأدْخلهُ الْحمام مَعَه فَرَأى غلفة قَيْصر فَقَالَ:

لقد حَلَفت يَمِينا غير كاذبةٍإِنَّك أغلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر

وختانة الْقَمَر مثلٌ تضربه الْعَرَب للأغلف لِأَن الْقَمَر لَا يختن أحدا.

وَفِي مُدَّة منادمته لقيصر رَأَتْهُ ابْنة قَيْصر فعشقته وراسلته وَصَارَ إِلَيْهَا وفيهَا يَقُول من قصيدة:

سموت إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَام أَهلهَاسمو حباب المَاء حَالا على حَال
فَقَالَت سباك الله إِنَّك فاضحيأَلَسْت ترى السمار وَالنَّاس أحوالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
فَقلت لَهَا بِاللَّه أَبْرَح قَاعِداوَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالي

قَالُوا: وَلم يزل يصير إِلَيْهَا ثمَّ أخبر بذلك أَصْحَابه وَفِيهِمْ الطماح بن قيسٍ الْأَسدي فَقَالَ لَهُ: ائتنا بأمارةٍ. فَأَتَاهُ بقارورة من طيب الْملك وَذَلِكَ كَانَ عِنْد سكره.

وَكَانَ أَبُو امرىء الْقَيْس قد قتل قيسا أَبَا الطماح أَيَّام أوقع ببني أَسد فتحيل الطماح حَتَّى أَخذهَا فأنفذها إِلَى قَيْصر وَأخْبرهُ بِالْحَدِيثِ فَعرفهُ وَعلم صِحَّته. فَفِي ذَلِك يَقُول من قصيدة:

لقد طمح الطماح من بعد أرضهليلبسني من دائه مَا تلبسا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «الما على الربع القديم بِعسعسا»

وَقَالَ أَيْضا من قصيدة:

إِذا الْمَرْء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانهفَلَيْسَ على شيءٍ سواهُ بخزان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

فَلَمَّا نفد امْرُؤ الْقَيْس بالجيش أَتَى الطماح ملك الرّوم فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك أهلكت جَيْشًا بعثته مَعَ المطرود الَّذِي قتل أَبوهُ وَأهل بَيته وَمَا تُرِيدُ من نَصره وَكلما قتل بعض الْعَرَب بَعْضًا كَانَ خيرا لَك قَالَ: فَمَا الرَّأْي قَالَ: أَن تتدارك جيشك وترده وتبعث إِلَى امرىء الْقَيْس بحلةٍ مَسْمُومَة.

فَفعل وعزم على امرىء الْقَيْس أَن يلبسهَا فَدخل امْرُؤ الْقَيْس الْحمام فاطلى

ولبسها وَقد رق جلده لقروح كَانَت بِهِ فتساقط لَحْمه. ورد قَيْصر جَيْشه. وَقدم امرؤا لقيس أنقرة وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا الْآن أنكورية فَأَقَامَ بهَا مدنفاً يعالج قروحه وَنزل إِلَى جنب جبلٍ يُقَال لَهُ عسيب وَإِلَى)

جنبه قبرٌ لابنَة بعض الرّوم فَسَأَلَ عَن الْقَبْر فَأخْبر بِهِ فَقَالَ:

أجارتنا إِن الخطوب تنوبوَإِنِّي مقيمٌ مَا أَقَامَ عسيب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أجارتنا ان الخطوب تنوب»
أجارتنا إِنَّا غَرِيبَانِ هَا هُنَاوكل غريبٍ للغريب نسيب
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

فَلَمَّا أَيقَن بِالْمَوْتِ قَالَ:

كم طعنةٍ مثعنجرهوخطبةٍ مسحنفره
وجفنةٍ مدعثرهقد غودرت بأنقره

وَكَانَ هَذَا آخر مَا تكلم بِهِ وَمَات.

هَذَا مَا نقلته من كتاب مساوي الْخمر.

والمثعنجرة: السائلة. والمسحنفرة: الواسعة فِي الصِّحَاح يُقَال: اسحنفر فِي خطبَته إِذا مضى واتسع فِي كَلَامه. والجفنة بِفَتْح الْجِيم: الْقَصعَة. والمدعثرة: المتثلمة والمتكسرة.

وَقَوله: بطن ظَبْي وعرعرا هما موضعان.

وترجمة امرىء الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»