من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
بَدَت مثل قرن الشَّمْس فِي رونق الضُّحَىوَصورتهَا أَو أَنْت فِي الْعين أَمْلَح
على أَن أَو فِيهِ حرف اسْتِئْنَاف للإضراب وَلَا يحْتَمل أَن تكون عاطفة إِذْ لَا يَصح قيام الْجُمْلَة بعْدهَا مقَام قَوْله: مثل قرن الشَّمْس كَمَا هُوَ حق الْمَعْطُوف.
ثمَّ وصفت جَيْشًا فَقَالَت ورجراجة فَوْقهَا بيضها عَلَيْهَا المضاعف زفنا لَهَا ككرفئة الْغَيْث ذَات الصَّبِي ر الْبَيْت الْمَذْكُور وَقَالَ شَارِح ديوانها الْأَخْفَش الرجراجة الكتيبة كَأَنَّهَا تتحرك وتتمخض من كثرتها والمضاعف من الدروع الَّتِي تنسج حلقتين حلقتين ووزفنا لَهَا مشينا لَهَا باختيال وَهِي بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء زاف يزيف زيفا وزيفانا تبختر فِي مشيته وَشبه الرجراجة فِي كثرتها وحركتها وتمخضها بالكرفئة وَهِي السحابة الْعَظِيمَة الَّتِي يركب بَعْضهَا على بعض حملا للْمَاء وَالْحمل بِالْفَتْح مَا كَانَ فِي الْجوف مستكنا وَالْحمل بِالْكَسْرِ ظَاهر مثل الوقر على الظّهْر شبه الكرفئة بالناقة يكثر لَحمهَا وشحمها يُقَال إِن عَلَيْهَا لكرافئ من اللَّحْم والشحم والصبير سَحَاب أَبيض ترمي السَّحَاب هَذِه الكرفئة أَي تنضم إِلَيْهِ وتتصل بِهِ ويرمى لَهَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي يضم إِلَيْهَا حَتَّى يَسْتَوِي ويخلولق قَالَ ابْن الْأَعرَابِي هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي وَقَالَ الْأَصْمَعِي الكرفئة وَجمعه كرافئ قطع من السَّحَاب بَعْضهَا فَوق بعض والصبير السَّحَاب الْأَبْيَض ثمَّ قَالَت تخاطب أخاها وبيض منعت غَدَاة الصَّباح وَقد كفت الروع أذيالها)
وهاجرة حرهَا وَاقدجعلت رداءك أظلالها
وجامعة الْجمع قد سقتهاوأعلمت بِالرُّمْحِ أغفالها
ورعبوبة من بَنَات الْمُلُوك قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا
بيض تَعْنِي جواري سبين كفت كشفت والروع الْفَزع وروى ابْن الْأَعرَابِي تكشف للروع أذيالها وَاقد شَدِيد الْحر جعلت رداءك أظلالها أَي استظللت فِيهَا بالرداء وتعني بجامعة الْجمع إبِلا كَثِيرَة قد سقتها أما لتزويج وَإِمَّا لسباء تفكه وروى ابْن الْأَعرَابِي ومعلمة سقتها قَاعِدا معلمة إبل قَاعِدا أَي قَاعِدا على فرسك والأغفال الَّتِي لَا
قَالَ الْفراء فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة: الْعَرَب تجْعَل أَو نسقاً مفرقة لِمَعْنى مَا صلحت فِيهِ أحد كَقَوْلِك: اضْرِب أَحدهمَا زيدا أَو عمرا.
فَإِذا وَقعت فِي كَلَام لَا يُرَاد بِهِ اُحْدُ وَإِن صلحت جعلوها على جِهَة بل كَقَوْلِك فِي الْكَلَام: اذْهَبْ إِلَى فلَان أَو دع فَلَا تَبْرَح الْيَوْم. فقد دلك هَذَا على أَن الرجل قد رَجَعَ عَن أمره الأول وَجعل أَو فِي معنى بل وَمِنْه قَول الله: وأرسلناه إِلَى مائَة ألفٍ أَو يزِيدُونَ.
وأنشدني بعض الْعَرَب: بَدَت مثل قرن الشَّمْس............... الْبَيْت انْتهى.
وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: أَو هَذِه الَّتِي بِمَعْنى أم المنقطعة وكلتاهما بِمَعْنى بل مَوْجُودَة فِي الْكَلَام كثيرا.
وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب الْفراء فِي قَول ذِي الرمة: بَدَت مثل قرن الشَّمْس............... الْبَيْت قَالَ: مَعْنَاهُ: بل أَنْت الْعين فِي أَمْلَح. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قَول الله: وأرسلناه إِلَى مائَة ألفٍ أَو يزِيدُونَ قَالَ: مَعْنَاهُ بل يزِيدُونَ.
وَأَشَارَ بقوله: فَإِن هَذَا طَرِيق مذهوب فِيهِ.... إِلَخ إِلَى مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق من أَن أَو فِي الْبَيْت وَالْآيَة متمحضة للإضراب لَا يتَصَوَّر معنى الْعَطف
فِيهَا لما ذكره. وَفِيه رد على ابْن عُصْفُور فِي غفلته عَن صِحَة الْعَطف فَزعم أَنَّهَا للشَّكّ فَقَالَ: وَزَاد الْكُوفِيُّونَ فِي مَعَاني أَو أَن تكون بِمَعْنى بل وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بقوله: بَدَت مثل قرن الشَّمْس إِلَخ)
قَالُوا: الْمَعْنى بل أَنْت. وَلَا مدْخل للشَّكّ هُنَا. وَالصَّحِيح أَنَّهَا فِيهِ للشَّكّ ويكن الْمَعْنى أبدع كَأَنَّهُ قَالَ: لإفراط شبهها بقرن الشَّمْس لَا أَدْرِي هَل هِيَ مثلهَا أَو أَمْلَح.
وَإِذا خرج التَّشْبِيه مخرج الشَّك كَانَ فِيهِ الدّلَالَة على إفراط الشّبَه فَيكون كَقَوْل ذِي الرمة:
أَبَا ظَبْيَة الوعساء بَين جلاجلٍوَبَين النقا أَأَنْت أم أم سَالم
أَلا ترى أَن قَوْله: أَأَنْت أم أم سَالم أبلغ من أَن يَقُول: هِيَ كَأُمّ سَالم لِأَن الشَّك يَقْتَضِي إفراط الشّبَه حَتَّى يلتبس أحد الشَّيْئَيْنِ بِالْآخرِ. وَكَذَلِكَ أَيْضا استدلوا بقوله تَعَالَى: إِلَى مائَة ألفٍ أَو يزِيدُونَ قَالُوا: مَعْنَاهُ بل يزِيدُونَ.
وَلَا يتَصَوَّر أَن تكون هُنَا للشَّكّ لِأَن الشَّك من الله مُسْتَحِيل. وَالْجَوَاب: أَن الشَّك قد يرد من الله بِالنّظرِ للمخاطبين لَا أَنه يشك فَكَأَنَّهُ قَالَ: وأرسلناه إِلَى جمع تشكون فِي مبلغه فَيكون من مُقْتَضى حالكم أَن تَقولُوا: هم مائَة ألف أَو يزِيدُونَ. وَيحْتَمل أَيْضا أَن تكون أَو فِي الْآيَة للإبهام.
هَذَا كَلَامه.
وَقَول الشَّاعِر: بَدَت بِمَعْنى ظَهرت وفاعله ضمير الحبيبة وَمثل: حَال من الضَّمِير وَلَا يَسْتَفِيد من إِضَافَته إِلَى الْمعرفَة تعريفاً لتوغله فِي الْإِبْهَام. وَقرن الشَّمْس بِفَتْح الْقَاف قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ أَعْلَاهَا وَأول مَا يَبْدُو مِنْهَا فِي الطُّلُوع. وَلَا يَصح هُنَا الْمَعْنى الثَّانِي لقَوْله فِي رونق الضُّحَى.
وَقَوله: وَصورتهَا بِالْجَرِّ عطف على قرن.
وأملح من ملح الشَّيْء بِالضَّمِّ ملاحةً أَي: بهج وَحسن منظره فَهُوَ مليح وَالْأُنْثَى مليحة.
وَالْبَيْت نسبه ابْن جني إِلَى ذِي الرمة. وَلم أَجِدهُ فِي ديوانه. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد وَالتِّسْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
الطَّوِيل وَهل أَنا إِلَّا من ربيعَة أَو مُضر على أَن أَو فِيهِ للإبهام على السَّامع. وَقصد بِهِ الرَّد على الْكُوفِيّين فِي زعمهم أَن أَو فِيهِ بِمَعْنى الْوَاو.
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: كَون أَو بِمَعْنى الْوَاو من أَقْوَال الْكُوفِيّين وَلَهُم فِيهِ احتجاجات من الْقُرْآن وَمن الشّعْر الْقَدِيم. فمما احْتَجُّوا بِهِ من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى ولَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَو يحدث لَهُم
وَمن الشّعْر قَول تَوْبَة بن الْحمير:
وَقد زعمت ليلى بِأَنِّي فاجرٌلنَفْسي تقاها أَو عَلَيْهَا فجورها
وَقَول جرير:
أثعلبة الفوارس أَو رياحاًعدلت بهم طهية والخشابا
أَي: عدلت هَاتين القبيلتين بِهَاتَيْنِ القبيلتين.
وَقَول جرير:
نَالَ الْخلَافَة أَو كَانَت لَهُ قدراكَمَا أَتَى ربه مُوسَى على قدر
وَقَول لبيد:
تمنى ابنتاي أَن يعِيش أَبوهُمَاوَهل أَنا إِلَّا من ربيعَة أَو مُضر
قَالُوا: أَو هُنَا بِمَعْنى الْوَاو لِأَنَّهُ لَا يشك فِي نسبه حَتَّى لَا يدْرِي أَمن ربيعَة هُوَ أم من مُضر وَلكنه أَرَادَ بربيعة أَبَاهُ الَّذِي وَلَده لِأَنَّهُ لبيد بن ربيعَة. ثمَّ قَالَ: أَو
مُضر يُرِيد: وَمُضر يَعْنِي مُضر ين نزار بن معد بن عدنان.
وَاخْتلفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: وأرسلناه إِلَى مائَة ألفٍ أَو يزِيدُونَ فَقَالَ بعض الْكُوفِيّين: بِمَعْنى الْوَاو وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم: الْمَعْنى بل يزِيدُونَ. وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء عِنْد الْبَصرِيين.
وللبصريين فِي أَو هَذِه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: قَول سِيبَوَيْهٍ أَنَّهَا للتَّخْيِير. وَالْمعْنَى إِذا رَآهُمْ الرَّائِي يُخَيّر فِي أَن يَقُول: هم مائَة ألف وَأَن يَقُول: أَو يزِيدُونَ.
وَالْقَوْل الثَّانِي عَن الْبَصرِيين: أَنَّهَا لأحد الْأَمريْنِ على الْإِبْهَام.) وَالثَّالِث لبن جني وَهُوَ أَنَّهَا للشَّكّ وَالْمعْنَى: أَن الرَّائِي إِذا رَآهُمْ شكّ فِي عدتهمْ لكثرتهم.
وَمن زعم أَن العمنى بل يزِيدُونَ قَالَ مثل ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة. وَفِي قَوْله: وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب وَقَوله: فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى.
وَمن قَالَ: إِن الْمَعْنى: وَيزِيدُونَ قَالَ: مثل ذَلِك فِي هَذِه الْآي. وَالْوَجْه أَن تكون أَو فِيهِنَّ للتَّخْيِير.
وَيجوز أَن تكون أَو فِيهِنَّ للإبهام انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار.
وَالْبَيْت الشَّاهِد أول أَبْيَات للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ تقدم شرحها فِي الشَّاهِد الْخَامِس بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده:
وَكَانَ سيان أَن لَا يسرحوا نعماأَو يسرحوه بهَا واغبرت السوح
على أَن أَو فِيهِ بِمَعْنى الْوَاو.
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين بعد الثلثمائة من بَاب الْعَطف.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع