تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة

فيه ٥٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

فإمَّا أَن تكون أخي بِحَقفأعرف مِنْك غثي أَو سميني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»
وَإِلَّا فاطرحني واتخذنيعدوا أتقيك وتتقيني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

على أَنه قد تخلف إِمَّا الثَّانِيَة إِلَّا وَهِي إِن الشّرطِيَّة المدغمة بِلَا النافية أَي: وَإِلَّا تكن أخي بِحَق فاطرحني وَقد تخلفها أَو أَيْضا كَمَا قَالَ الشَّارِح وَغَيره كَقَوْلِه:

(

فَقلت لَهُنَّ امشين إِمَّا نلاقه... كَمَا قَالَ أَو نشف النُّفُوس فنعذرا)

والبيتان من قصيدة طَوِيلَة للمثقب الْعَبْدي أوردهَا الْمفضل فِي المفضليات: وبعدهما:

وَمَا أَدْرِي إِذا يممت أمراأُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني
أألخير الَّذِي أَنا أبتغيهأم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

وَهَذِه آخر القصيدة وَلم يذكر فِيهَا الْمُخَاطب بهما من هُوَ وَكَأَنَّهُ مَحْذُوف مِنْهَا.

وَقَوله: فإمَّا أَن تكون بِتَأْوِيل مصدر مَنْصُوب على أَنه مفعول لفعل مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: بَين إِمَّا كونك أَخا وَإِمَّا كونك عدوا. وَإِمَّا لأحد الشَّيْئَيْنِ. وَجعل بَعضهم ذَلِك الْمصدر مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره: فإمَّا أخوتك الصادقة حَاصِلَة. هَذَا كَلَامه.

والجيد أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: إِمَّا شَأْنك كونك أَخا صَادِقا كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: كَمَا يَأْتِي.

وَجعل مثله أَبُو عَليّ فِي البغداديات مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر قَالَ فِي قَوْله تعال: يَا ذَا القرنين إِمَّا أَن تعذب يَنْبَغِي أَن يكون رفعا وارتفاعه على الِابْتِدَاء أَي: إِمَّا

الْعَذَاب شَأْنك أَو أَمرك أَو اتِّخَاذ الْحسن. انْتهى.

قَالَ الْعَيْنِيّ: قَوْله: بِحَق فِي مَحل نصب صفة لأخي.

وَلَا يخفى أَن الظّرْف بعد الْمعرفَة حَال وَبعد النكرَة صفة بِحَسب الِاقْتِضَاء وَهنا وَقع بعد معرفَة فَكيف يكون صفة على أَنه لَا اقْتِضَاء هُنَا بِحَسب الْمَعْنى وَإِنَّمَا هُوَ نَائِب عَن الْمَفْعُول الْمُطلق وَالتَّقْدِير: تكون أخي كوناً ملتبساً بِحَق.

وَقَوله: فأعرف بِالنّصب: مَعْطُوف على تكون. وَقَوله: غثي أَو سميني كَذَا هُوَ ب أَو. فِي المفضليات وَغَيرهَا.)

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَي: فأعرف نصحك من غشك. وَهِي نُسْخَة قديمَة مضبوطة صَحِيحَة جدا.

وَرُوِيَ فِي الشَّرْح وَمُغْنِي اللبيب وشروح الألفية: غثي من سمني فَمن الأولى ابتدائية فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَمن الثَّانِيَة للبدل كَقَوْلِه تَعَالَى:

أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة.

وَأنْكرهُ قوم فَقَالُوا: التَّقْدِير: أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَدَلا من الْآخِرَة فالمفيد للبدلية متعلقها الْمَحْذُوف. وَأما هِيَ فللابتداء.

وَقَالَ ابْن مَالك: من الدَّاخِلَة على ثَانِي المتضادين مَعْنَاهَا الْفَصْل نَحْو: وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح.

قَالَ ابْن هِشَام: فِيهِ نظر لِأَن الْفَصْل مُسْتَفَاد من الْعَامِل وَالظَّاهِر أَن من للابتداء أَو بِمَعْنى عَن. انْتهى.

قَالَ الْعَيْنِيّ: قَوْله: غثي بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من غث اللَّحْم يغث ويغث بِكَسْر الْغَيْن وَفتحهَا غثاثة وغثوثة فَهُوَ غث وغثيث إِذا كَانَ مهزولاً. وَكَذَلِكَ غث حَدِيث الْقَوْم وأغث أَي: ردؤ وَفَسَد. وَالْمعْنَى هَا هُنَا:

أعرف مِنْك مَا يفْسد مِمَّا يصلح. انْتهى.

وَقَالَ الدماميني: الغث: الرَّدِيء. والسمين: الْجيد. أَي: فأعرف مِنْك مساوي من محاسني فَإِن الْمُؤمن مرْآة أَخِيه. أَو فأعرف مَا يضرني مِنْك مِمَّا يَنْفَعنِي وأميز بَينهمَا. انْتهى.

وَقَوله: وَإِلَّا فاطرحني أَي: اتركني. وَهُوَ بتَشْديد الطَّاء افتعال من الطرح.

وَقَوله: وَمَا أَدْرِي مَا يممت... إِلَخ مَا: نَافِيَة وأدري: أعلم وَجُمْلَة أَيهمَا يليني: فِي مَحل المفعولين لأدري لِأَنَّهُ مُعَلّق عَن الْعَمَل باسم الِاسْتِفْهَام. وَإِذا: ظرف لأدري.

ويممت: قصدت. وأمراً كَذَا فِي المفضليات وَفِي غَيرهَا: وَجها. وَرُوِيَ أَيْضا: أَرضًا. وَجُمْلَة أُرِيد: حَال من فَاعل يممت.

وَأوردهُ الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَيْسُوا سَوَاء من أهل الْكتاب أمةٌ قائمةٌ قَالَ: ذكر أمة وَلم يذكر بعْدهَا أُخْرَى وَالْكَلَام مَبْنِيّ على أُخْرَى لِأَن سَوَاء لابد لَهَا من اثْنَيْنِ فَمَا زَاد كَأَنَّك قلت: لَا تستوي أمة صَالِحَة وَأُخْرَى كَافِرَة وَقد تستجيز الْعَرَب إِضْمَار أحد الشَّيْئَيْنِ إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَيْهِ.

ثمَّ أنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَغَيرهمَا.)

وَكَذَا أنشدهما عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالاً فَهِيَ إِلَى الأذقان قَالَ: كني عَن هِيَ وَهِي للأيمان وَلم تذكر. وَذَلِكَ أَن الغل لَا يكون إِلَّا فِي الْيَمين والعنق جَامعا للْيَمِين والعنق فَيَكْفِي ذكر أَحدهمَا من صَاحبه. ثمَّ أنشدهما فَقَالَ: كنى عَن الشَّرّ وَإِنَّمَا ذكر الْخَيْر وَحده.

وَذَلِكَ أَن الشَّرّ يذكر مَعَ الْخَيْر. انْتهى.

وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَن التَّقْدِير: أُرِيد الْخَيْر لَا الشَّرّ. وَلَا يجوز أَن يكون التَّقْدِير: أُرِيد

الْخَيْر وَالشَّر لِأَنَّهُ غير مرادٍ لَهُ بِدَلِيل مَا بعده فَيكون من حذف الْمَعْطُوف بِلَا النافية وَهُوَ غَرِيب.

وَقَوله: أألخير الَّذِي... إِلَخ هَذَا بدل من أَي وَلِهَذَا قرن بِحرف الِاسْتِفْهَام. والهمزة الثَّانِيَة من أألخير همزَة وصل دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام وَكَانَ الْقيَاس أَن يَسْتَغْنِي عَنْهَا لَكِنَّهَا لم تحذف وخففت بتسهيلها بَين بَين إِذْ لَولَا ذَلِك لم يتزن الْبَيْت. وَلَا سَبِيل إِلَى دَعْوَى تحقيقها لِأَنَّهُ لَا قَائِل بِهِ.

وهمزة بَين بَين عِنْد الْبَصرِيين متحركة بحركة ضَعِيفَة ينحى بهَا نَحْو السّكُون وَلذَلِك لَا تقع إِلَّا حَيْثُ يَقع السَّاكِن غَالِبا وَلَا تقع فِي أول الْكَلَام بِحَال.

وَفِيه ردٌ على الْكُوفِيّين فِي دَعْوَى سكونها لِأَنَّهَا فِي مُقَابلَة ثَانِي حُرُوف وتدٍ مَجْمُوع وَهُوَ لَا يكون سَاكِنا وَلِأَنَّهَا لَو كَانَت سَاكِنة لزم التقاء الساكنين على غير حَده.

وَرُوِيَ: أم الشَّرّ الَّذِي لَا يأتليني قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَي لَا يألو فِي طلبي أَي: لَا يقصر فِي طلبي.

والمثقب الْعَبْدي: شَاعِر جاهلي قديم كَانَ فِي زمن عَمْرو بن هِنْد. قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَقَالَ اسْمه مُحصن بن ثَعْلَبَة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة سمي المثقب لقَوْله فِي هَذِه القصيدة:

رددن تَحِيَّة وكنن أُخْرَىوثقبن الوصاوص للعيون

وَكَانَ أَو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: لَو كَانَ الشّعْر كُله على هَذِه القصيدة لوَجَبَ على النَّاس أَن يتعلموه. انْتهى.

وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: اسْمه: عَائِذ بن مُحصن بن ثَعْلَبَة بن وائلة بن عدي بن عَوْف بن دهن بن عذرة بن مُنَبّه بن نكرَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس بن أفصى ابْن دعمي بن جديلة بن)

أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان. انْتهى.

والمثقب: اسْم فَاعل من ثقبٌ بالثاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْقَاف. وصحفه الدماميني بالنُّون. وَهُوَ لقب لَهُ لقَوْله ذَاك الْبَيْت.

والعبدي: نِسْبَة إِلَى عبد الْقَيْس وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهِ عبقسيٌ أَيْضا.

وَقَوله: رددن تَحِيَّة... إِلَخ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَي: أظهرن السَّلَام ورددنه. وكتمن أَي: سترن وَهُوَ مَا يرد من السَّلَام بعينٍ أَو بيد.

وَرُوِيَ: ظهرن بكلةٍ وسدلن أُخْرَى والكلة: مَا يرى على الهودج وَهُوَ شَبيه بالستور. والوصاوص: البراقع الصغار. أَرَادَ أَنَّهُنَّ حديثات الْأَسْنَان فبراقعهن صغَار.

لَا تقولن إِذا مَا لم تردأَن تتمّ الْوَعْد فِي شيءٍ نعم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
حسنٌ قَول نعم من بعد لَاوقبيحٌ قَول لَا بعد نعم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»

(إِن لَا بعد نعم فاحشةٌ... فبلا فابدأ إِذا حفت النَّدَم

)

فَإِذا قلت نعم فاصبر لَهَابنجاح القَوْل إِن الْخلف ذمّ
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «لا تَقُولن إذا ما لم تُرِدْ»
وَاعْلَم أَن الذَّم نقصٌ للفتىوَمَتى لَا يتق الذَّم يذم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
أكْرم الْجَار وأرعى حَقهإِن عرفان الْفَتى الْحق كرم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
لَا تراني راتعاً فِي مجلسٍفِي لُحُوم النَّاس كالسبع الضرم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
إِن شَرّ النَّاس من يكشر ليحِين يلقاني وَإِن غبت شتم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
وكلامٍ سيئٍ قد وقرتأُذُنِي عَنهُ وَمَا بِي من صمم
فتصبرت امتعاضاً أَن يرىجاهلٌ إِنِّي كَمَا كَانَ زعم
ولبعض الصفح والإعراض عَنذِي الْخَنَا أبقى وَإِن كَانَ ظلم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»

والضرم: الشَّديد النهم أخذا من ضرم النَّار وَهُوَ التهابها. والسبع

بِضَم الْمُوَحدَة لكنه سكنه للضَّرُورَة.

ويكشر: يضْحك. ووقرت أُذُنه بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول توقر وقرا فَهِيَ موقرة من الصمم.

(الشَّاهِد الموفي للتسعمائة)

يَا ليتما أمنا شالت نعامتهاأما إِلَى جنةٍ أما إِلَى النَّار
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا ليتما أمنا شالت نعامتها»

على أَن أما الثَّانِيَة تلْزم الْوَاو وَرُبمَا ترد بِلَا وَاو كَهَذا الْبَيْت وَهُوَ غير الْغَالِب.

قَالَ ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي التسهيل: لَا أحفظ حذف الْوَاو إِلَّا مَعَ تَخْفيف إِمَّا بِالْبَدَلِ كَقَوْلِه:

لَا تفسدوا آبالكمإيما لنا إيما لكم

قَالَ الشَّارِح: ويروى أَيّمَا إِلَى جنَّة وَهِي لُغَة فِي إِمَّا. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَة الْبَيْت.

وَكَذَا أنْشدهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء.

قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: قَوْله: أَيّمَا إِلَى جنَّة يدل على أَن إِبْدَال الرَّاء وَالنُّون ياءين فِي قِيرَاط ودينار لَيْسَ للكسرة إِنَّمَا هُوَ للإدغام. أَلا ترى أَن أَيّمَا قد أبدل فِيهَا من مِيم أما وَلَا كسرة قبلهَا. انْتهى.

وَكَذَا ذكره ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: وَفِي الْبَيْت شَاهد ثَان وَهُوَ فتح الْهمزَة وثالث هُوَ قَالَ الدماميني فِي المزج عِنْد قَول ابْن هِشَام: وَقد تبدل ميمها الأولى يَاء أَي: مَعَ فتح الْهمزَة وَكسرهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد لكِنهمْ فِيمَا رَأَيْت لم يستشهدوا على الْإِبْدَال إِلَّا مَعَ فتح الْهمزَة. انْتهى.

وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: حُكيَ الْإِبْدَال مَعَ كسر الْهمزَة وَفتحهَا. فمثاله مَعَ الْكسر قَوْله: يَا ليتما أمنا شالت نعامتها الْبَيْت وَمَعَ الْفَتْح قَول أبي القمقام:

تنفخها أَيّمَا شمالٌ عريةٌوَأَيّمَا صبا جنح الظلام هبوب

رَوَاهُ الْفراء بِالْيَاءِ وَفتح الْهمزَة.

هَذَا كَلَامه.

وَفِيه نظر فَإِن الْبَيْت الشَّاهِد نصوا على فتح همزته مَعَ الْإِبْدَال وَلَو كَانَ الْكسر فِيهِ رِوَايَة أَيْضا لَكَانَ اللَّائِق عزوه إِلَى ناقله.

وَالْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي أَوَاخِر الحماسة قَالَ: وَقَالَت أم النحيف وَهُوَ سعد)

بن قرط أحد بني جذيمة وَكَانَ تزوج امْرَأَة نهته أمه عَنْهَا.

لعمري لقد أخلفت ظَنِّي وسؤتنيفحزت بعصياني الندامة فاصبر
للشاعر أم النحيف، من قصيدة «لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني»
فقد حزت بالورهاء أَخبث خبثةٍفدع عَنْك مَا قد قلت يَا سعد وَاحْذَرْ
للشاعر أم النحيف، من قصيدة «لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني»
تربص بهَا الْأَيَّام على صروفهاسترمي بهَا فِي فِي جاحمٍ متسعر
فكم من كريمٍ قد مناه إلههبمذمومة الْأَخْلَاق وَاسِعَة الْحر
فطاولها حَتَّى أتتها منيةٌفَصَارَت سفاةٌ جثوَة بَين أقبر

(فأعقب لما كَانَ بِالصبرِ معصماً... فتاةً تمشي بَين إتبٍ ومئزر

)

مهفهفة الكشحين محطوطة المطاكهم الْفَتى فِي كل مبدىً ومحضر
للشاعر أم النحيف، من قصيدة «مهفهفة الكشحين محطوطة المطا»
لَهَا كفلٌ كالدعص لبده الندىوثغرٌ نقيٌ كالأقاح الْمنور
للشاعر أم النحيف، من قصيدة «مهفهفة الكشحين محطوطة المطا»

فأجابها ابْنهَا:

يَا ليتما أمنا شالت نعامتهاأَيّمَا إِلَى جنةٍ ايما إِلَى نَار
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا ليتما أمنا شالت نعامتها»
تلتهم الوسق مشدوداً أشظتهكَأَنَّمَا وَجههَا قد سفع بالقار
لَيست بشبعي وَلَو أوردتها هجراًوَلَا بريا وَلَو صافت بِذِي قار
خرقاء بِالْخَيرِ لَا تهدي لوجهتهوَهِي صناع الْأَذَى فِي الْأَهْل وَالْجَار

قَالَ الْخَطِيب التبريزي: والورهاء: الحمقاء. وأخبث خبثة: نعت كل فَاسد. فدع عَنْك مَا قد قلت كَأَنَّهُ كَانَ هم بمباينتها فأنكرت ذَلِك وَقَالَت: تربص بهَا.

والجاحم بِتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة: النَّار الشَّدِيدَة التأجج. والسفاة بِفَتْح الْمُهْملَة: الكبة من التُّرَاب.

وأعصم من الشَّرّ واعتصم واستعصم: التجأ وَامْتنع. ومحطوطة المطا أَي: كَأَنَّهَا قد صقلت بالمحط بِالْكَسْرِ وَهُوَ مَا يصقل بِهِ السَّيْف وَالْجَلد. والمهفهفة: الخميصة الْبَطن. وكهم الْفَتى: مَا يهواه ويهمه حَيْثُمَا تصرف. والنحيف: تَصْغِير مرخم نحيف. انْتهى كَلَامه.

وَبَقِي فِيهِ كَلِمَات تحْتَاج إِلَى الشَّرْح فَنَقُول: الْقَرِينَة: زَوْجَة الرجل. ومناه: ابتلاه ومضارعه يمنوه وَيَمِينه. وَالْحر بِكَسْر الْمُهْملَة: الْفرج. وَفِي السفا: التُّرَاب والسفاة أخص مِنْهُ. والجثوة مُثَلّثَة الْجِيم: الْحِجَارَة الْمَجْمُوعَة. وأقبر: جمع قبر. وأعقب بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.

ومعصم: اسْم فَاعل: ملتجئ وفتاة: مفعول ثَان لأعقب. والإتب بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة)

الْفَوْقِيَّة: ثوب أَو برد يشق فِي وَسطه فتلقيه الْمَرْأَة فِي عُنُقهَا من غير كم وَلَا جيب. والكشح: الخاصرة. والدعص بِالْكَسْرِ: الْكَثِيب

وَقَول سعد: يَا ليتما أمنا الْبَيْت يَا: حرف تَنْبِيه وَأمنا بِالنّصب اسْم لَيْت وَجُمْلَة شالت نعامتها: خَبَرهَا. وشالت: ارْتَفَعت. والنعامة قيل: بَاطِن الْقدَم وَقيل: عظم السَّاق.

وَقَوْلهمْ: شالت نعامته: كِنَايَة عَن الْمَوْت والهلاك فَإِن من مَاتَ ارْتَفَعت رِجْلَاهُ وانتكس وَفِي الصِّحَاح: النعامة: الْخَشَبَة المعترضة على الزرنوقين وَيُقَال للْقَوْم إِذا ارتحلوا عَن منهلهم أَو تفَرقُوا: شالت نعامتهم.

وَقَالَ ابْن بري فِي أَمَالِيهِ عَلَيْهِ: وَشَاهده قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت:

اشرب هَنِيئًا فقد شالت نعامتهموأسبل الْيَوْم فِي برديك إسبالا

وَقَالَ آخر:

إِنِّي قضيت قَضَاء غير ذِي جنفٍلما سَمِعت وَلما جَاءَنِي الْخَبَر

(أَن الفرزدق قد شالت نعامته... وعضه حيةٌ من قومه ذكر

)

انْتهى.

والزرنوقان: منارتان تبنيان على رَأس الْبِئْر فتوضع عَلَيْهِمَا النعامة. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تُرِيدُ بقولِهَا: شالت نعامته الدُّعَاء عَلَيْهِ تَعْنِي هَزَمه الله وراعه حَتَّى يذهب على وَجهه كَمَا نفر النعام. ولشدة هرب النعام وذعره ضرب بِهِ الْمثل للمهزوم.

وَقَوله: أَيّمَا إِلَى جنَّة... إِلَخ أوردهُ صَاحب الصِّحَاح فِي مَادَّة أمو فَقَالَ: وَإِمَّا بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد: حرف عطف بِمَنْزِلَة أَو.

إِلَى أَن قَالَ: وَقَوْلهمْ: أَيّمَا وَأَيّمَا يُرِيدُونَ: إِمَّا وَإِمَّا فيبدلون من إِحْدَى الميمين يَاء.

أَيّمَا إِلَى جنةٍ أَيّمَا إِلَى نَار وَقد يكسر. انْتهى.

وَفِيه نظر من وُجُوه: الأول: أَنَّهَا لَيست من هَذِه الْمَادَّة.

الثَّانِي: لَيست حرف عطف.

الثَّالِث: فِي نِسْبَة الشّعْر للأحوص وَإِنَّمَا هُوَ للنحيف الْمَذْكُور.)

وَلم ينتبه لهَذَا ابْن بريٍ وَلَا الصَّفَدِي.

وَفِي قَوْله: وَقد يكسر رد على الدماميني فِي قَوْله: لم يستشهدوا على الْإِبْدَال إِلَّا مَعَ فتح الْهمزَة.

فتخلص لنا فِي هَذِه الْكَلِمَة أَن أَيّمَا بِالْفَتْح أَصْلهَا أما الْمَفْتُوحَة وَهِي لُغَة فِي الْمَكْسُورَة وَأَن أَيّمَا بِالْكَسْرِ أَصْلهَا أما بِالْكَسْرِ لَكِن كثر اسْتِعْمَال أَيّمَا بِالْفَتْح.

وَقد خَفِي على ابْن بري مَجِيء الْفَتْح فِي إِمَّا الْمَكْسُورَة فَاعْترضَ على صَاحب الصِّحَاح فِي تجويزه الْوَجْهَيْنِ فِي أَيّمَا فِي هَذَا الشّعْر وَغَيره فَقَالَ: صَوَابه إيما بِالْكَسْرِ لِأَن الأَصْل إِمَّا.

فَأَما أَيّمَا فَالْأَصْل فِيهَا أما وَذَلِكَ فِي مثل قَوْلك: أما زيد فمنطلق بِخِلَاف إِمَّا الَّتِي فِي الْعَطف فَإِنَّهَا مَكْسُورَة لَا غير. انْتهى.

والأشظة: جمع شظاظ بالمعجمات وَكسر أَوله وَهُوَ الْعود الَّذِي يدْخل فِي عُرْوَة الجوالق.

وَقَوله: قد سفع بِضَم السِّين وَسُكُون الْفَاء مخفف مكسورها وَهُوَ مَاض مَجْهُول من السفع بِالْفَتْح وَالِاسْم السفعة بِالضَّمِّ وَهُوَ سَواد مشر حمرَة. والقار: الزفت.

وَقَوله: لَيست بشبعي هُوَ مؤنث شبعان. وهجر بِفتْحَتَيْنِ قَالَ السُّيُوطِيّ: قَرْيَة بالحجاز مَعْرُوفَة بِكَثْرَة التَّمْر. وريا: مؤنث رَيَّان.

وصافت: فعل مَاض من الصَّيف. وَرُوِيَ: قاظت من القيظ وَهُوَ مُدَّة شدَّة الْحر. وَذُو قار: مَوضِع.

وَقَوله: خرقاء بِالْخَيرِ هُوَ مؤنث أخرق وَهُوَ الَّذِي لَا يحسن أَن يصنع شَيْئا. والصناع بِالْفَتْح: الْمَرْأَة الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ وتحسن كل شَيْء.

والنحيف بِضَم النُّون وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء بعْدهَا فَاء: مصغر نحيف تَصْغِير ترخيم وَإِلَّا لقيل نحيف بتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة. وَهُوَ لقب سعد بن قرط بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. وَهُوَ من عبد الْقَيْس وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عبديٌ وعبقسيٌ كَمَا تقدم.

وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: قَالَ أَبُو رزمة الْفَزارِيّ: كَانَت امْرَأَة من عبد الْقَيْس لَهَا ابنٌ يُقَال لَهُ: سعد بن قرط بن سيار يلقب النحيف يعقها وَكَانَ شريراً فَقَالَ: يهجوها:

يَا ليتما أمنا شالت نعامتها)

الأبيات الْأَرْبَعَة.

وسَاق حِكَايَة مَعَ أَبْيَات. وَلم ار شَيْئا مِمَّا نَقله فِي أمالي ثَعْلَب مَعَ أَن نُسْخَتي مِنْهَا كَانَت سخته وَعَلَيْهَا خطه.

واستمد ابْن الملا مِمَّا نَقله فصحف نِسْبَة الشَّاعِر فَقَالَ سعد بن قرظ بِفتْحَتَيْنِ ومعجمتين بَينهمَا مُهْملَة ابْن سيار الملقب بالتحيت هَكَذَا بِخَطِّهِ ونقلته مِنْهُ وَهُوَ تَصْحِيف فِي الاسمين لَا شكّ فِيهِ.

وَأنْشد بعده

(الشَّاهِد الْحَادِي بِعَهْد التسْعمائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

سقته الرواعد من صيفٍوَإِن من ربيعٍ فَلَنْ يعدما

على أَن الأَصْل فِيهِ: سقته الرواعد إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف. فَحذف لضَرُورَة الشّعْر إِمَّا الأولى وَمَا من إِمَّا الثَّانِيَة وَكَانَ أصل إِمَّا: إِن مَا فَلَمَّا حذفت مَا رجعت النُّون المنقلبة ميماً للإدغام إِلَى أَصْلهَا.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يضمر فِيهِ الْفِعْل الْمُسْتَعْمل إِظْهَاره بعد حرف: وَأما قَول الشَّاعِر:

لقد كذبتك نَفسك فاكذبنهافَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر

فَهَذَا على إِمَّا وَلَيْسَ على إِن الْجَزَاء كَقَوْلِك: إِن حَقًا وَإِن كذبا. فَهَذَا على إِمَّا مَحْمُول. أَلا ترى أَنَّك تدخل الْفَاء. وَلَو كَانَت على إِن الْجَزَاء وَقد اسْتقْبلت الْكَلَام لاحتجت إِلَى الْجَواب فَلَيْسَ قَوْله: فَإِن جزعاً كَقَوْلِه: إِن حَقًا وَإِن كذبا وَلَكِن على قَوْله: فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء.

وَإِن قلت: فَإِن جوع وَإِن إِجْمَال صبرٍ كَانَ جَائِزا كَأَنَّك قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر لِأَنَّك لَو صححتها فَقلت: إِمَّا جَازَ ذَلِك فِيهَا. وَلَا يجوز طرح مَا من إِمَّا إِلَّا فِي الشّعْر.

قَالَ النمر بن تولب:...

سقته الرواعد من صيفٍوَإِن من خريف فَلَنْ يعدما

وَإِنَّمَا يُرِيد: وَإِمَّا من خريف. وَمن أجَاز ذَلِك فِي الْكَلَام دخل عَلَيْهِ أَن يَقُول: مَرَرْت بِرَجُل إِن قَالَ ابْن خلف: يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ أَن إِن فِي هَذَا الْبَيْت مَحْذُوف مِنْهَا مَا وأصل إِمَّا عِنْده إِن مَا)

فَجعل الحرفان حرفا وَاحِدًا. وَإِذا اضْطر شَاعِر حذف مَا من إِمَّا.

وَاسْتدلَّ على انها لَيست بإن الَّتِي للشّرط بِأَن الْفَاء دخلت على إِن فِي: فَإِن جزعاً. فَلَو كَانَت للشّرط لَا حتاجت إِلَى جَوَاب. وَذَلِكَ أَن جَوَاب إِن فِيمَا

بعْدهَا وَقد يكون مَا قبلهَا مغنياً عَن الْجَواب إِذا لم يدْخل عَلَيْهِ شَيْء من حُرُوف الْعَطف كَقَوْلِك: أكرمك إِن جئتني.

فَإِن أدخلت عَلَيْهَا فَاء أَو ثمَّ بَطل أَن يكون مَا قبلهَا مغنياً عَن الْجَواب. لايجوز أَن تَقول: أكرمك فَإِن جئتني. وَلَا: أكرمك ثمَّ إِن جئتني حَتَّى تَأتي بِالْجَوَابِ فَتَقول: أكرمك فَإِن جئتني زِدْت فِي الْإِكْرَام.

فَلذَلِك بَطل أَن يكون: فَإِن جزعاً على معنى المجازاة وَصَارَت بِمَعْنى إِمَّا لِأَنَّهَا تحسن فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَحذف مَا للضَّرُورَة.

وَقَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي: يُرِيد: وَإِمَّا من خريف كَأَنَّهُ قَالَ: إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف فَلَنْ يعْدم السَّقْي.

وَاعْترض عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد فَقَالَ: مَا لايجوز إلقاؤها من إِن إِلَّا فِي غَايَة الضَّرُورَة وَإِمَّا يلْزمهَا أَن تكون مكررة وَإِنَّمَا جَاءَت هُنَا مرّة وَاحِدَة.

ولاينبغي أَن تحمل الْكَلَام على الضَّرُورَة وَأَنت تَجِد إِلَى غَيرهَا سَبِيلا وَلَكِن الْوَجْه فِي ذَلِك مَا فال الْأَصْمَعِي قَالَ: هِيَ إِن الْجَزَاء وَإِنَّمَا أَرَادَ: وَإِن سقته من خريف فَلَنْ يعْدم الرّيّ. وَلم يحْتَج إِلَى ذكر سقته لقَوْله: الرواعد من صيف.

قَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن ولاد: هَذَا الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ الْمبرد عَن الْأَصْمَعِي من جعل إِن فِي الْبَيْت للجزاء قد أجَازه سِيبَوَيْهٍ بعقب الْبَيْت وَذَلِكَ فِي قَوْله فِي إثره: وَإِن أَرَادَ إِن الْجَزَاء فَهُوَ جَائِز لِأَنَّهُ يضمر فِيهَا الْفِعْل. إِلَّا أَنه أَخّرهُ لِأَنَّهُ لم يكن الْوَجْه عِنْده ولامراد الشَّاعِر عَلَيْهِ.

أَلا ترَاهُ قَالَ فِي تَفْسِير الْبَيْت: وَإِنَّمَا يُرِيد: وَإِمَّا من خريف. فَحمل معنى الْبَيْت على إِرَادَة الشَّاعِر وَذَلِكَ أَن الشَّاعِر ذكر وَعلا يُرِيد هَذَا المَاء مَتى شَاءَ فَقَالَ:

إِذا شَاءَ طالع مسجورةًيرى حولهَا النبع والساسما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

سقته الرواعد من صيف......................... الْبَيْت فَقَالَ: مسجورة أَي: مَمْلُوءَة من صيف أَو من خريف فَلَنْ يعْدم الوعل رياً على كل حَال.)

فَأعْلم أَن ذَلِك ثَابت لَهُ. وَلَيْسَ للجزاء فِي هَذَا الْبَيْت معنى يحسن فِي الشّعْر ويليق بِمُرَاد الشَّاعِر لِأَنَّهُ إِذا حملهَا على الْجَزَاء فَإِنَّمَا يُرِيد: إِن سقته لم يعْدم الرّيّ وَإِن لم تسقه عدم.

فَلَا فَائِدَة فِي هَذَا يحسن مَعَهُمَا الشّعْر وَلَا يشبه قَوْله: إِذا شَاءَ طالع مسجورة. فقد جعل ذَلِك لَهُ مَتى شَاءَ وَجعلهَا مَمْلُوءَة.

فَلهَذَا أخر سيبلويه معنى الْجَزَاء وَلم يرد أَن الْجَزَاء مُرَاد الشَّاعِر وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن مِثَال هَذَا لَو وَقع فِي كَلَام غير هَذَا الْبَيْت لجَاز فِيهِ هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّهُ مُرَاد الشَّاعِر.

وَأما قَوْله: لَا يجوز إِلْقَاء مَا من إِلَّا فِي غَايَة الضَّرُورَة فَكَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر للضَّرُورَة. وَقد وَافقه على ذَلِك وَلَيْسَ بَين الْقَوْلَيْنِ فرق غير زِيَادَته: غَايَة.

وَمَعَ هَذَا فالعرب تحذف من نفس الْكَلِمَة للضَّرُورَة مَعَ زَوَال اللّبْس فَمَا بالها لَا تحذف الزَّوَائِد للضَّرُورَة مَعَ زوراله. وَمَا هُنَا زَائِدَة فِي إِمَّا وَقد دلّ على صِحَة ذَلِك وجوازه فِي الشّعْر بِالْبَيْتِ الَّذِي قبله وَهُوَ:

فَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر وَأما قَوْله: إِن التكرير يلْزمهَا فَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك لِأَن الأولى إِنَّمَا هِيَ زَائِدَة ليبادر المخطاب إِلَى أَن الْكَلَام مَبْنِيّ على الشَّك أَو التَّخْيِير وَالْعَمَل على الثَّانِيَة وَالْأولَى زَائِدَة وَلَيْسَت توجب فِي الْكَلَام معنى غير معنى الثَّانِيَة وسبيلها فِي ذَلِك سَبِيل لَا إِذا قلت: مَا قَامَ لَا زيد وَلَا عَمْرو.

فَإِن شِئْت أكدت النَّفْي وزدت لَا وَإِن شِئْت حذفتها إِلَّا أَن الْحَذف فِي لَا الأولى أَكثر فِي وَلَا اعْلَم أحدا من النَّحْوِيين الْمُتَقَدِّمين يمْنَع من إجَازَة حذفهَا فِي قَوْلك: خُذ الدَّرَاهِم وَإِمَّا الدِّينَار وجالس زيدا وَإِمَّا عمرا فقياسها مَا ذكرت لَك فِي لَا وَالْكَلَام لَا يلتبس بطرحها وَمَعْنَاهُ بنقصانها كمعناه بزيادتها فَمَا الَّذِي منع مَعَ هَذَا كُله من تَجْوِيز طرحها وَقد يطْرَح من الْكَلَام مَا هُوَ أولى بالإثبات مِنْهَا. انْتهى.

وَلَا يخفى أَن حذفهَا خَاص بالشعر وَجَوَاز حذفهَا فِي الْكَلَام لَا قَائِل بِهِ.

وَأما قَوْله وَلَا أعلم أحدا من النَّحْوِيين الْمُتَقَدِّمين.... إِلَخ فالمنقول عَنْهُم خلاف مَا نَقله فَالْأولى تَعْلِيل حذفهَا بِالضَّرُورَةِ أَيْضا.

وَقَالَ النّحاس بعد نقل كَلَام الْمبرد: وَلم يحْتَج أَبُو الْحسن لسيبويه فِي هَذَا بِشَيْء وَكَانَ القَوْل عِنْده مَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَانَ شَدِيد الْميل إِلَى مَا قَالَه الْأَصْمَعِي فِي اللُّغَة.)

أَلا ترى أَن أَبَا زيد قد حكم للأصمعي على سِيبَوَيْهٍ فِي اللُّغَة وَقَالَ: هَذَا أعلم باللغة وَهَذَا أعلم بالنحو يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ.

وَأَن أستاذ سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل قد أَخذ عَن الْأَصْمَعِي شَيْئا من اللُّغَة وَلم يكن أَبُو إِسْحَاق الزّجاج يمِيل إِلَى شيءٍ من هَذَا وَقَالَ: من نظر إِلَى كتاب سِيبَوَيْهٍ وَمَا ذكر فِيهِ من الْأَبْنِيَة وقف على تقدمه على الْجَمَاعَة فِي اللُّغَة.

قَالَ: وَالْقَوْل مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ وصفهَا بِالْخصْبِ وَأَنَّهَا لَا تعدم الرّيّ مَا

سقتها الرواعد إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف فَلَنْ تعدم الرّيّ.

وعَلى مَذْهَب الْأَصْمَعِي والمبرد إِن لم يسقها الخريف عدمته لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِن سقتها لن تعدم الرّيّ. وَإِن أَرَادَ لَا تعدم الرّيّ الْبَتَّةَ فَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ. أَلا ترى أَن قبله: إِذا شَاءَ طالع مسجورة الْبَيْت انْتهى.

وَأما قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: لَا نسلم أَن الْمَقْصُود وصف هَذَا الوعل بِالريِّ على كل حَال وَإِنَّمَا الْغَرَض وصف حَاله بِحَسب الْوَاقِع فَأخْبر أَولا بِمَا وَقع من سقِِي سحائب الصبيف لَهُ وَذَلِكَ مقتضٍ لريه مِنْهَا. ثمَّ اخبر بِأَنَّهُ سحائب الخريف إِن سقته بعد ذَلِك حصل لَهُ الرّيّ المستمر.

وَلَو سلم أَن الْمَقْصُود مَا ذكر من وَصفه بِالريِّ دَائِما فَمَعَ الْإِتْيَان بإما الَّتِي هِيَ لأحد الشَّيْئَيْنِ لَا يلْزم ذَلِك. انْتهى.

فقد رد عَلَيْهِ ابْن الملا بِوُجُوه: أَحدهَا: كَيفَ لَا يكون الْغَرَض ذَلِك وَهُوَ بصدد بَيَان نجاته من الحتف إِذْ المُرَاد أَنه لَو نجا حَيَوَان من الْمَوْت لنجا هَذَا الوعل الَّذِي تكفل لَهُ ربه برزقه وَأَسْكَنَهُ أخصب أرضه فَهُوَ فِي ريٍ لَا ينقكطع وَطيب عيشٍ مُسْتَمر من غير حيلةٍ مِنْهُ.

وَلَو كَانَ المُرَاد وصف حَاله بِحَسب الْوَاقِع لم يكن فِي تَخْصِيصه بِالذكر فَائِدَة إِذْ كل مَخْلُوق شَأْنه من اللطف الإلهي مثل ذَلِك.

ثَانِيهَا: أَنه لَا يلْزم من إخْبَاره بِأَن سحائب الخريف وَإِن سقته بعد ذَلِك حُصُول الرّيّ المستمر لَهُ وَإِنَّمَا يلْزم حُصُول الرّيّ المستمر أَن لَو أخبرهُ أَن سحائب الخريف إِذا سقته بعد ذَلِك يرْوى.

)

ثَالِثهَا: أَن دَعْوَاهُ أَن ألإتيان بإما الَّتِي لأحد الشَّيْئَيْنِ لَا يأتى مَعَه الْوَصْف بِالريِّ على الدَّوَام محصلها دَعْوَى الْمُنَافَاة بَين دوَام الرّيّ والسقي من اُحْدُ الشَّيْئَيْنِ وَهِي مَمْنُوعَة لصِحَّة قَوْلنَا دَائِما: الرّيّ حَاصِل إِمَّا من سقِِي سحائب الصَّيف وَإِمَّا من سقِِي سحائب الخريف.

فالقضية وَإِن كَانَ حمليه لَكِنَّهَا شَبيهَة بمنفصله مَانِعَة الْخُلُو فَهِيَ فِي حكمهَا. وَقيد الدَّوَام عِنْدهم سور الْإِيجَاب الْكُلِّي فِي بَاب المنفصلات.

وَأما الْجَواب بِمَنْع أَنَّهَا لمُجَرّد أحد الشَّيْئَيْنِ بل هِيَ لتفصيل المسقي مِنْهُ وَحِينَئِذٍ مَعَ الْإِتْيَان بهَا يلْزم الرّيّ دَائِما فَفِيهِ أَن الْمُخْتَار فِيهَا وَفِي أَو أَنَّهُمَا لأحد الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء.

هَذَا كَلَامه. وَمن خطه نقلت.

وَالْوَجْه الثَّانِي لَا معنى لَهُ. وَكَأن الدماميني فهم من قَوْلهم: المُرَاد وصف الوعل بِالريِّ على كل حَال أَن ريه إِنَّمَا يكون بِمَجْمُوع المطرين لَا بِأَحَدِهِمَا فَقَالَ: وَلَو سلم أَن الْمَقْصُود ريه دَائِما فَمَعَ أفتيان بإما... إِلَخ وَلَيْسَ مُرَادهم مَا فَهموا.

وَإِنَّمَا أَرَادوا أَن الرّيّ يحصل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا سَوَاء كَانَ مطر الصَّيف فَقَط أَو مطر الخريف فَقَط فَهُوَ على كل حَال مِنْهُمَا مرتو.

فَلَو كَانَ الْمَعْنى على الشَّرْط فَلَا يتَحَقَّق الرّيّ لَهُ على كل حَال بل إِن حصل مطر الخريف ارتوى وَإِن لم يحصل فَلم يرتو فَإِن الشَّرْط قد يتَخَلَّف كَمَا هُوَ ظَاهر.

وَبَقِي احْتِمَال آخر فِي الْبَيْت على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ ان يكون تَقْدِيره: إِن من صيفٍ وَأَن من خريف فحذفت إِن الأولى لدلَالَة الثانيه عَلَيْهَا وأصلهما إِمَّا فحذفت مِنْهُمَا مَا كَمَا فِي قَوْله: فَإِن جزعاً وَإِن إِجْمَال صَبر بَقِي قَول آخر أوردهُ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَنَقله ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَن إِن زَائِدَة وَجَاءَت زيادتها هُنَا كَمَا جَاءَت زيادتها نَحْو: مَا إِن فعلت. وَهَذَا كَقَوْلِك: ضرب الْقَوْم زيدا من دَاخل

وَمن خَارج. انْتهى.

هَذَا وَقد قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات: أَقُول إِن الشّعْر قَالَ هَذَا الْبَيْت فِي أَبْيَات يصف فِيهَا وَعلا وَقَبله:

إِذا شَاءَ طالع مسجورةًيرى حولهَا النبع والساسما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

)

تكون لأعدائه محهلاًمضلاً وَكَانَت لَهُ معلما

سقتها الرواعد.............. الْبَيْت قَوْله: مسجورة يُرِيد: عينا كَثِيرَة المَاء إِذا شَاءَ هَذَا الوعل طالع مسجورة فَقَوله: تكون: صفة لمسجورة وَكَذَلِكَ سقتها يكون صفة لمسجورة.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ثَعْلَب عَن سَعْدَان عَن الْأَصْمَعِي. وَكِتَابنَا كتاب سِيبَوَيْهٍ: سقته فَيجوز أَن يكون رَجَعَ إِلَى الوعل أَو حمله على الْمَعْنى. وَالْوَجْه أَن يكن للعين فَيكون الْمَعْنى: سقت الرواعد من السَّحَاب هَذِه المسجورة إِمَّا من صيف وَإِمَّا من خريف أَي: فَهِيَ على كل حَال لَا تعدم السَّقْي إِمَّا صيفاً وَإِمَّا خَرِيفًا وَذَلِكَ فِي صفة هَذِه الْعين أرْخى لبال هَذَا الوعل. وفاعل يعْدم على هَذَا الْعين. انْتهى.

أَقُول: إِذْ كَانَ فَاعل يعْدم الْعين المسجورة يجب أَن يكون تعدم بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالْمَشْهُور إِنَّمَا هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة.

ثمَّ جوز أَن تكون إِن شَرْطِيَّة وَالْألف فِي يعدما ضمير مثنى فَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: سقت الرواعد من السَّحَاب هَذِه الْعين أَو هَذَا الوعل وَإِن سقت الْعين أَو الوعل من الخريف فَلَنْ تعدم الْعين السَّقْي والوعل الرّيّ. وَدفع بَعضهم هَذَا وَقَالَ: لَا معنى لَهُ.

وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ غير مُمْتَنع إِلَّا أَن التَّأْوِيل الأول أسهل فِي الْمَعْنى وَأدْخل فِيمَا يَعْتَرِضهُ الشَّاعِر وَإِن اعْترض فِي لَفظه حذف إِمَّا الأولى لِأَن الثَّانِيَة تدل عَلَيْهَا. وَالْفَاء فِي فَلَنْ على هَذَا التَّأْوِيل جَوَاب الْجَزَاء وَفِي التَّأْوِيل الأول عاطفة جملَة على جملَة. انْتهى.

وَالْبَيْت من قصيدة للنمر بن تولب الصَّحَابِيّ فِيهَا عدَّة أَبْيَات شَوَاهِد فَلَا بَأْس بإيرادها وَشَرحهَا.

وَهِي هَذِه:

سلا عَن تذكره تكتماوَكَانَ رهيناُ بهَا مغرما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وأقصر عَنْهَا وآياتهايذكرنه داءه الأقدما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فأوصي الْفَتى بابتناء الْعَلَاءوَأَن لَا يخون وَلَا يأثما
ويلبس للدهر أجلالهفَلَنْ يبيني النَّاس مَا هدما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وَإِن أَنْت لاقيت فِي نجدةٍفَلَا تتهيبك أَن تقدما

)

وَإِن تتخطاك أَسبَابهَافَإِن قصارك أَن تهرما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فأحبب حَبِيبك حبا رويداًفَلَيْسَ يعولك أَن تصرما

(فتصرم بالود من وَصله... رقيقٌ فتسفه أَو تندما

)

وَأبْغض بَغِيضك بغضاً رويداًإِذا أَنْت حاولت أَن تحكما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وَلَو أَن من حتفه ناجياًلألفيته الصدع الأعصما
بإسبيل أَلْقَت بِهِ أمهعلى رَأس ذِي حبكٍ أَيهمَا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
إِذا شَاءَ طالع مسجورةًترى حولهَا النبع والساسما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
تكون لأعدائه مجهلامضلاً وَكَانَت لَهُ معلما
سقتها رواعد من صيفٍوَإِن من خريفٍ فَلَنْ يعدما
أتاح لَهُ الدَّهْر ذَا وفضةٍيقلب فِي كَفه أسهما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فَأرْسل سَهْما على غرةٍوَمَا كَانَ يرهب أَن يكلما
فَأخْرج سَهْما لَهُ أهزعاًفَشك نواهقه والفما
فظل يشب كَأَن الولوع كَانَ بِصُحْبَتِهِ مغرما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فأدركه مَا أَتَى تبعاوأبرهة الْملك الأعظما
ليَالِي حمقٍ فاستحصنتإِلَيْهِ فغر بهَا مظلما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

(فأحبلها رجلٌ نابهٌ... فَجَاءَت بِهِ رجلا محكما

)

هَذِه القصيدة بِتَمَامِهَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَلم يكْتب على البتين الْأَوَّلين شَيْئا سوى قَوْله: الْآيَات: الْآثَار والعلامات.

وَقَالَ السُّيُوطِيّ: سلا: أَمر من السُّؤَال للاثنين. وَشَرحه شَارِح ديوانه على أَنه ماضٍ من السلو.

قَالَ ابْن الملا: وَمَا عَلَيْهِ هَذَا الشَّارِح هُوَ الظَّاهِر لملايمته لقَوْله فِي الْبَيْت الثَّانِي: وأقصر عَنْهَا.

وَأَيْضًا تذكيره بالداء الأقدم إِنَّمَا يُنَاسب أَن يكون خَالِيا عَنهُ الْآن. على أَنه لَو كَانَ من السُّؤَال لَكَانَ حق الْعبارَة: فقد كَانَ رهيفاً بِالْفَاءِ كَمَا لَا يخفى. انْتهى.

وفاعل سلا على هَذَا ضمير العاشق وَإِلَيْهِ تعود الْهَاء فِي تذكره وَعَن مُتَعَلقَة بسلا والتذكر مصدر مُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول تكْتم بمثناتين فوقيتين أولاهما مَضْمُومَة: علم امْرَأَة ونصبه بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف إِلَى فَاعله والرهين: الْمُرْتَهن. والمغرم: اسْم مفعول من أغرم الشَّيْء أَي: أولع)

بِهِ. كَذَا فِي الصِّحَاح.

وأقصر عَن الشَّيْء: كف عَنهُ وَنزع مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. فَإِن عجز عَنهُ قيل: قصر عَنهُ. كَذَا فِيهِ أَيْضا. والداء الأقدم أَي: الْقَدِيم هُوَ الْحبّ أَو هُوَ أقدم من كل دَاء.

وَقَوله: فأوصي الْفَتى... إِلَخ أوصِي: فعل مضارع من الْوَصِيَّة. والْعَلَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الشّرف والرفعة. وَأَن لَا يخون مَعْطُوف على ابتناء.

وَقَوله: ويلبس للدهر أجلاله أَي: ثِيَابه: جمع جلّ بِالضَّمِّ هُوَ كَقَوْل بيهسٍ الْفَزارِيّ:

(

البس لكل حالةٍ لبوسها... إِمَّا نعيمها وَإِمَّا بوسها)

وَقَوله: فَلَنْ يبتني النَّاس مَا هدما يَقُول: إِذا ضيع الْفَتى مجده لم يبنه لَهُ النَّاس.

وَقَوله:: إِن أَنْت لاقيت فِي نجدة... إِلَخ قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: النجدة: الْقِتَال.

وَقَوله: لَا تتهيبك مَعْنَاهُ: لَا تتهيبها يُرِيد أَن فِيهِ قلباً وَبِه اسْتشْهد فِي آخر الْمُغنِي.

وَقَوله: فَإِن الْمنية من يخشها... إِلَخ هُوَ من أَبْيَات الْجمل الزجاجية.

وَأوردهُ ابْن جرير فِي تَفْسِيره على أَن فِي أَيْنَمَا اكْتِفَاء وأينما: ظرف مضمن لِمَعْنى الشَّرْط وَحذف شَرطه وَجَوَابه: أَي: أَيْنَمَا توحه تصادفه. وسوف: للتَّأْكِيد.

وَقيل: إِنَّمَا أُتِي بِهِ لإِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى طبع النَّفس فِي إذعانها للْمَوْت مَعَ أمل طول الْحَيَاة.

قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: إِن قيل: كَيفَ قَالَ من يخشها والمنية تصادف من خشيها وَمن لم يخشها فَأَي معنى للشّرط قلت: هُوَ خطاب لمن ظن أَن خَشيته تنجيه من الْمَوْت على جِهَة الرَّد عَلَيْهِ وَإِبْطَال ظَنّه ومعتقده. انْتهى.

وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: النجدة: الشجَاعَة والبأس وَالْقُوَّة وَحذف مفعول لاقيت يُرِيد: إِذا لاقيت قوما ذَوي نجدةٍ فِي حَرْب وَنَحْوهَا فَلَا تتهيب الْإِقْدَام عَلَيْهِم فَإِن الَّذِي يخْشَى الْمنية تَلقاهُ أَيْن ذهب من الأَرْض فَهُوَ من المقلوب.

وَقَوله: وَإِن تتخطاك أَسبَابهَا... إِلَخ التخطي: التجاوز. وَأَسْبَاب الْمنية: مَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا من مرض وَغَيره. وقصاراك بِضَم الْقَاف: غايتك.

والهرم: انحطاط القوى من طول الْعُمر. يَقُول: إِن تتجاوزك أَسبَاب الْمنية فَإِن غايتك الْهَرم)

وتبديل وجودك بِالْعدمِ.

وَقَوله: فَلَيْسَ يعولك أَن تصرما قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: يعولك: يشق عَلَيْك. وعالني الْأَمر: شقّ عَليّ. والعول الْمصدر.

قَالَ الخنساء: يحملهُ الْقَوْم مَا عالهم قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: هَذَا مَأْخُوذ من قَوْله ﷺ َ: أحبب حَبِيبك هونا مَا عَسى أَن يكون بَغِيضك يَوْمًا مَا وَأبْغض بَغِيضك هونا مَا عَسى أَن يكون حَبِيبك يَوْمًا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَمْرو وَابْن عدي من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب. وَكَأن النمر سَمعه من النَّبِي ﷺ َ فعقده فِي نظمه.

وتسفه: تجْهَل. وتظلم تضع ودك فِي غير مَوْضِعه. وتحكم أَي: تكون حكيماً. انْتهى.

وَقَوله: وَلَو أَن من حتفه ناجياً... إِلَخ ناجياً اسْم أَن وَالْمَجْرُور قبله مُتَعَلق بِهِ وخبرها مَحْذُوف أَي: وَلَو أَن شخصا ناجياً من مَوته مَوْجُودا لَكَانَ ذَلِك

النَّاجِي هُوَ الصدع. وهُوَ: ضمير فصل. الحتف: الْهَلَاك.

وألفيته: وجدته. والصدع بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالدَّال بعْدهَا عين مُهْملَة قَالَ ابْن حبيب: هُوَ الوعل بَين الجسيم والضئيل وَهُوَ الْوسط من كل شَيْء يُقَال: رجل صدع وَفرس صدع.

والعصمة بِالضَّمِّ: بَيَاض فِي يَده. انْتهى.

والوعل: تَيْس الْجَبَل.

وَقَوله: بإسبيل أَلْقَت بِهِ أمه... إِلَخ إسبيل كقنديل قَالَ ابْن حبيب: هُوَ بلد.

وَأنْشد لبَعض اليمانين: والأيهم: أعمى الطَّرِيق لَا يَهْتَدِي طَرِيقه وَلَا يعرفهُ أحد. انْتهى.

والحبك بِضَمَّتَيْنِ: الطرائق يُرِيد: أَن أمه وَلدته فِي جبل ذِي طرائق لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا من أَرض إسبيل. وَذي حبك: صفة لموصوف مَحْذُوف وَهُوَ جبل. وأيهم كَذَلِك.

وَقَوله: إِذا شَاءَ طالع مسجورةً... إِلَخ فِي الصِّحَاح: طالعت الشَّيْء أَي: اطَّلَعت عَلَيْهِ.

والاطلاع على الشَّيْء: الإشراف عَلَيْهِ. وَقَالَ السُّيُوطِيّ: طالع: أَتَى يُقَال فلَان طالع قرينه)

أَي: يَأْتِيهِ.

ومسجورة بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم قَالَ ابْن حبيب: أَي مَمْلُوءَة يُرِيد أَنَّهَا صفة الْعين كَمَا قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وأنشدها هَذَا الْبَيْت: المسجورة: الْعين المملوءة.

وَيرى: بالتحتية فَاعله ضمير الصدع ويروى بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة أَي: أَنْت.

والنبع بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُوَحدَة: شجر يتَّخذ مِنْهُ الْقوس. والساسم: بسينين مهملتين قَالَ ابْن حبيب: يُقَال إِنَّه الآبنوس.

قَالَ الدينَوَرِي: زَعَمُوا أَن الْقوس يتَّخذ من الساسم ومنابته الشواهق حَيْثُ منابت النبع. وَقد وَصفه حميد فِي شعره باللين.

وَزعم قوم أَن الساسم الشيز وَلَا أعلم مَا فِي الشيز مَا يَدْعُو إِلَى اتِّخَاذ القسي مِنْهُ. انْتهى.

وَقَوله: تكون لأعدائه أَي: تكون تِلْكَ الْعين المسجورة لأعداء الصدع وأعداؤه النَّاس.

ومجهل بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء: أَرض يجهل سالكها الطَّرِيق ويضيع فِيهَا.

ومضل بِفَتْح الْمِيم وَكسر الصَّاد: أَرض يضلب فِيهَا سالكها لعدم مَعْرفَته طرقها ومعمل بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: أَرض يَهْتَدِي فِيهَا سالكها بعلاماتها.

وَقَوله سقته الرواعد الْهَاء ضمير مسجورة. كَذَا رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَغَيره كَمَا مر عَن أبي عَليّ. والرواعد: جمع راعدة وَهِي السحابة الماطرة وفيهَا صَوت الرَّعْد غَالِبا.

والصيف بتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة: الْمَطَر الَّذِي يَجِيء فِيهِ الصَّيف. والخريف: الْفَصْل الْمَشْهُور إِلَّا أَنه أطلق وَأُرِيد بِهِ مطره كَمَا أطلق الرّبيع وَأُرِيد بِهِ مطره مَعَ الصَّيف أَيْضا فِي قَوْله: سقى الله نجداً من ربيع وصيفٍ وَقَوله: أتاح لَهُ الدَّهْر... إِلَخ قَالَ ابْن حبيب: أتاح: قدر. والوفضة الكنانة الَّتِي تكون فِيهَا السِّهَام. انْتهى.

والدهر: فَاعل أتاح ومفعوله: ذَا وَفِضة وَأَرَادَ بِهِ الصياد.

وَقَوله: فَأرْسل سَهْما... إِلَخ أَي: رَمَاه ذُو الوفضة بِسَهْم على غرَّة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقَوله: وَأخرج سَهْما لَهُ أهزعاً قَالَ ابْن حبيب: الأهزع: آخر سهم يبْقى فِي الكنانة. يُقَال: مَا كِنَانَته أهزع أَي: سهم وَاحِد.)

قَالَ ابْن السّكيت: هَذَا مِمَّا لَا يتَكَلَّم بِهِ إِلَّا مَعَ الْجحْد. وَقد أَتَى النمر بِهِ من غير جحد. انْتهى.

والنواهق قَالَ السُّيُوطِيّ: العظمان فِي الْوَجْه فِي مجْرى الدمع.

وَقَوله: فظل يشب بِكَسْر الشين قَالَ ابْن حبيب يشب: يرفع يَدَيْهِ حِين أَصَابَهُ السهْم.

والولوع بِفَتْح الْوَاو: الْقدر والحين. انْتهى.

وَقَوله: فأدركه مَا أَتَى تبعا أَي: أدْرك الصدع مَا أَتَى تبعا وَهُوَ الْمَوْت. وَتبع: ملك الْيمن.

وأبرهة الأشرم: ملك الْحَبَشَة.

وَقَوله: لقيم بن لُقْمَان من أُخْته.. إِلَخ ترك مَا كَانَ فِيهِ وسلك طَرِيقا أُخْرَى بِلَا مُنَاسبَة وَهُوَ الْمُسَمّى فِي البديع بالاقتضاب. وَهُوَ من أَبْيَات ابْن النَّاظِم قَالَ ابْن حبيب: ذكرُوا أَن أُخْت لُقْمَان كَانَت عِنْد رجل فَكَانَت تَلد لَهُ أَوْلَادًا ضعافاً فَقَالَت لامراة لُقْمَان: هَل لَك أَن أجعَل لَك جعلا وتأذني لي أَن آتِي لُقْمَان اللَّيْلَة فأسكرته واندست لَهُ أُخْته فَوَقع عَلَيْهَا لُقْمَان فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الْقَابِلَة أَتَتْهُ امْرَأَته فَوَقع عَلَيْهَا فَقَالَ: هَذَا حرٌ مَعْرُوف. وَكَأَنَّهُ استنكره. انْتهى.

وَمثله للجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين قَالَ: كَانَت الْعَرَب تعظم شَأْن لُقْمَان ابْن عَاد الْأَكْبَر والأصغر لقيم بن لُقْمَان فِي النباهة وَالْقدر وَفِي الْعلم وَفِي الحكم وَفِي اللِّسَان وَفِي الْحلم. وَهَذَانِ غير لُقْمَان الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن على مَا يَقُول الْمُفَسِّرُونَ.

والارتفاع قدره وَعظم شَأْنه قَالَ النمر بن تولب. وَأنْشد هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة وَقَالَ: وَذَلِكَ أَن أُخْت لُقْمَان قَالَت لامْرَأَة لُقْمَان: إِنِّي امْرَأَة محمقة ولقمان رجل مُحكم منجب وَأَنا فِي لَيْلَة طهري فهبي لي ليلتك.

فَفعلت فباتت فِي بَيت امْرَأَة لُقْمَان فَوَقع عَلَيْهَا فأحبلها بلقيم فَلذَلِك قَالَ النمر بن تولب مَا قَالَ.

وَالْمَرْأَة إِذا ولدت الحمقى فَهِيَ محمقة وَلَا يعلم ذَلِك حَتَّى يرى ولد زَوجهَا من غير أكياساً.

انْتهى.

قَالَ الْعَيْنِيّ: ويروى أَن لُقْمَان كَانَ لَا يُولد لَهُ فَقَالَ امْرَأَته لأخته: أما تَرين لُقْمَان فِي قوته وَعظم خلقه لَا يُولد لَهُ قَالَت:: فَمَا الْحِيلَة قَالَت امْرَأَته لأخته: تلبسين ثِيَابِي حَتَّى يَقع عَلَيْك فِي الظلمَة فَفعلت فواقعها فَولدت مِنْهُ وَسمي لقيماً بِضَم اللَّام وَفتح الْقَاف. وَكَانَ من أحزم)

النَّاس.

ولقيم: مُبْتَدأ وَقَوله من أُخْته: خَبره وَفِي قَوْله: فَكَانَ ابْن أختٍ لَهُ وابنما دَلِيل على جَوَاز تعاطف الْخَبَرَيْنِ المستقل كلٌ مِنْهُمَا بِنَفسِهِ. وابنم هُوَ ابْن زيدت عَلَيْهِ الْمِيم.

وَقَوله: ليَالِي حمق... إِلَخ بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم قَالَ ابْن حبيب: أَي: أسكر حَتَّى ذهب عقله. انمتهى.

وَيَرْوِيه الْمفضل: حمق بِفتْحَتَيْنِ وَزعم أَنه يُقَال حمق إِذا شرب الْخمر وَالْخمر يُقَال لَهَا الْحمق.

وَقَوله: استحصنت بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل قَالَ ابْن حبيب: أَي: أَتَتْهُ وَكَأَنَّهَا حصان كَمَا تَأتي الْمَرْأَة زَوجهَا.

وَقَوله: فغر بهَا غر بِضَم الْغَيْن من الْغرَّة وَهِي الْغَفْلَة. وَقَوله: مظلماً بِكَسْر اللَّام أَي فِي ظلمَة.

وَقَوله: فأحبلها رجل نابه من النباهة وَهُوَ ارْتِفَاع الذّكر وَهُوَ لُقْمَان.

فَجَاءَت أَي: أُخْته بِهِ أَي: بلقيم. محكما بِفَتْح الْكَاف أَي: حكيماً.

وترجمة النمر بن تولب تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»