من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
يومٌ لتَغْلِبَ على هَوَازِنَ
خَرجَ السَّفَّاحُ بن خالِدٍ في خَيْلٍ كَثٍرةٍ من بني تَغلبَ، يُريد الغارةَ على بني تَمِيمٍ، فلما جاوَزَ بُيوتَ الحَيِّ عارَضَهُ راكِبٌ في سَوادِ اللَّيْل، يَتغَنَّى ويقولُ:
هلْ من رَسُولٍ إلى السَّفّاحِ يُخْبِرُهأَنَّ القَبِيلَيْنِ مِنْ نَصْرٍ ومن جُشَمِ
سَارُوا إِلى الخَيْفِ أَنْصَاراً لإِخْوَتِهمْفالدّارُ تنْعشُ بالنِّسْوانِ والنَّعَمِ
إِمّا تَنَلْهُمْ بأَمْرٍ كُنْتَ تَأْمُلُهأَو يَسْبِقُوا تَنْهَسِ الكَفَّيْنِ مِنْ نَدَمِ
إِنّي إِذَا ذَكَرَتْ نَفْسِي غَنِيمَتَهمْجَاشتْ إِليَّ ولَيْس الأَمْرُ بالأَمَمِ
لَسْنَا ِإلى جُشَم نَهْدِي رِيَاسَتَهايَا بْنَ الكِرَامِ ولاَ عَمْرٍو ولا عُصَم
فقال السفّاحُ: من أَنت؟ قال: رجلٌ من خَثْعَم، كنتُ جاراً لبني جُشَمَ وإِنَّهُم ساروا ليَنْصروا هَوَازنَ على قَوْمِي، فعاهَدْتُ الله أَن أَقُود إِليهم فُرْسانَ تَغلبَ، فكُنْتَ رَئِيسَها وزِمامها، فقال: ما أَرَدْنَا غَيْرَ تميم، وإِنَّ عَهْدَنَا بهَوازِنَ لقَرِيبٌ، ولكنّا مُشَفِّعُوك بحَاجتِك، فسِرْ أَمَامَنَا. فقال عِكَبُّ بن عِكَبِّ بنِ كِنَانةَ بنِ تَيْمٍ: تَثَبَّتْ يا بنَ خالدٍ، لعلَّهَا خَدْعَةٌ، فقال له: عَنَّا يا عمّ، فلعَمْرِي لقَدْ لاقَيتُ جِمَارَ هَوازِنَ في اَقلَّ منِ عَدَدِنَا، فما كانُوا عنْدي إلاّ شَحْمَةَ شَاوٍ، فكيف وأَنتم فُرْسانُ تغْلِبَ وجمْرَتُهَا؟ سِرْ يا خَثعميًّ أَمامَنا، فسارُوا حتّى صبّحوهم على ماءٍ لهم، وقد اجتمَعتْ كَعْبٌ وكِلابٌ ونَصْرٌ وجُشَمُ وغُدَانَةُ مَخَافَةَ الغَارةِ عليهم، ورَئيسُ القَوْم عُمَارَةُ بن مالِكٍ، فاقتتَلوا قتالاً شديداً، وحَمَل عُمَارَةُ على السَّفّاح فطعَنَهُ فصرَعَهُ، ومالَتْ خَيْلُ القوْمِ عليْه، وحامَتْ بنو زُهَير على السَّفَاحِ حتى اسْتنقَذوه، فرَكِبَ فَرسه مُغْضباً، فشَدّ على عُمَارَةَ فاختلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَطعنَه السَّفّاحُ فدقَّ القَنَاةَ فيه، وثَنَّى بالسَّيْف فقَتَله، وتَنَادَى القَوْمُ على دَمِه، فقُتِل منهم خَلْقٌ كثيرٌ، وحمَلَ غَنْمُ بن مالكٍ المُعاوِيّ عبدِ الله بن كَعْبِ بن ضبَابِ بن كِلاَبٍ حتى قًتِل، فانكشَفوا انكشافاً قَبيحاً، وحازَ السفّاحُ ما في الدَّارِ من نَعَمْ، وسَبَى سَبْياً كثيراً.
وقال الخَثعميُّ واسمُه الحارِثُ بن حُبَيْشٍ:
أَلاَ للهِ درُّ بَنِي زُهَيرٍإذَا السَّفَّاحُ يَهْتَبِلُ المُغارَا
عَلى عُلْيَا هَوازِنَ مِن كِلاَبٍومِنْ كَعْبٍ ومَنْ حَلَّ الإِزَارَا
سمَا بالخيْلِ يَقْدُمُها عَتُوداًكتَيْسِ الرَّبْلِ يدَّرِعُ الغُبَارَا
إلى أَنْ صَبَّحتْ لِقُرَابِ شَهْرٍوقدْ صارَ الهِلاَلً لَها سِرَارا
قبَائلَ مِن هَوَازنَ ناظِرَاتٍمَتى السَّفّاحُ يصْبحُها دَمَارَا
بأَبنَاءِ الحَوَاصِنِ من زُهَيرٍفَوَارسَ لا يَرَوْنَ القَتْلَ عارَا
فَلمَّا جالَتِ الفُرْسَانُ تَدْعُورَمَى السَّفّاحُ كَبْشَهُمُ عُمَارَا
بأَسْمَرَ لا يَزَالُ له قتِيلٌفغَادرَهُ يَمُجُّ دَماً ونَارَا
ودَارَتْ بَيْنَهُمْ رَحَيَا مُدِيرٍتُرَوِّي مِنْهُمُ الأَسَلَ الحِرَارَا
وقال السّفَاحُ في قَتْلِهِ عُمارَةَ بنِ مالِكٍ ومُحاماةِ بني زُهَير علَيْه.
لقد حامَتْ عليَّ بَنُو زُهيْرٍببِيضِ الهِنْدِ والأَسَلِ الحِرَارِ
غَدَاةَ عُمَارَةُ الجُشَميُّ يَسْمُوسُمُوَّ الفَحْلِ في ضَبَعِ البكَارِ
علَى قبَّاءَ تَخْفِقُ أَيْطَلاَهَاسنُون المَتْنِ كالمَسَدِ المُغَارِ
فيَطْعُنُنِي وأَطْعُنُه خِلاَساًكخَطْفِ الصَّقْرِ أَعْشَاشَ القِفَارِ
مَلِيّاً ثُمَّ أَضْربُهُ بعَضْبٍتُطِيرُ ظُبَاتُهُ لَهَبَ الشَّرارِ
فخَرَّ لِوَجْهِهِ يَكبُو صَرِيعاًكأَنَّ شؤُونَها فِلَقُ النُّجارِ
ولما رَجعَ أَقبلَ عليه بعضُ نسائه تلُومُه على كَثْرَة غزَواتِهِ ومُبَاشَرة الحَرْب بنَفْسه، فقال:
تَقُولُ ابنَةُ العَمْرٍيِّ مَالَكَ لا نَرَىلك الدَّهْرَ إِلاَّ هَمَّ حَرْبٍ تَسَعَّرُ
عَتَادُك منها لأْمَةٌ تُبَّعِيَّةٌوأَبْيَضُ من مَاءِ الحَدِيدِ ومِغْفَرُ
وأَسمَرُ خَطِّيٌّ كأَنّ كُعُوبَهنَوَى القَسْبِ فيه كالذُّبَالةِ يَزْهَرُ
وأَجْرَدُ مِثْلُ القِدْحِ جَأْبٌ كأَنَّهظَلِيمٌ بأَعْلَى الرَّقْمتَينِ مُنَفَّرُ
فقُلْتُ لها لا الغَزْوُ يُدْنِي مَنِيّةًولَنْ يَدْفعَ الإِشْفَاقُ ما كُنْتُ أَحْذَرُ
وإِنَّكِ لو أَبْصَرْتِني يوْمَ صَبَّحْتْهَوَازِنَ أَمْثَالُ السَّرَاحِينِ ضُمَّرُ
أُعَرِّضُهَا للطَّعْنِ في كُلّ غَمْرةٍفتَسلَمُ أَحْيَاناً وحِيناً تُعَفَّرُ
عَلَيْهَا الأُلَى مِنْ تَغْلبَ ابْنةِ وَائِلٍلهُمْ في قَدِيمِ المَجْدِ مَبْدًى ومَحْضَرُ
لأَيقَنْتِ أَنّي فَارِسُ الخَيْلِ والَّذِيإِليه العَوَالِي والصَّفِيحُ المُذَكَّرُ
كيَوْمَيَّ في حيَّيْ فُقَيْمٍ ونَهْشَلولا مِثْلَ ما لاَقى الضِّبَابُ وجَعْفَرُ
فصَبَّحْتُهم قَبْلَ الشُّرُوقِ بِغارَةٍمُذَرَّبةٍ فيها القَنَا والسَّنَوَّرُ
وغُودِرَ عبْدُ الله في النَّقْع ثَاوِياًعليه ذِئَابٌ ضَارِيَاتٌ وأَنْسُرُ
علَى وَجْهه يَدْعُو فَوَارِسَ قَوْمِهِفلَمْ يَأْوِ إلاّ فارسُ القوْمِ مَعْمَرُ
فطَاعَنَنا صَدْرَ النَّهَارِ كأَنَّهضُبَارمَةٌ يَحْمِي العَرِينَ غَضَنْفَرُ
فَمَا رامَ حَتّى بُلّ جَيْبُ قَمِيصهِبمَلاّسةٍ تَنْفِي السِّدَادَ وتَفْغُرُ
وقال غَنْمُ بن مالكٍ في قَتْله عبْدَ الله:
ولمَّا رَأَوْني في الكَتيبة مُعْلِماًتَنَادَوْا وقالُوا ذَاكَ غَنْمُ بنُ مَالِكِ
وأَسْمُو لعَبْد الله والنَّقْعُ سَاطعٌعلَى ظَهْرِ مَوَّارِ العِنَانِ مُوَاشِكِ
فلاَقَيْتُه والخَيْلُ بَيني وبينَهبأَزْرَقَ مَخْشِيِّ الوَقِيعةِ بَاتِكِ
فَغَادَرْتُه يَكْبُو على حُرِّ وَجْهِهِتُثِير عَلَيه نَقْعَها بالسَّنَابِكِ
يُنَادِي بأَعْلَى الصَّوْت يا آلَ عَامرٍوقَدْ أَدْبَرَتْ فِعْلَ الإِمَاءِ الفَوَارِكِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع