تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثَّمَانمِائَة

فيه ٢٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

فَذَلِك إِن يلق الْمنية يلقهاحميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا

على أَنه قد يحذف الْفِعْل بعد رُبمَا وَالتَّقْدِير: رُبمَا يتَوَقَّع ذَلِك.

وَقدره بَعضهم: رُبمَا أعانك أَو هُوَ معِين لَك.

لحا الله صعلوكاً مناه وهمهمن الدَّهْر أَن يلقى لبوساً ومطعما
ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا اللَّيْل جنهتبيت مسلوب الْفُؤَاد مورما
وَلَكِن صعلوكاً يساور همهويمضي على الهيجاء ليثاً مصمما
فَذَلِك إِن يلق الكريهة يلقهاحميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا

قَالَ صَاحب الأغاني: هَذَا الشّعْر يُقَال إِنَّه لعروة بن الْورْد وَيُقَال هُوَ لحاتم الطَّائِي وَهُوَ الصَّحِيح.

أَقُول: أَبْيَات عُرْوَة رائية وَلَيْسَت هَذِه لَهُ.

ولحاتم قصيدة على هَذَا الروي وَلَيْسَ فِيهَا هَذِه الأبيات وفيهَا مَا يشبهها وَهُوَ:

وليل بهيم قد تسربلت هولهإِذا اللَّيْل بالنكس الضَّعِيف تجهما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
وَلنْ يكْسب الصعلوك مَالا وَلَا غنىإِذا هُوَ لم يركب من الْأَمر مُعظما.
يرى الخمص تعذيباً وَإِن يلق شبعةًيبت قلبه من قلَّة الْهم مُبْهما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»
وَلَكِن صعلوكاً يساور همهويمضي على الْأَيَّام والدهر مقدما
يرى رمحه ونبله ومجنهوَذَا شطب لين المهزة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامهمعداً لَدَى الهيجاء طرفا مسوما

وَرَأَيْت فِي ذيل أمالي القالي أبياتاً على هَذَا النمط غير معزوة لقائلها وَهِي:

لحا الله صعلوكاً إِذا نَالَ مذقةًتوسد إِحْدَى ساعديه فهوما
مُقيما بدار الذل غير مناكرإِذا ضيم أغضى جفْنه ثمَّ برشما
يلوذ بأذراء المشاريب طامعاًيرى الْمَنْع والتعبيس من حَيْثُ يمما
يضن بِنَفس كدر الْبُؤْس عيشهاوجود بهَا لَو صانها كَانَ أحزما
فَذَاك الَّذِي إِن عَاشَ عَاشَ بذلةوَإِن مَاتَ لم يشْهد لَهُ النَّاس مأتما
بأرضك فاعرك جلد جَنْبك إِنَّنِيرَأَيْت غَرِيب الْقَوْم لَحْمًا موضما

)

وَالله أعلم بقائل أَبْيَات الشَّاهِد.

وَقَوله: لحا الله صعلوكاً أَي: قبحه الله وشوهه. والصعلوك بِالضَّمِّ: من لَا يملك شَيْئا.

واللبوس: اللبَاس.

وجنه اللَّيْل: ستره. ومورماً: منتفخاً من الْغم. يَعْنِي: قبح الله الصعلوك الَّذِي يكسل عَن اكْتِسَاب مَا يَكْفِيهِ.

ويساور يواثب. والهم: أول الْعَزْم وَهُوَ إِرَادَة الشَّيْء بِدُونِ فعله. والهم: الْحزن أَيْضا. وَاللَّيْث: الْأسد. والمصمم: الْمَاضِي فِي عزمه لَا يثنيه شَيْء وَقَوله: فَذَلِك أَي: ذَلِك الصعلوك الَّذِي يساور همه وَلَا يثنيه شَيْء عَن الْغَزْو للغنائم إِن أَدْرَكته الْمنية قبل بُلُوغ الأمنية لقيها مَحْمُودًا إِذْ كَانَ قد فعل مَا وَجب عَلَيْهِ وَأقَام عذره فِي مَطْلُوبه باستفراغ الوسع فِي السَّعْي لَهُ.

وَإِن نَالَ الْغنى يَوْم فكثيراً مَا يحمد أمره. فالمحذوف بعد رب هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ بعد كثيرا. وَهُوَ الْمُنَاسب للمعنى لَا مَا تقدم.

وَخبر قَوْله: وَلَكِن صعلوكاً مَحْذُوف يقدر بعد تَمام الْبَيْت أَي: وَهُوَ الْمَدْعُو لَهُ بِالْخَيرِ والممدوح عِنْد النَّاس بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ لحا الله صعلوكاً إِلَخ فَإِنَّهُ ضد لَهُ وَتَكون الجملتان يساور ويمضي صفتين لصعلوك وَيكون قَوْله: فَذَلِك إِن يلق.... إِلَخ تَفْصِيلًا لجِهَة الدُّعَاء والمدح.

فَذَلِك مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره.

وَقَالَ شرَّاح الحماسة مِنْهُم المرزوقي: قَوْله: إِن يلق الْمنية خبر قَوْله: وَلَكِن صعلوكاً كَمَا لَو انْفَرد عَن قَوْله فَذَلِك لكنه لما ترَاخى الْخَبَر عَن الْمخبر عَنهُ وتباعد الْمُقْتَضى عَن الْمُقْتَضِي لَهُ أَتَى بقوله: فَذَلِك مُشِيرا بِهِ إِلَى الصعلوك فَصَارَ إِن يلق خَبرا عَنهُ. وساغ ذَلِك لِأَن المُرَاد بِالْأولِ وَالثَّانِي شَيْء وَاحِد. هَذَا كَلَامه.

وَقد وَقع هَذَا الْبَيْت فِي شعر عُرْوَة بن الْورْد بقافية رائية كَذَا:

أَي: إِن نَالَ الْغنى يَوْمًا فَمَا أحقه بذلك وَمَا أليقه بِهِ.

وَقد اسْتشْهد بِهِ شرَّاح الألفية وَغَيرهم على أَن أَجْدَر صِيغَة تعجب حذف مِنْهُ المتعجب مِنْهُ حذفا غير قياسي إِذْ لَا يجوز ذَلِك فِي أفعل بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ مَعْطُوفًا على آخر مَذْكُور مَعَه المتعجب مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى: أسمع بهم وَأبْصر أَي: وَأبْصر بهم. وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَيْت.)

وأجدر بِهِ أَي: بالاستغناء.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: بِهِ أَي: بِكَوْنِهِ حميدا. فَتَأمل.

وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة لعروة بن الْورْد اخْتَار مِنْهَا أَبُو تَمام ثَمَانِيَة أَبْيَات أوردهَا فِي الحماسة وَهِي:

لحا الله صعلوكاً إِذا جن ليلهمصافي المشاش آلفاً كل مجزر
يعد الْغنى من نَفسه كل لَيْلَةأصَاب قراها من صديق ميسر
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقلي علي اللوم يا بنت منذر»
ينَام عشَاء ثمَّ يصبح ناعساًيحت الْحَصَا عَن جنبه المتعفر
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقلي علي اللوم يا بنت منذر»
يعين نسَاء الْحَيّ مَا يستعنهويمسي طليحاً كالبعير المحسر
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقلي علي اللوم يا بنت منذر»
وَلَكِن صعلوكاً صفيحة وَجههكضوء شهَاب القابس المتنور
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقلي علي اللوم يا بنت منذر»
مطلاً على أعدائه يزجرونهبِسَاحَتِهِمْ زجر المنيح المشهر
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أقلي علي اللوم يا بنت منذر»
فَذَلِك إِن يلق الْمنية يلقهاحميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فأجدر
للشاعر السليك بن عمرو، من قصيدة «ولكنَّ صعلوكاً، صفيحة ُ وجههِ»

وَقَوله: لحا الله صعلوكاً... إِلَخ قَالَ المرزوقي: لحا الله: كلمة تسْتَعْمل فِي السب وَأَصله اللوم والقشر.

يَقُول: زَاد الله فقرا لكل فَقير يرضى من عيشه بِأَن يطوف فِي المجازر إِذا أظلم اللَّيْل ويلتقط المشاش مِنْهَا كَأَنَّهُ يصافيها ويلازمها حبا.

وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا على وَجه الْإِنْكَار أَي: لم يقنع بذلك وَمَاله يسف لمثل هَذِه المطامع الخسيسة وَلَا يطْلب معالي الْأُمُور.

والمشاش: كل عظم هش دسم. ومصافي المشاش صفة لصعلوك وَالْإِضَافَة لفظية وَسكن الْيَاء من مصافي ضَرُورَة. والمجزر بِفَتْح الزاء وَكسرهَا: الْموضع الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْإِبِل.

وَقَوله: يعد الْغنى... إِلَخ يَقُول: لفرحه بِمَا يَنَالهُ من كَسبه الدنيء يعد إِذا أصَاب الْقرى لَدَى صديق ولدت لَهُ شِيَاه فاتسع اللَّبن عِنْده الْغنى حَاصِلا عِنْده.

وَالْميسر: ضد المجنب يُقَال: يسر الرجل ويسرت غنمه وجنب الرجل إِذا قلت الحلوبة فِي إبِله وغنمه وأضاف الْقرى إِلَى ضمير اللَّيْلَة مجَازًا وَالْمرَاد قراه فِيهَا.

وَقَوله: ينَام عشَاء... إِلَخ يَقُول: ينَام هَذَا الصعلوك لدناءة عمته واستيلاء الكسل عَلَيْهِ ومكسبه قبل اللَّيْل لِأَن همته فِي رَاحَته وحرصه على مَا يسد جوعه بِهِ ثمَّ يَأْتِي الصَّباح عَلَيْهِ)

وَهُوَ ناعس بعد غير قَاض حَاجته من الرقاد وَلَا ضجر فِي مضطجعه بالتساقط يَنْفِي عَن جنبه مَا لصق بِهِ من الْحَصَا وَالتُّرَاب لِأَنَّهُ نَام بِلَا وطاء.

وَقَوله: يحت الْحَصَا أَي: يسْقطهُ فَهُوَ قريب من يحط. والعفر: التُّرَاب.

وَقَوله: وَلَكِن صعلوكاً... إِلَخ صفحة الرجل وصفيحته: عرض وَجهه أَي: ضوء صفحة وَجهه. يَقُول: وَلَكِن فَقِيرا مشرق الْوَجْه صافي اللَّوْن لَا يتخشع لفقره فَكَأَن ضوء وَجهه ضوء القابس أَي: ذِي القبس أَي: النَّار. والمتنور: المستضيء بضوء النَّار.

وَقَوله: مطلاً على أعدائه... إِلَخ اطل على كَذَا: أوفى عَلَيْهِ. والمنيح: قدح لَا نصيب لَهُ.

يَقُول: وَلَكِن الْفَقِير المضيء الْوَجْه الَّذِي يسْعَى فِي غناهُ فيشرف على أعدائه غازياً وهم يزجرونه وقتا بعد وَقت كَمَا يزْجر هَذَا الْقدح فِي خُرُوجه وَمَعَ ذَلِك يرد.

قَالَ التبريزي: كَانَ الأيسار يقفون عِنْد المفيض فيتكلم كل وَاحِد مِنْهُم كَأَنَّهُ يُخَاطب قدحه فيأمره بالفوز ويزجره من أَن يخيب فَذَلِك زَجره.

وَقَوله: إِذا بعدوا... إِلَخ يَقُول: لَا يأمنونه وَإِن بعدوا بل يتشوفونه تشوف الْغَائِب المنتظر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»