تجاوز إلى المحتوى

من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)

يَومُ الكُلاَبِ الثاني

كان بَدءُ هذا اليومِ أَن الغَلْفاءَ سَلَمَةَ بنَ عَمرو بن الحارِث الكِندِيَّ كان في بني تَغلِبَ مَلِكاً، وكان أَخوهُ شُرَحْبِيلُ مَلِكاً على بني تميم وقيسٍ وبطونٍ من بَكْرِ بن وائل، فعَلاَ الشَرُّ بين المَلِكَيْن، حتى جعلَ كلُّ واحد منهما لمن جاءَ برأْسِ أَخِيه مائةً من الإِبل، فبعثَ شُرَحْبِيلُ مُجاشِعَ بن العَقِيلَةِ التَّميميَّ في خَيْلٍ من بني تَمِيم، فأَغَارُوا على ناحِية لبني تَغْلِبَ، فأَصَابُوا أفراساً سائمةً، فقال رجلٌ من بني ذُهْل بن شَيبَانَ كان معهم:

لا تَاْخُذَنْ أَفراسَ تَغلِبَ إِنّهَايا بْنَ العَقِيلَةِ شَوْبُ سمٍّ ناقِعِ
والشَّرُّ يَبْدؤهُ الصَّغيرُ وهذِهفيها مَهَالِكُ نَهْشَلٍ ومُجَاشِعِ

فأَخذَها التميميُّ وقال:

أَتُرَى تميمٌ لا أَبَا لأَبِيكُمُتَخْشَى الّذِي تَخْشَوْنَه من تَغْلِبِ
أَمْ هَلْ سَمِعْتَ بضَيْغمٍ ذِي لِبْدَةٍأَلقَى فَرِيسَتَه مَخَافَةَ ثَعْلَبِ
فلأَخْطَفَنْهَا يا بْنَ ذُهلٍ خَطْفَةًخَلْساً كخَطْفِ الصَّقْرِِ شِلْوَ الأَرْنبِ

فلمّا دخَلَ بالأَفْراس على شُرَحْبِيلَ المَلِكِ ونَظَرَ إِليها أَعجبَتْه فقال:

لا أَعْدِمَنَّ فارِساً مُجَاشِعَا

قدْ نَالَ مِنْ تَغْلِبَ أَمْرَا فَاجِعَا

أَفْرَاسَ صِدْقٍ لم تَكنْ نَزَائعَا

قُبّاً كأَمْثَالِ القَنَا رَوَائعَا

ثمّ أَقبلَ يُزْرِي على بني تغلِبَ ويضَعُ منها وكانَ حَنَشُ بنُ مالك التَّغْلبيّ زَوّاراً للمُلوك، عظيمَ القدْرِ فيهم، وكان عنه يومئذ، وابنُه مَعْبَدُ بن حَنش قائمٌ على رأْسِه، بيَده قَوْسٌ له عرَبيَّة، فرَفَعَ مَعْبَدٌ قَوْسَه فضَرَبَ بها هامَةَ المَلِك فطَيَّرَها عن رأْسِه، وسقَط المَلك مَغْشيّاً عليه، وتَصَايحَ النَّاسُ: قُتِلَ المَلِكُ، فدَخَلَ ابنُه عَمْرٌو، فرأَى ما بأَبِيه، فاستوثَقَ من مَعْبَد، فلمّا أَفاقَ قدَّم مَعْبَداً فضَرَبَ عُنُقَه، وجعلَ رأْسَهُ بين يدَيْه، فدَخَلَ حَنَشٌ فقال: لا خَيْرَ لك في صُحْبَتي بَعْدَ هذا الرَّأْسِ، فسَرِّحْنِي سَرَاحاً جَميلاً، فوالله لا أَغْسِلُ رأْسِي حتّى أَلقَاكَ في الخَيْلِ التي أَزْرَيتَ عليها، فسَرَّحَه وأَجَّله ثلاثاً، فلحِقَ ببني تَغْلب.

وقال حَنَش بن مالك:

لعَمْرُك ما لي في جِوَارِك حَاجَةٌولا خَيْرُ عَيْشٍ بعد قَتْلِك مَعْبَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
أَمِن ضَرْبةٍ بالقَوْس لم يَدْمَ كَلْمُهَاضَرَبْتَ بمَصْقُولِ الذُّبَابِ مُقَلَّدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فتًى مالَ رَيْعانُ الشَّبابِ بحِلْمِهولمْ يُصْدِرِ الأَمْرَ الذِي كانَ أَوْرَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
ولو كُنْتُمُ إِذْ زَلَّتِ النَّعْلُ زَلّةًذَخَرْتُمْ بها عنْدِي لقَوْمِكمْ يَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فإِن تُبْقِني الأَيَّامُ أَجْزِك مِثْلَهاشُرَحْبِيلُ في شِبْلَيْك عَمْرْو وأَسْوَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
وإِلاَّ أَنَلْ ثَأْرِي مِن اليَومِ أَجْزِهِبما قَدَّمَتْ كَفَّاهُ في مَعْبَدٍ غَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
ولَنْ يَسْبِقوا آلَ الْمُرَارِ بثَأْرِهمَدَى الدَّهْرِ ما نَاحَ الحَمَامُ وغَرَّدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فإِنْ أَنا لمْ أَغْشَ الكُلاَبَ بفِتْيَةٍعلى كُلِّ مَحْبُول الرِّحَالِة أَحْرَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
وكُلِّ سبُوحٍ في العِنَانِ مُقَلِّصكسِرْبِ القَطَا يَحْمِلْن مَجْداً وسُؤْدَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فَوَارِسُهَا مِنْ تَغْلِبَ ابْنَةِ وائلٍبنو كُلِّ أَبّاءِ الدَّنِيَّةِ أَصْيَدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فلا يَدْعُنِي القَوْمُ الحَدِيدُ لمالكٍولا زِلْتُ وَغْلاً في النَدَامَى مُزَنّدَا
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة

وأَخْبرَ حنشٌ بني تَغلِبَ بالخبَر، ووضَعَ ظُبَةَ سَيْفِه على سُرَّته وحلفَ لَيعمدنّ عليه حتى يخرجَ من ظَهْرِه أَو يُدْرِكُوا له ثأْرَهُ. فسَارَتْ بنو تَغلِبَ مُتَسانِدِين بسادَتهم، والتَّعْبِئَةُ إِلى سلمةَ بنِ خالدٍ، وكانت بنو دَارِم مع أَخوالها بني تَغْلِب، ورئيسُهم سُفيانُ بن مُجَاشِع، فقال سَلَمَةُ بن خالِدٍ لبني تَغْلِب: إِنْ حالوا بَينَكم وبين ماءِ الكُلابِ ظَفِروا بكم، فشقَّقَ مَزَادَ أَصحابِه حتى سفَحَ الماءَ، فسُمِّيَ السَّفّاح، وأَغَذُّوا السَّيْرَ حتّى نَزَلُوا على الكُلاَبِ، ونَزَل شُرَحْبِيلُ ومعَه بنو تميم وبُطون من اليَمن بأَسْفَلِه، وكانَ أَوّلَ مَن ورَدَ ماءَ الكُلاَبِ سَفيانُ بن مُجَاشِعِ بن دَارِمٍ، وابناه مُرّةُ وعامرٌ، وكانَت بنو شَيْبانَ قَتَلَت ابناً لمرَّة قبْلَ ذلك فقال:

أَنا مُرَّةُ بنُ سُفْيَانْوالوِرْدُ وِرْدُ عَجْلانْ

والشيخُ شَيْخٌ ثَكْلانُ

وفي ذلك يقول الفرزدق:

شُيوخٌ منْهُمُ عُدُسُ بنُ زَيْدوسُفْيَانُ الذِي وَرَدَ الكُلاَبَا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أنا ابن العاصمين بني تميم»

وأَوُّلُ من وَرَدَ من بني تَغلِبَ رَجلٌ من بني عبْد بن جُشَمَ فارِس الخَرُّوب وورَدَ السَّفاحُ بالنّاس وهو يقول:

إِنّ الكُلاَبَ ماؤُنَا فخَلُّوهْوسَاجِراً واللهِ لَنْ تَحُلُّوهُ
للشاعر السفاح التغلبي، من قصيدة «إن الكلاب ماؤنا فخلوه»

فاقتتَلَ القوْمُ قِتَالاً شَدِيداً، وكان على مَيْمَنَةِ تميم واليَمَنِ وبَكرٍ عمْرُو بن شُرَحبِيلَ وعلى الميسرةِ الأَسوَدُ بن شُرَحبيلَ، وفي القلب أَبو عُمَيْرٍ المُجَاشِعيُّ، فقَصدَ حنَشُ بنُ مالكٍ المَيْمَنَةَ، وحَمَل على عَمْرِو بن شُرحبيل، فطعنه فصرعه، وقال يا بْنَ المُرَار، لهذا دَعَتْكَ تميم، وهذا بما كَسَبته يَدَاكَ ويَدَا أَبيك، وحمَلَ السّفَّاحُ على أًَبي عُمَير المُجاشِعيّ فطعَنَه فقتلهُ، وكثُرَتِ القَتلى بينهم، ثم وَلَّتْ تميمٌ، وأَسْرَفتْ تَغلبُ في قَتلِهم، ونَادى شُرَحْبِيلُ: يالَ تميم، فلم يُجِبه أحدٌ، وحملَ عليه أَبو حَنَش عُصْمُ بنَ النُّعْمَان التَّغْلبِيُّ فطَعَنَه فقتلَه، واحْتَزَّ رأْسَهُ، وجَاءَ به إِلى أَخيه وقلا: أَيّهَا المَلِك، مُر لي بهُنَيْدَةَ، فغضِبَ حين رَأَى رأْسَ أَخيه وقال. تَسْأَلُنِي إِبلاً وقَدْ قَتلْتَ أَخِي؟ قال: أَنتَ جَعلْتَهَا لمنْ أَتاكَ برأْسِه، وخَرجَ عُصْمٌ مغْضَباً وقال:

قَتَلْتُ شُرَحْبِيلَ بنَ عَمْرِو بنِ حَارِيثهُمَاماً عليه التَّاجُ وابْنَ هُمَامِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فلاَ تَرْجُونْ يا بْنَ المُرَارِ نَصِيحَتِيولا وُدَّ قَوْمٍ مُغْضَبِين رِغَامِ
قَتَلْتُ لك السَّاعِي عليك وحَوْلَهتَمِيم ورَامَيْتُ الذين تُرَامِي
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة

ثم إن عُصْماً خَافَ سَلمَة المَلِكَ عَلَى، نفسه واسْتخْفَى، وقال سَلَمَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث:

أَلاَ أَبْلِغْ أَبا حَنَشٍ رَسولاًفمَا لَكَ لا تَجِيءُ إِلى الثَّوابِ
وما لَكَ لا تَجِيءُ إِلى هِجَانٍمنَصَّبَةِ الغَوَارِبِ بالهِضَابِ
تَعلَّمْ أَنّ خَيْرَ النّاسِ طُرّاًقَتِيلٌ بين أَحجارِ الكُلاَبِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تعلم أن خير الناس طرا»
تَداعَتْ حَولَه عَمرُو بن غنْمٍوأَسْلَمَة جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ

وهي طويلة يُهدِِّدُ فيها أَبا حنَش.

قال مُجِيباً له:

قُلْ لذا الآكِل المُرَارِ خُذِ المُلْكَ ولا تَبْكِيَنْ قَتِيلَ الكُلاَبِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
قد تَرَكْنَا أَخَاكَ في حَمسِ النَقْع صَرِيعاً مُضَرَّجَ الأَثْوَابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
أَسلمَتْهُ على الكُلاَب تميمٌبعد طَعْنِ الكُلى وضَرْبِ الرِّقابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
وأَجَبْنَاكَ إِذْ دعَوتَ وذُو التاجِ شُرَحبِيلُ ثَمَّ غَيرُ مُجابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
تَنْتَمِي حَوْلَكَ الأَرَاقِمُ في النَّقْعِ كأُسْدٍ طَرِيرةٍ الأَنْيَابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فانْثَنَتْ عنْه دَارِمٌ وبَنُو الفِزْرِ ويَرْبُوعُهَا وحَيُّ الرِّبَابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
بينَ كابِي الجَبِين مُنْعَفِرِ الخَدِّ وعانٍ مُشذَّبِ الأَصْحابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فقتلْنَا لكَ ابنَ أُمِّك والمُلْكُ عَقِيمٌ مُقَطِّعُ الأَنْسابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
أَصْبَحوا بالكُلاَبِ تَعْتَفِر الضّبْعُ علَيْهِمْ وعَاوِيَاتُ الذِّئابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
فاعْتَدِلْ يا بْنَ ذِي المُرًَارِ على القَصْدِ ولا يَغْرُرَنْكَ تِيهُ الشَّبابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة
واختَرَنْ بينَ ما يَقول لك النَّاسُ وحربٍ تَحُرُّ بَرْدَ الشَّرَابِ
للشاعر أبو حنش التغلبي، اقرأ القصيدة

ودخل مَعد يكرِبُ بنُ عِكَبّ من فَورِهِ وجماعةٌ من رُؤًَساءِ تَغلِبَ، إِلى الملِك وقالوا: إِنّ الغَدْرَ وقِلَّةَ الوفاء لا يَحْسُنُ بالملوك، فإِن أَنَصفْتنا من نَفْسِك وإِلاّ أَنصَفْنا أَنْفسَنا منك، ولا نَقنَع إِلاّ بأَن تُعْطِيَ أَبا حَنَش ما وَعَدتَه. قال: فإِنّي أَفعَلُ، وأَمَر له بمائة ناقة، وقال لأَبي حَنَش: تَرِبَتْ يداك: كَرِيمٌ قَتَلَ مَلكاً.

وقد قال السَّفاحُ بن خالدٍ وعَمْرُو بن كُلثُومٍ وأُفنون بنُ مَعْشَرٍ، وجماعةُ شُعراءِ بني تَغْلِبَ في ذلك اليَوْمِ أَشعاراً كثيرَةً، ترَكْنَاهَا لطولهَا.

ولجابر بن حُنَىٍّ التَّغْلبيّ من قصيدة:

ويوْمَ الكُلاَبِ قَد أَزَالَتْ رِمَاحُناشُرَحْبيلَ إِذْ آلَى أَلِيّةَ مُقْسِمِ
لَيَنْتَزِعَنْ أَرْماحَنَا فأَزَالَهُأَبُو حَنَشٍ عن سَرْجِ شَقاءَ صِلْدِمِ
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «ألا يا لقوم للجديد المصرم»
تَناولَه بالرُّمْح ثمّ انْثَنَى لهفخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْن وللْفَمِ

وقال مَعدِ يكَرِبُ بن عَمْرِو بن الحارث لَمَّا بلغَهُ قَتْلُ أَخِيه شُرَحْبيل يَرثيه:

إِنّ جَنبِي على الفِرَاش لنابِكتَجَافِي الأَسَرِّ فوقَ الظِّرَابِ
مِن حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ فمَا تَرْقَا دُمُوعِي وما أُسِيغُ شَرَابي
مُرَّةً كالذُّعافِ أَكتُمُهَا النّاسَ على إِثْرِ مَلَّةٍ كالشِّهابِ
من شُرَحْبٍلَ إِذْ تَعاوَرُه الأَرْمَاحُ مِن بَعدِ لَذَّةٍ وشَرَابِ
أَينَ مُعْطِيكم الجَزِيلَ وحابٍيكمْ على الفَقْرِ بالعَطَايَا الرِّغَابِ
أَحْسَنَتْ تَغْلبٌ وعَادَتُها الإحْسَانُ بالحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ
يَوْمَ وَلَّتْ بنو تَمِيمٍ وقَيسٌخَيْلُهم يَتَّقِينَ بالأَذْنَابِ
يا بْنَ أُمّي ولو شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْعُو تَميماً وأَنتَ غَيْرُ مُجَابِ
لنَشَدَّدْتُ مِن وَرائك حَتَّىتَبلُغَ الرُّحبَ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابي
فارِسٌ يَضْرِبُ الكَتِيبَةَ بالسَّيْفِ على جَيْبِهِ دمٌ كالمَلاَبِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بابٌ في اختيار قطعةٍ من أَيّام العَرَب وما في وَقائِعهَا من العَجَب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.