من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
سيان كسر رغيفهأَو كسر عظمٍ من عِظَامه
على أَن أَو فِيهِ بِمَعْنى الْوَاو.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: كَانَ الْقيَاس أَن يكون الْعَطف فِيهِ بِالْوَاو دون أَو لِأَن الْعَطف بِأَو فِي هَذَا الْموضع فِي الْمَعْنى: سيان أحدهم وَهُوَ كَلَام مُسْتَحِيل كَمَا أَن سَوَاء زيد أَو عَمْرو فَكَمَا لَا يَسْتَقِيم سَوَاء زيد أَو عَمْرو لِأَن الْمَعْنى سَوَاء أَحدهمَا والتسوية إِنَّمَا تكن بَين شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا كَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا يَسْتَقِيم. وَالَّذِي حسن ذَلِك للشاعر أَنه يرى: جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين فيستقيم لَهُ أَن يجالسهما جَمِيعًا وكل الْخبز أَو التَّمْر فَيجوز لَهُ أَن يجمعهما فِي الْأكل.
فَلَمَّا صَارَت تجْرِي مجْرى الْوَاو فِي هَذِه الْمَوَاضِع استجاز أَن يستعملها بعد سي. وَلم نعلم أَنه جَاءَ ذَلِك فِي سَوَاء وَقِيَاسه قِيَاس سيان.
وَقد قَالَ بعض الْمُحدثين:
سيان كسر رغيفهأَو كسر عظمٍ من عِظَامه
فَهَذَا فِي الْقيَاس كَمَا جَاءَ فِي الشّعْر الْقَدِيم.
فَأَما قَوْله:
أَلا فالبثا شَهْرَيْن أَو نصف ثالثٍإِلَى ذاكما مَا غيبتني غيابيا
فَهُوَ من بَاب جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين: أَلا ترى أَنه إِن لبث شَهْرَيْن فَقَط أَو شَهْرَيْن وَبَعض ثَالِث فقد ائتمر. وَلَيْسَ الْموضع مقتضياً لوُقُوع الْوَاو كَمَا يَقْتَضِي الْوَاو بعد سي وَسَوَاء. انْتهى كَلَامه.
وَبَعض الْمُحدثين الَّذِي ذكره أَبُو عَليّ هُوَ أَبُو مُحَمَّد يحيى اليزيدي.
استبق ود أبي المقاتل حِين تَدْنُو من طَعَامه
سيان كسر رغيفهأَو كسر عظمٍ من عِظَامه
ويصوم كرها ضَيفهلم ينْو أجرا من صِيَامه
كَذَا نَسَبهَا إِلَيْهِ صَاحب الأغاني وَابْن خلكان فِي تَرْجَمته.
وَرَوَاهَا ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد كَذَا:)
(اكفف يَمِينك عَن طَعَامه... إِن كنت ترغب فِي كَلَامه
)
سيان كسر رغيفه....................... الْبَيْت وَأورد الوطواط إِبْرَاهِيم الكتبي فِي كِتَابه غرر الخصائص الْوَاضِحَة وعرر النقائص الفاضحة بعدهمَا بَيْتَيْنِ آخَرين وهما:
فالموت أَهْون عِنْدهمن مضغ ضيفٍ والتقامه
وَإِذا مَرَرْت بِبَابِهِفاحفظ رغيفك من غُلَامه
وَأَبُو مُحَمَّد هَذَا هُوَ يحيى بن الْمُبَارك بن الْمُغيرَة أحد بني عدي بن عبد شمس بن زيد بن مَنَاة بن تَمِيم. وَيعرف أَبُو مُحَمَّد باليزيدي نِسْبَة إِلَى يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي خَال الْمهْدي لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَدب أَوْلَاده فنسب إِلَيْهِ.
قَالَ صَاحب الأغاني: قيل لَهُ اليزيدي لِأَنَّهُ كَانَ فِيمَن خرج مَعَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْحسن بِالْبَصْرَةِ ثمَّ توارى زَمَانا حَتَّى استتر أمره ثمَّ اتَّصل بعد ذَلِك بِيَزِيد بن مَنْصُور خَال الْمهْدي فوصلة بالرشيد فَلم يزل مَعَه. وأدب الْمَأْمُون خَاصَّة من وَلَده.
وَهُوَ مقرئٌ نحوي لغَوِيّ صَاحب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَهُوَ الَّذِي خَلفه فِي الْقيام بِالْقِرَاءَةِ بعده سكن بَغْدَاد وَحدث بهَا عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن جريج وَغَيرهمَا.
وروى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد وَأَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي وَجَمَاعَة من أَوْلَاده وحفداته وَأَبُو عَمْرو الدوري وَأَبُو شُعَيْب السُّوسِي وَغَيرهم. وَخَالف أَبَا عَمْرو فِي حُرُوف كَثِيرَة من الْقِرَاءَة اخْتَارَهَا لنَفسِهِ. وَأخذ علم الْعَرَبيَّة عَن أبي عَمْرو والخليل بن أَحْمد.
قَالَ ابْن الْمُبَارك: أكثرت السُّؤَال عَن أبي مُحَمَّد وَمحله من الصدْق ومنزلته من الثِّقَة فَقَالُوا: هُوَ ثِقَة صَدُوق لَا يدْفع عَن سَماع وَلَا يرغب عَنهُ فِي شَيْء غير مَا يتَوَهَّم عَلَيْهِ من الْميل إِلَى الْمُعْتَزلَة.
وَقد روى عَنهُ الغرائب أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَكفى بِهِ وَمَا ذَاك إِلَّا عَن مَعْرُوفَة مِنْهُ بِهِ.
وَكَانَ مؤدب الْمَأْمُون هَارُون الرشيد.
قَالَ الْأَثْرَم: دخل اليزيدي يَوْمًا على الْخَلِيل بن أَحْمد وَهُوَ جَالس على وسَادَة فأوسع لَهُ وَأَجْلسهُ مَعَه فَقَالَ لَهُ اليزيدي: أحسبني ضيقت عَلَيْك فَقَالَ الْخَلِيل: مَا ضَاقَ مَوضِع على اثْنَيْنِ متحابين وَالدُّنْيَا لَا تسع متباغضين.)
وَمن هُنَا أَخذ ابْن عبد ربه قَوْله:
صل من هويت وَأَن أبدى معاتبةًفأطيب الْعَيْش وصل بَين اثْنَيْنِ
واقطع حبائل خدنٍ لَا تلائمهفقلما تسع الدُّنْيَا بغضين
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد غَانِم بن الْوَلِيد المالقي:
صير فُؤَادك للمحبوب منزلَةسم الْخياط مجالٌ للمحبين
وَلَا تسَامح بغيضاً فِي مخاصمةٍفقلما تسع الدُّنْيَا بغيضين
قَالَ ابْن الزقاق:
يضيق الفضا عَن صاحبين تباغضاوسم الْخياط بالحبيبين وَاسع
وَقَالَ التهامي:
بَين المحبين منجلسٌ وَاسعوالود حالٌ يقرب الشاسع
وَالْبَيْت إِن ضَاقَ عَن ثمانيةٍمتسعٌ بالود للتاسع
وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن قُتَيْبَة الْخُرَاسَانِي صَاحب عِيسَى بن عمر
كَانَ يَأْتِي اليزيدي
إِذا عافى مليك النَّاس عبدافَلَا عافاك رَبك يَا قتيبه
طلبت النَّحْو مذ أَن كنت طفْلاإِلَى أَن جللتك قبحت شَيْبه
فَمَا تزاد إِلَّا النَّقْص فِيهِفَأَبت لَدَى الإياب بشر أوبه
وَكنت كغائبٍ قد غَابَ حينافطال مقَامه وأتى بخيبه
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: كَانَ عِيسَى بن عمر أعلم النَّاس بالغريب فَأَتَانِي قُتَيْبَة الْخُرَاسَانِي فَقَالَ: أفدني شَيْئا من الْغَرِيب أعايي بِهِ عِيسَى بن عمر فَقلت لَهُ: أَجود المساويك عِنْد الْعَرَب الْأَرَاك وأجود والأراك عِنْدهم مَا كَانَت متمئراً عجارماً جيدا.
وَقد قَالَ الشَّاعِر:
إِذا استكت يَوْمًا بالأراك فَلَا يكنسواكك إِلَّا المتمئر العجارما
يَعْنِي الأير يُقَال: اتمأر الشَّيْء إِذا اشْتَدَّ. والعجارم: الأير الغليظ.
قَالَ: فَكتب قُتَيْبَة مَا قلت لَهُ وَكتب الْبَيْت ثمَّ أَتَى عِيسَى بن عمر فِي مَجْلِسه فَقَالَ: يَا أَبَا عمر مَا أَجود المساويك عِنْد الْعَرَب فَقَالَ: الْأَرَاك. فَقَالَ لَهُ قُتَيْبَة: أَفلا أهدي إِلَيْك مِنْهُ شَيْئا متمئراً عجارماً)
فَقَالَ: أهده إِلَى نَفسك وَغَضب وَضحك كل من كَانَ فِي مَجْلِسه وَبَقِي قُتَيْبَة
متحيراً فَعلم قَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي: فَضَحِك عِيسَى حَتَّى فحص بِرجلِهِ قفال: هَذِه وَالله من مزحاته أرَاهُ عَنْك منحرفاً فقد فَضَحِك فَقَالَ قُتَيْبَة: لَا أعاود مَسْأَلته عَن شَيْء.
وَقد أطنب الْأَصْفَهَانِي فِي أخباره ونوادر وأشعاره وأخبار أَوْلَاده وحفدته.
وَمَات اليزيدي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع