من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
يَومُ الكُلاَبِ الأولِ
وهو يوم لبني تَغلِبَ على غَسّان ولَخْم وبُطُونٍ من اليمَن، وفيه مَقْتَلُ عَمْرو بن نائِل مَلِكِ لَخْمٍ:
كان ابنُ عُنُق الحَيّةِ واسمُه أَوْفَى بن يَعْفُرَ الَغسّانيّ وعُنُقُ الحَيَّةِ بلُغة حِمْيَر: مَلِكُ الملوك بَعُ مَلِكاً من مُلوكِ غسّانَ يقال له لَبِيدُ بن النمِس ليُملِّكَه على بني تَغلِب، فلمّا قَدِمَ عَلَيْهِم تزوَّجَ امرأةً من بني عِمرَانَ ابنِ تغلبَ يقال لهَا: عمرةُ بنتُ الخُنَابِس ثم إن بني تَغْلبَ كَرِهوا أَنْ يملكوه عليهم، ومَنعوه الإِتَاوةَ، فأَقَامَ على غيرِ ذِمّة فنازعتْه امْرَأَتُهُ الكَلاَمَ، فلَطَمَ وَجْهَها وقال: كأَنَّكِ تُرَيْن أَنّكِ حُرَّةٌ، قالت: وما يَمنَعُني وأَبِي عِمرانُ، وجَدِّي.... الوُجِيهَةُ ابْنَةُ عَمْرو بن عامر ملك الاَزدِ، قال: تلك القَرابَةُ منَعَتك، لولا ذلكِ لشَدَدْتُ شَعرَكِ إِلى ذَنَبِ قَلُوصٍ جَرْباءَ صَعْبَةٍ حتَّى تُقَطّعك.
فخَرجَتِ المرأَةُ حتى أَتتْ كُلَيْباً وهي تَبكي وتقول:
ما كُنْتُ أَخْشَى والحَوَادِثُ جَمّةٌأَنَّأ عَبِيدُ الحَيِّ مِن غَسَّانِ
حتَّى عَلَتْنِي مِنْ لَبِيدٍ لَطْمَةٌسَدِرَتْ لِحَامِي حَرِّهَا العَيْنانِ
لا تَبْرَحوا الدَّهْرَ الجَدِيدَ أَذِلّةًشُنْجَ الأَعِنَّةِ يوم كلِّ رِهَانِ
لَوْلاَ الوَجِيهَةُ قَطَّعَتْنِي بَكْرَةٌجَرْبَاءُ مُشْعَلَةٌ مِنَ القَطِرَانِ
وأَعْلَمَتْ كُلَيْباً الخَبَرَ، فقال لها: إِنّي قاتِلُه، وخَرجَ كُليبٌ يَدُورُ في الحَيِّ لَيْلَتَه، فسَمِعَ لَبِيداً وقد أَخَذَ فيه الشَّرَابُ وهو يَتَغَنَّى:
طَالَ لَيْلِي فمَا أَحُسُّ هُجُودَاأَرْقُبُ النَّجْمَ للمُغَارِ عَميدَا
مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ عَنِ المَرْءِ كُلَيْبٍ فَزَادَ حِقْدِي وَقُودَا
يا بَنِي تَغْلِبٍ عَلاَمَ تَقُولُوانَ كُلَيْبٌ يُهْدِي إِليَّ الوَعِيدَا
نَحْن كُنّا المُلوكَ في عُصُر الدَّهْرِ وكُنْتُمْ فِيم الأَنَاةُ عَبيدَا
إِنّ في مَنْعِك الإِتَاوَةَ حَرْباًونَكَالاً يُشَيِّبانِ الوَلِيدَا
فاقْبَلِي ما أَتَاكِ مِن قِبَل المَلك ولا تَهْلِكِي هَلاَكَ ثَمُودَا
فلمّا سَمِعَ كُليبٌ الغِنَاءَ دخلَ مُغْضَباً على لَبِيد فقتله، وقال: نحن عَبِيدٌ كما قلتَ إِن لم نُغَيِّر. ثم خَرَجَ وهو يقول:
إِن يكنْ قَتلُنا الملوكَ خَطَاءُأَو صَوَاباً فقد قَتَلْنا لَبِيدَا
وخَلَعْنَا المُلوُكَ إِنَّ لنا اليَوْمَ جِيَاداً مَنْسوبَةً وعَديدَا
وحُلوماً لنَا يَعِيشُ بها النّاسُ ورُكْناً مِنَ الحِفَاظِ شَدِيدَا
إٍِنْ يُرِدْنَا بكَيْده عُنُقُ الحَيَّةِ لا أُلْفَ عِنْدَهَا رِعْدِيدَا
نُوقِدُ الحَرْبَ بالذِي عَرَفَ النَّاسُ بها تَغلِباً ونُذْكِي الوَقُودَا
ونَرُدُّ الأَنَاةَ ردَّ ذَوِي العِزِّ ولا نَجْعَلُ الحُرُوبَ وَعِيدا
فلما سمِع ابنُ عُ، ُقِ الحَيَّة بمقْتَل لَبِيد ساءهُ ذلك، ودَخَلَ عليه أَخو لبيد، فحَيّاه بتَحيَّة المُلك ثم قال:
اجْبُرَنْ ذَا مُصِيبَةٍ بأَخِيهِهَلْ لِمَا كَان من كُلَيْبٍ نَكيرُ
إِنْ تَقْدْ نَحْوَه المُسَوَّمةَ الجُرْدَ لَهَا بالمُدَجَّجِين زَفِيرُ
فَوْقَها الشُّمُّ مِنْ ذَوَائبِ غَسَّانَ ولَخْمٌ وبَارِقٌ وبَكِيرُ
مُحْقِبِي كُلِّ نَثْرةٍ كَبَّهَا السِّيُّيَرُدُّ النِّجَادَ عَنْهَا القَتِيرُ
تُدْرِكِ الثَّارَ أَو يُقَلِّدْكَ ذَا العَارَ كُلَيْبٌ فاخْتَرْ وأَنتَ بَصِيرُ
فقال له الملك: اجْلِي فلن يُطَلّ دَمُ أَخيك ثمّ دعا بالخَمْر والقِيَان، فلمّا أَخَذَ فيه الشَّرَابُ قال:
قدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ تَغْلِبَ وَائِلٍسَتَجُرُّ حَرْباً قَبْلَ قَتْلِ لَبِيدِ
فَالْيَوْمَ إِذْ قَتَلُوا لَبِيداً فالشَّجَامِن دُونِ ذلِكَ دُونَ حَبْلِ وَرِيدٍ
ويَدِي لهمْ رَهْنٌ بكُلِّ مُضَمَّرٍمَرِطِ الجِرَاءِ وشَطْبَةٍ قَيْدُودِ
يَخْرُجْنَ مِن خَلَلِ الغُبَارِ عَوابِساًلُحُقَ الأَيَاطِلِ كالرَّشَا المَجْرُودِ
حَتَّى تُصَبِّح تَغْلِب ابْنَةَ وَائِلٍحَرْباً يُشَبُّ سَعِيرُها بوَقُودِ
ثم إِنّ ابنَ عُنُق الحَيَّة جَمعَ لبني تَغلِبَ جَمعاً عظيماً، وسارَ إِليهِم، وسارُوا، فالتَقوا بالكُلاَب، فاقتتَلوا قِتَالاً شَديداً، فكان أَوَّل النّهَارِ لغَسّان، ثم إِنّ كُلَيباً صمَدَ لِعَمْرِو بنِ نائِل مَلِكِ لَخْم، فطعنَه فقتَلَه، وكانَ على المَيْمَنَة، فانْهَزَمَ القوْمُ، ونادَى ابنُ ذي الحيلانِ: يالَ صَدِف، فأَجابَهُ بَنُو نَوَاس وحَامَوْا على لِوَائِهِم وقاتَلوا، حتى أَسرَعَ القَتْلُ فيهم، ونَزَلتْ غَسّانُ يَمشون في الحَديد، فاقتتَلوا أَشَدّ قِتَال يكون، حتّى جَنَّهم اللَّيْلُ، وقُتِل منهُم خَلْقٌ كثيرٌ، ووَلَّتْ غَسّانُ مُنْهزِمةً، وكفَّ بنو تَغلِبَ عَنِ اتِّبَاعِهِم، فلمّا قَدِمَ ابنُ عُنُق الحَيَّة على قَومه عَذَلوه، فقال: لا تَلُومُوني، فلَكم دِيَةُ القَتِيلِ، وفَكُّ الأَسِير، واللهِ لقد جئتُكُم من عنْد قَومٍ رأَيتُ المَنَاياَ تَلَظَّى في أَطْرافِ أَسِنّتِهِم.
وقال عَمرو بن مُعاوِيةَ التَّغلبيّ:
أَتَانَا ابنُ عُنْق الحَيَّة المَلْكُ قادِماًعلى أَمْرِه في تَغْلِبَ ابنَةِ وَائِلِ
بجَيْشٍ نَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهتَخَالُ دَوِيّ الرَّعْدِ صَوْتَ الصَّواهِلِ
فلَمّا الْتَقَيْنَا بالكُلاَب كأَنَّنَاأُسُودُ الشَّرَى لاَقَيْنَ أُسْدَ الغَيَاطِلِ
رَميْنَاهُمُ بالفَيْلَقِ الضَّخْمِ وانْتَمتْفَوَارِسُ مِنَّا بالقَنَا والمَنَاصِلِ
وقُلْنَا ونَحْنُ القوْمُ نَمْنَعُ سِرْبَنَاعَلى ذَاك كُنَّا في الخُطُوبِ الأَوائلِ
بَنِي تَغْلبٍ إِنّ الفِرَارَ خَزَايَةٌولَيْس امْرؤٌ هَابَ الحِمَامَ بآئلِ
فحَامُوا عَلى أَحسابِكم بِسُيُوفِكمْفلَلمَوْتُ خَيرٌ من سِبَاءِ العقائلِ
فشَدّ كُلَيبٌ شَدَّةً ورِمَاحُهمْشَوَارِعُ فينَا بيْنَ صَادٍ ونَاهِلٍ
فأَفْرَجَتِ الخَيْلاَنِ عَنْه ورُمْحُهخَضِيبٌ مِن اللّخْمِيّ عَمْرِو بنِ نائِلِ
ودَارَتْ رَحَانَا واسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُوكُلٌّ بَصِيرٌ في الوَغَى بالمَقاتِلِ
فمَا زَالَ ذَاكَ الدَّأْبُ حَتَّى تَوَاكَلَتْفَوَارِسُ مِنْ غَسَّانَ غَيرُ تَنَابِلِ
وطَارَتْ بعُنْقِ الحَيَّةِ المَلْكِ سَهْوَةتَدِفُّ دَفِيفَ الأَخْدَرِيّ المُوَائلِ
ووَلَّوْا شَعَاعاً والقَنَا مُتْلَئِبّةٌتُكَسَّر في أَكْتَافِهِمْ والكَوَاهِلِ
وقال أخو عَمْرِو بن نائل اللَّخميّ من أَبْيَاتٍ:
إِنّي غَزَوْتُ إِلى قَوْمٍ جَحَاجِحَةٍكانُوا لأَوَّلِنا في الدَّهْرِ أَنْصارَا
شُمْس العَداوةٍ مَخِشيّ أَسِنَّتُهمْلمْ يُدْرِكِ النَّاسُ منْهم قَطُّ أَوتَارَا
يكْسُون هَامَ مُلُوكِ النّاسِ ضَاحِيةًبِيضَ الصَّفِيحِ إِذا ما مَلْكُهُمْ جَارَا
إِنَّ الكُلاَبَ به قَتْلَى مُصْرَّعةٌكَانُوا لَنَا سُنَّةً نَقْضاً وإِمْرَارَا
لَوْلاَ الظَّلامُ وأَنّ اللَّيْلَ خالَطَهمْلم تُبْقِ تَغِلبُ مِن حَيَّيْك دَيَّارَا
غَسَّانُ صُبْرٌ وأَحْيَا تَغْلِب بُهَمٌكُلٌّ يُحَدِّدُ أَنْيَاباً وأَظْفَارَا
وقال ابن عُنُق الحَيّة:
ظَنَنْتُ ظُنُوناً فأَخْلَفْنَنِيكَمَا أَخْلَفَ السَّفْرَ رَيْعُ السَّرَابِ
وقالُوا الغَنِيمَةُ في تغْلِبٍفسِرْنَا إِليهِمْ بجَيْشٍ سِغَابٍ
ذوَائبَ مِن كُلِّ صُيّابَةٍولَيْسَ القَوَادِمُ مثْلُ الذُّنَابِ
علَى كُلّ جَرْدَاءَ خَيْفَانَةٍولاَحِقَةِ الإِطْلِ مِثْلِ العُقَابِ
فَوَارِسُهَا الشُّمُّ مِن مالِكٍوعَمْرو ولَخْمٍ وحَيَّيْ شِهَابِ
أَقُودُ خَمِيْساً له أَزْمَلٌوقَدْ قَادَني الحَيْنُ نُحْوَ الكُلاَبِ
إِلى أُسْرَةٍ غَيْر مَذْمومةٍإِذَا أَبْدَتِ الحَرْبُ حَجْلَ الكِعَابِ
وقَامَتْ رَحَانَا على قُطْبِهاوفَرَّتْ هُنَالِك عنْ حَدِّ نَابِ
وجَاءَ الأَرَاقِمُ لا يَنْثَنُونَكأُسْدٍ خَوَارِجَ مِنْ بَطْنِ غابِ
سَوَاكِنَة الخَيْلِ في نَقْعِهابطَعْنِ النُّحورِ وضَرْبِ الرِّقابِ
ووَقْعِ الصِّفَاحِ على الدَّارِعِينَوأَسْرِ الكُمَاةِ وحَوْيِ النِّهابِ
فأَمْعَنْتُ رَكْضاً على قَارِحٍيَمُجُّ نَجِيعاً من المَوْتِ جَابِ
وقَدْ زَايلَ القَلْبَ أَنْيَاطُهولَمْ يَبْقَ إِلاّ نِيَاطُ الحِجَابِ
وقال مُهلْهِلٌ في هذا اليومِ قَصِيدةً طَوِيلةً أَوَّلُهَا:
لَوْ كَان شَيءٌ لابْنِ لِحْيَةَ ناهِياًلَنَهَتْه عَنّا وَقْعَةُ السُّلا؟ َّنِ
ويقول فيها:
لَمّا رَأَوْنَا بالكُلاَبِ كأَنَّنايَوْمَ اللِّقَا أُسْدٌ عَلى خَفَّانِ
نَهَضَ الكُمَاةُ بكُلِّ أَبْيَضَ صارِمٍوبكُلِّ أَسْمَرَ مَارِنٍ حَرَّانِ
يَمْشونَ في حَلَقِ الحَدِيدِ كَأَنّهمْجُرْبُ الجِمَالِ طُلِينَ بالقَطِرانِ
فنَجَا بمُهْجَتِهِ وأَسْلَمَ قَوْمَهُمُتَسَرْبِلِينَ زَوَاغِفَ الأَبْدَانِ
وبنُو نُوَاسٍ تَحْتَ ظِلِّ لِوَائِهمْمُتَعَطِّفِينَ علَى ابْنِ ذِي الحيلاَنِ
وهَوَى ابْن نَائلَ في المَكَرِّ كأَنَّهوالرُّمْحُ شاجِرُهُ قَرِيعُ هِجَانِ
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع