من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الستمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الرمل لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرقٌ على أَن الْجُمْلَة الاسمية بعد لَو وضعت مَوضِع الْجُمْلَة الفعلية شذوذاً كَمَا قَالَه فِي بَاب الِاشْتِغَال.
وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني وَنسبه أَبُو حَيَّان إِلَى أبي بكر بن طَاهِر.
وَهَذَا صدر وعجزه: كنت كالغصان بِالْمَاءِ اعتصاري وَالْبَاء من بِغَيْر مُتَعَلقَة بالْخبر وَهُوَ شَرق وحلقي: هُوَ الْمُبْتَدَأ. وَهَذَا أحد تخاريج ثلاثةٍ فِي ثَانِيهَا: لبدر الدَّين فِي شرح ألفية وَالِده قَالَ: كَانَ الشأنية محذوفة بعد لَو فَهِيَ على بَابهَا من دُخُولهَا على الْجُمْلَة الفعلية فَتكون الْجُمْلَة الاسمية خَبرا لَكَانَ المحذوفة. وَنسبه أَبُو حَيَّان إِلَى الْبَصرِيين. وَلم يذكر ابْن هِشَام هَذَا التَّخْرِيج فِي الْمُغنِي.
ثَالِثهَا: لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ فِيهِ: مَوضِع حلقي رفعٌ بِأَنَّهُ فَاعل والرافع لَهُ فعل مُضْمر يفسره شَرق كَأَنَّهُ قَالَ: لَو شَرق حلقي بِغَيْر المَاء. وَلَا يكون شَرق خبر حلقي.
هَذَا الظَّاهِر. لِأَن مَا بعد لَولَا
يكون مُبْتَدأ كَمَا أَن مَا بعد إِن وَمَا بعد إِذا لَا يكون كَذَلِك.
فَإِذا لم يجز أَن تَجْعَلهُ خبر حلقي الْوَاقِع بعد لَو لِأَنَّهُ يرْتَفع بِفعل مُضْمر وَجب أَن تضمر لَهُ مُبْتَدأ وَالتَّقْدِير هُوَ شَرق فَيكون هُوَ شرقٌ بِمَنْزِلَة شَرق تَفْسِيرا للْفِعْل الْمُضمر بعد لَو وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا يحمل على الْمَعْنى. أَلا ترى أَن هُوَ شَرق بِمَنْزِلَة شَرق فِي الْمَعْنى وَقَوله: بِغَيْر المَاء يتَعَلَّق الْجَار فِيهِ بِالْفِعْلِ الْوَاقِع لحلقي وَهُوَ أسهل من أَن تعلقه بشرقٍ هَذَا الظَّاهِر. وَإِن لم تقدر هَذَا الْمُضمر لزم أَن تكون لَو قد ابْتَدَأَ بعْدهَا الِاسْم فَإِذا ثَبت فِي هَذَا الْموضع إِضْمَار الْفِعْل فَحكم سَائِر مَا أشبهه مثله. انْتهى مُخْتَصرا.
وَاخْتَصَرَهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بقوله: وَقَالَ الْفَارِسِي: الأَصْل لَو شَرق حلقي هُوَ شَرق فَحذف الْفِعْل أَولا والمبتدأ آخرا. انْتهى.
وَنسب أَبُو جَعْفَر النّحاس هَذَا التخرج لأبي الْحسن الْأَخْفَش وَأنْشد الْبَيْت فِي أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَقَالَ: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب من أَبْوَاب أَن فِي نُسْخَة أبي الْحسن وَحده. انْتهى.)
وَقد راجعت الْكتاب وَهُوَ من رِوَايَة الْمبرد فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَبِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ تعرف أَن مَا نَقله ابْن جني عَن شَيْخه الْفَارِسِي عِنْد الْكَلَام على الْبَيْت الْآتِي خلاف الْوَاقِع. قَالَ: سَأَلنَا يَوْمًا أَبَا عَليّ عَن بَيت عدي فَأخذ يتطلب لَهُ وَجها وتعسف فِيهِ وَأَرَادَ أَن يرفع حلقي بِفعل مُضْمر يفسره قَوْله: شَرق. فَقُلْنَا لَهُ: فَبِمَ يرْتَفع إِذن شَرق فَقَالَ: هُوَ بدلٌ من حلقي. فَأطَال الطَّرِيق وأعور الْمَذْهَب.
وَلَو قَالَ: إِن الْجُمْلَة الاسمية وَقعت موقع الفعلية لَكَانَ أقرب مأخذاً وأسهل
مُتَوَجها. انْتهى.
وَقَوله: بِالْمَاءِ اعتصاري قَالَ أَبُو عَليّ: مَوضِع الْجُمْلَة نصبٌ بِأَنَّهُ خبر كنت والعائد إِلَى الِاسْم الْيَاء فِي اعتصاري وكالغصان فِي مَوضِع حَال وَالْعَامِل فِيهِ كنت وَلَا يكون الْخَبَر لِأَن الْحَال إِذا تقدّمت لم يعْمل فِيهَا معنى الْفِعْل كَمَا يعْمل فِي الظّرْف إِذا تقدمه.
وَلَا تكون الْبَاء فِي قَوْله بِالْمَاءِ كالجار فِي قَوْله: إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين. وَلكنه يتَعَلَّق بِمَحْذُوف فِي مَوضِع خبر الْمُبْتَدَأ.
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت إِنِّي من الناصحين لَكمَا لتعلقت اللَّام بالناصحين. وَلَو قلت: كنت وَقَوله: وَلَا يكون الْخَبَر أَي: لَا يكون الْعَامِل فِي الْحَال الْخَبَر وَهُوَ قَوْله بِالْمَاءِ الْوَاقِع خَبرا لقَوْله اعتصاري. وَالْجُمْلَة خبر كنت.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن قَوْله: كالغصان خبر كنت. وَلم يذكر موقع الْجُمْلَة الَّتِي بعده من الْإِعْرَاب.
وَيجوز على هَذَا أَن تكون خَبرا ثَانِيًا.
وشرق فلانٌ بريقه أَو بِالْمَاءِ: إِذا غص بِهِ وَلم يقدر على بلعه وَهُوَ من بَاب تَعب.
والغصان من غص فلانٌ بِالطَّعَامِ غصصاً من بَاب تَعب وَمن بَاب قتل لُغَة إِذا لم يقدر على بلعه. والغصة: بِالضَّمِّ: مَا غص بِهِ الْإِنْسَان من طَعَام أَو غيظٍ على التَّشْبِيه بِهِ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ نَحْو: أغصصته بِهِ.
قَالَ الْجَوْهَرِي: الاعتصار: أَن يغص الْإِنْسَان بِالطَّعَامِ فيعتصر بِالْمَاءِ وَهُوَ أَن يشربه قَلِيلا قَلِيلا ليسيغه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وتحقيقه أَن الاعتصار مَعْنَاهُ: الالتجاء كَمَا قَالَه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ
فِيمَا كتبه على كتاب النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي وَهَذَا نَص كَلَامه وَفِيه فَوَائِد.
وَأنْشد أَبُو حنيفَة للبعيث: الطَّوِيل)
وَذي أشرٍ كالأقحوان تشوفهذهَاب الصِّبَا والمعصرات الدوالح
وَقَالَ: الدوالح: الثقال الَّتِي تدلح بِالْمَاءِ. وَيرى أَنه معنى قَول الله ﷿: وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجاً. وَقَالَ قوم: إِن المعصرات الرِّيَاح ذَات الأعاصير وَهُوَ الرهج وَالْغُبَار.
قَالَ الشَّاعِر:
وَكَأن سهك المعصرات كسونهاترب الفدافد والنقاع بمنخل
النقاع: جمع نقع وَهُوَ القاع من القيعان. وَزَعَمُوا أَن معنى من معنى الْبَاء كَأَنَّهُ قَالَ: وأنزلنا بالمعصرات.
وَقَالَ بَعضهم: بل المعصرات الغيوم أَنْفسهَا ذهب إِلَى معنى البعيث. وَلَا يحْتَمل قَوْله غير السَّحَاب لقَوْله: الدوالح فَتكون المعصرات الَّتِي أمكنت الرِّيَاح من اعتصارها واستنزال قطرها كَمَا يُقَال أمضغ النّخل وآكل وَأطْعم وأفرك الزَّرْع إِذا أمكن ذَلِك فِيهِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: ألم أَبُو حنيفَة بِالصَّوَابِ ثمَّ حاد عَنهُ. المعصرات: السحابات بِعَينهَا وَلكنهَا إِنَّمَا سميت بذلك بالعصر بِفتْحَتَيْنِ والعصرة بِالضَّمِّ وهما الملجأ.
قَالَ الشَّاعِر:
فارسٌ يستغيث غير مغاثٍوَلَقَد كَانَ عصرة المنجود
أَي: ملْجأ المكروب. وَتقول: أعصرني فلَان إِذا ألجأك إِلَيْهِ. واعتصرت أَنا اعتصاراً.
لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرقٌ....... الْبَيْت فَمَعْنَى المعصرات المنجيات من الْبلَاء المعصمات من الجدب بِالْخصْبِ لَا مَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَلَا مَا قَالَ من قَالَ: إِنَّهَا الرِّيَاح ذَات الأعاصير. فَلَا تلتفتن إِلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا. انْتهى كَلَامه.
وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد: الاعتصار: الملجأ. وَالْمعْنَى: لَو شَرقَتْ بِغَيْر المَاء أسغت شَرْقي بِالْمَاءِ فَإِذا غصصت بِالْمَاءِ فَبِمَ أسيغه وَقد صَار الْبَيْت مثلا للتأذي مِمَّن يُرْجَى إحسانه. قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: هَذَا الْبَيْت أول مَا قيل فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ آخر:
إِلَى المَاء يسْعَى من يغص بريقهفَقل أَيْن يسْعَى من يغص بِمَاء
وَقَالَ الْأَحْنَف بن قيس: من فَسدتْ بطانته كَانَ كمن غص بِالْمَاءِ. وَقَالَ الْعَبَّاس بن أحنف:)
قلبِي إِلَى مَا ضرني دَاعِييكثر أحزاني وأوجاعي
كَيفَ احتراسي من عدوي إِذاكَانَ عدوي بَين أضلاعي
وَقَالَ آخر: وَالْبَيْت من قصيدة لعدي بن زيد يُخَاطب بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ قد حَبسه النُّعْمَان.
وَقَبله وَهُوَ أول القصيدة:
أبلغ النُّعْمَان عني مألكاًأَنه قد طَال حبسي وانتظاري
وأبلغ فعل أَمر. والمألك: بِسُكُون الْهمزَة وَضم اللَّام: الرسَالَة.
وَقَالَ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا: ومألك: جمع مألكة.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَبَقِيَّة القصيدة مَذْكُورَة فِي العقد الفريد وَفِي الأغاني وَغَيرهمَا.
وَقد استعطفه عديٌّ بعدة قصائد فَلم تَنْفَعهُ شَيْئا ثمَّ قَتله بعد مُدَّة طَوِيلَة فِي الْحَبْس.
وَقد ذكرنَا سَبَب حَبسه وَكَيْفِيَّة قَتله مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين.
وَأنْشد بعده:
يَقُولُونَ ليلى أرْسلت بشفاعةٍإِلَيّ فَهَلا نفس ليلى شفيعها
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله. وَفِيه التخريجان الْآخرَانِ أَيْضا.
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداًوَهل يجمع السيفان وَيحك فِي غمد
على أَن كي جَاءَت من غير سَبَبِيَّة بعد فعل الْإِرَادَة. وَمَا بعْدهَا زَائِدَة وَالْفِعْل مَنْصُوب بِحَذْف النُّون وَالنُّون الْمَوْجُودَة للوقاية.
قَالَ التبريزي فِي شرح الكافية: فجوز الْفَصْل بَين كي وَبَين الْفِعْل بِلَا النافية بالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِه تَعَالَى: كَيْلا يكون دولةً وَبلا الزَّائِدَة كَقَوْل قيس بن سعد ابْن عبَادَة:
أردْت لكيلا يعلم النَّاس أَنَّهَاسَرَاوِيل قيسٍ والوفود شُهُود
)
وَقد فصل بَينهمَا بِمَا الزَّائِدَة وَلَا النافية كَقَوْل الآخر:
أَرَادَت لكيما لَا تراني عشيرتيوَمن ذَا الَّذِي يعْطى الْكَمَال فيكمل
وَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا بِغَيْر مَا ذكر. اه.
وَالْبَيْت أول أبياتٍ خمسةٍ لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ.
وَبعده:
أخالد مَا راعيت من ذِي قرابةٍفتحفظني بِالْغَيْبِ أَو بعض مَا تبدي
دعَاك إِلَيْهَا مقلتاها وجيدهافملت كَمَا مَال الْمُحب على عمد
فآليت لَا أَنْفك أحدو قصيدةًتكون وَإِيَّاهَا بهَا مثلا بعدِي
وَسبب هَذِه الأبيات أَن أَبَا ذُؤَيْب كَانَ يعشق امْرَأَة اسْمهَا أم عَمْرو وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا خَالِدا وَهُوَ ابْن أختٍ لَهُ وَقيل ابْن عمٍّ لَهُ وَكَانَ جميلاً فعشقته أم عَمْرو فَلَمَّا أَيقَن أَبُو ذُؤَيْب بغدر خَالِد صرمها فَأرْسلت تترضاه فَلم يفعل وَقَالَ هَذِه الأبيات.
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب فعل كَذَلِك بِرَجُل يُقَال لَهُ مَالك بن عويمرٍ وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا.
وَتقدم شرح هَذِه الْقِصَّة مَبْسُوطا بأبسط من هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة.
وَجرى بَين أبي ذُؤَيْب وَبَين خالدٍ أشعارٌ مذكورةٌ فِي أشعار الهذليين مِنْهَا قَول خالدٍ يجِيبه قصيدةً على هَذَا الروي وَالْوَزْن:
فَلَا تجزعن من سنةٍ أَنْت سرتهافَأول راضٍ سنة من يسيرها
وَقَوله: تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً هَكَذَا رَوَاهُ السكرِي وَغَيره. وَرَوَاهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَصَاحب الصِّحَاح: تريدين كَيْمَا تضمديني وخالداً وَقَالَ: الضمد: أَن تتَّخذ الْمَرْأَة خليلين وَفعله من بَاب ضرب.
وَهل: للاستفهام الإنكاري. والغمد بِالْكَسْرِ: قرَاب السَّيْف. وَفِي أَمْثَال الْعَرَب: لَا يجمع سيفان وَقد اسْتعْمل هَذَا المصراع مثلا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله: هُوَ من قَول أبي ذُؤَيْب. يضْرب فِي قلَّة الِاتِّفَاق. اه.
وَمِنْه قَول يزِيد بن خذاق الشني من قصيدةٍ مذكورةٍ فِي المفضليات:
لن تجمعُوا ودي ومعتبتيأَو يجمع السيفان فِي غمد
)
وَقَول العديل بن الفرخ الْعجلِيّ من قصيدة مَذْكُورَة فِي الحماسة:
وعل النَّوَى بِالدَّار تجمع بَيْننَاوَهل يجمع السيفان وَيحك فِي غمد
وَقَوله: أخالد مَا راعيت إِلَخ الْهمزَة للنداء.
قَالَ السكرِي: أَرَادَ: فتحفظني بِالْغَيْبِ أَو فِي بعض مَا تظهر لي من الإخاء والمودة. والغيب: السِّرّ.
وَقَوله: فَكنت كرقراق إِلَخ قَالَ السكرِي: يَقُول: ظَنَنْت أَن لَك أَمَانَة فَكنت كالسراب الَّذِي يكذب من رَآهُ يظنّ أَنه ماءٌ وَلَيْسَ بماءٍ وَكَذَلِكَ أَنْت.
وَقَوله: فآليت إِلَخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النَّحْوِيين فِي بَاب الْمَفْعُول مَعَه. وآليت: حَلَفت. وَلَا أَنْفك: لَا أَزَال. وأحذو رَوَاهُ السكرِي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لَا غير. بِمَعْنى أطابق.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَمعنى أحذو: أصنع وأهيىء كَمَا تحذى النَّعْل على الْمِثَال إِذا سويت عَلَيْهِ. وَمن روى: أحدو بدال غير مُعْجمَة فَهُوَ من قَوْلهم: حدوت الْبَعِير إِذا سقته وَأَنت تتغنى فِي أَثَره لينشط فِي السّير.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن ابْن يسعون أَنه قَالَ على هَذِه الرِّوَايَة: عِنْدِي فِي أحدو ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَن يُرِيد أحدو قصيدةً إِلَيْك أَي: أسوقها حَادِيًا كَمَا يفعل الْحَادِي بِالْإِبِلِ عِنْد سوقها لِأَنَّهُ يتَغَنَّى وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الشُّهْرَة.
الثَّانِي: أَن يُرِيد أحدو غدرتك لي قصيدةً أبلغ بتخليدها فِيك أملي. فَحذف الْمَفْعُول للْحَال الدَّالَّة عَلَيْهِ وَنصب قصيدةً نصب الْمصدر أَي: حدو قصيدةٍ فَلَمَّا حذف الْمُضَاف أَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه.
الثَّالِث: أَن يُرِيد: أتحدى لَهَا وأتبعها ناظماً لَهَا حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: أوالي قصيدة.
ثمَّ قَالَ الْعَيْنِيّ: وَقَالَ السكرِي: أحدو مَعْنَاهُ: أُغني فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون قَوْله قصيدة مَفْعُولا بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ وَهُوَ الْبَاء. اه.
أَقُول: إِن السكرِي لم يرو أحدو بدال مُهْملَة فَكيف يُفَسِّرهَا بِمَا ذكر. وَإِنَّمَا أحدو مَعْنَاهُ أسوق فَلَا حذف.
وَقَوله: تكون وَإِيَّاهَا إِلَخ قَالَ ابْن السَّيِّد: تكون فِي مَوضِع الصّفة لقصيدة وَهِي صفةٌ جرت على غير من هِيَ لَهُ وَلَو جَعلتهَا صفة مَحْضَة لبرز الضَّمِير الْفَاعِل الْمُسْتَتر فِيهَا وَكنت تَقول:)
كَائِنا بهَا أَنْت وَإِيَّاهَا.
وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَإِيَّاهَا يعود على الْمَرْأَة كَأَنَّهُ قَالَ: حَلَفت لَا أَزَال أصنع قصيدةً تكون مَعَ هَذِه الْمَرْأَة مثلا بعدِي أَي: إِنَّهَا تبقى مَا بَقِي الدَّهْر.
قَالَ الْعَيْنِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ يكون مثلا خَبرا والتطابق شَرط قلت: هُوَ مُفْرد وَقع موقع التَّثْنِيَة. وَكَذَلِكَ قد يَقع موقع الْجمع لما فِيهِ من الْعُمُوم المتقضي للكثرة. هَذَا كَلَامه. فَتَأَمّله.
قَالَ أَبُو عَليّ: نصب وَإِيَّاهَا على الْمَفْعُول مَعَه بتوسط الْوَاو لما لم يُمكنهُ الْعَطف فَيَقُول: تكون وَهِي لأمرين: أَحدهمَا: كسر الْبَيْت لَو فعل ذَلِك.
وَالثَّانِي: قبح الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع وَهُوَ غير مُؤَكد.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ: لما لم يُمكنهُ الْعَطف على الضَّمِير فِي تكون من غير تَأْكِيد نصب على معنى مَعَ. وَكَانَ أَبُو الْحسن يذهب إِلَى انتصابه على الظّرْف كَمَا كَانَت مَعَ فَلَمَّا حذفت وَقَامَت الْوَاو مقَامهَا انتصب الِاسْم على ذَلِك الْمَعْنى وَدخلت مهيئة لعمل الْفِعْل فِيهِ ونصبه على الظّرْف.
وَمعنى الْعَطف قائمٌ فِيهَا وجائزٌ فِيهَا وَلذَلِك لم تعْمل الْجَرّ كَمَا لَا تعمله حُرُوف الْعَطف بِخِلَاف وَاو الْقسم لِأَن معنى الْعَطف معدومٌ فِيهَا.
وَالصَّوَاب مَذْهَب الْجُمْهُور لِأَن وجود معنى الْعَطف فِيهِ يُنَافِي الظَّرْفِيَّة لِأَن الْعَطف فِي التَّقْدِير من جملَة أُخْرَى والظرف من الْجُمْلَة الأولى وَلِأَن تَقْدِيره بفي بعيدٌ إِذْ لَا يجوز تقديرها قبل الْوَاو لفصلها بَين الْجَار وَالْمَجْرُور وَلَا بعْدهَا لفصلها بَين الْفِعْل وَمَا تعلق بِهِ. انْتهى كَلَامه.
وَقَالَ السكرِي: روى الْبَاهِلِيّ: أدعك وَإِيَّاهَا ويروى: أذرك وَإِيَّاهَا فَجزم لِكَثْرَة الحركات.
وروى أَيْضا: تَكُونَانِ فِيهَا للملا مثلا بعدِي وعَلى هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث لَا شَاهد فِيهِ.
وترجمة أبي ذُؤَيْب وَهُوَ شاعرٌ إسلامي تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع