من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
يَومُ وَادِي الأَخْرَمَينِ
لبني تَغلِبَ على صُدَاء وهي جُمْجُمةُ مَذْحِج خَرجَ عَمْرُو بن كُلثوم في ليلةٍ مَطِيرة، فسمعَ رَجُلاً يَتغنَّى ويقول:
أَلا قُلْ لعَمْرٍو ضلَّل اللهُ سَعْيَهُوعَمْرٌو مَتى مَا يُمْنحِ النُّصْحَ يَلْجَجِ
أَتُنْحِي على أَحْيَاءِ قيْس وخِنْدِفٍوتَعْدِلُ عَنْ شُمِّ العَرَانِينِ مَذْحِجِ
وتَخْشَى ابنَ لَيْلَى أَنْ تَنَالَ رِمَاحُهمْفَوَارِسَكَ الأَدْنَيْنَ يا عَمْرُو فاهْتَجِ
فتَبيَّنهُ عَمْروٌ، فإِذا هو شَيخٌ من بني جُشَم، وأَخْوالُه صُدَاء من مَذْحِج. فحَلَف عَمْرٌو لا يَغْسِلُ رأَْسَه حتَّى يَغْزوَ صُدَاء، وهم يومَئذٍ هَامَةُ مَذْحِج، قد اتَّقاهَا النّاسُ، فخرج في عِدَّةٍ من بني تَغلِبَ، وكان الطريقُ بَعِيداً فكَلَّتْ خيْلُه، وصَبَحهم بوَادِي الأخْرَمَيْنِ، وخَرَجتْ إِليه صُدَاء، ورَأْسُها جَحْشٌ الصُّدَائيُّ، وهو شيخٌ كبيرٌ قد انحنَى وكان يُفضَّلُ على سائرِ فُرْسَانِ مَذْحِجِ، فنادَى جَحْشٌ: أَيْن عَمْرُو بن كُلثوم؟ فقال عَمْرٌو: إِلي يا جَحْشُ، فقال جَحْشٌ:
يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَقِمْ لي صَدْرَكَا
يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَبِنْ لي أَمَركا
لعَلَّ ما أَبْصَرْت مِنّي سَرَّكَا
يا طالَ ما غَرَّك ما قدْ غَرَّكَا
فحمَل عليه عَمرو بن كُلثوم وهو يقول:
يا جحْشُ يا جَحْشُ مَنَتْكَ الأَسْبابْ
إِنْ تَكُ وَثَّاباً فإِنِّي وَثّابْ
والنّاسُ أَذْنابٌ ونحن أَرْبابْ
أَنا ابْنُ كُلْثومٍ وجَدِّي عَتّابْ
واختلفَا طَعْنَتْين، فَطَعَنْه جَحشٌ فصرعَهُ، وحَمَاه الأِودُ بن عمرٍو في فَوارِسَ من بني جُشَمَ فلما استوَى عَمْرٌو على ظهْرِ فرشِه عَاوَدَ القِتال، فدَامَتِ الحَربُ، واشتدَّت بَقيَّةَ يَومهم، ثمّ إِنّ عَمْراً حَمَل على جَحْشٍ فطعَنه فقتلهُ وقُتِل على دَمِهِ سَبعون رجُلاً. وأَصَابَتْ بنو تغلِبَ الأَسْرى والنّساءَ والنَّعَم، فقال عَمرو بنُ كُلثوم في ذلك:
ليْجزِ اللهُ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍفَوَارِسَ نَجْدةٍ خَيرَ الجَزَاءِ
بمَا حَامَوْا عَليَّ غَدَاة دَارَتْبوَادِي الأَخْرَمَيْنِ رَحَى صُدَاءِ
بضرْبٍ تَشْخَصُ الأَبْصَارُ منهوطَعْنٍ مِثْل إفْرَاغِ الدِّلاءِ
صبَاحَ الخيْلِ دامِيَة كُلاَهَاتَرَقَّصُ بالفَوارِس كالظِّبَاءِ
وأَعْرَض فارِسُ الهَيْجاءِ جَحْشٌوجَحْشٌ نِعْمَ حامِيَةُ النِّسَاءِ
فنَادَى في العَجَاجة أَيْن عَمْرٌوكأَنّي فَقْعَةٌ أَو طَيْرُ مَاءِ
فأَطعُنُهُ وقلْتُ له خُذَنْهَامُشَوّهةً تَبَجَّسُ بالدِّماءِ
فما افْترَقَتْ لذَاك بَنَاتُ نَعْشٍولا كسَفَتْ له شَمْسُ السماءِ
قَتلْنا منهُمُ سبعين جَحْشاًووَلَّوْنَا بأَقْفِيَةِ الإِماءِ
وأُبْنَا بالهِجَانِ مُرَدَّفاتٍخَطبْناهنّ بالأَسَلِ الظِّمَاءِ
وقُدْنَا مِنْهُمُ سَرَوَاتِ قوْمٍكجُرْبِ الإِبْلِ تُطْلَى بالهِنَاءِ
وقال المُشسمْرِخ الصُّدَائيّ:
يالَ الرِّجَالِ لحَادِثِ الأَسْبابِولِمَا لَقِينَا من بَنِي عَتَّابِ
كُنّا أُنَاساً لا يُرَوَّعُ سِرْبُنَافي مَنْزِلٍ من مَنْزِلِ الأَرْبَابِ
حتَّى رَمَى عَمْرٌو قرِيعَةَ أَرْضِنَاخَيْلاً تَقدَّمُها ذَوُو الأَحْسَابِ
مِن تَغلِبَ الغلْباءِ طَعْنُ رِماحِهمْأَوْدَى لعَمْرُ أَبِيك بالأَحْزابِ
لمَّا رَأَيْناه يُحَضِّضُ خَيْلَهوالنَّقْعُ مُعْتلِجُ العَجَاجَةِ كَابِي
والحَيُّ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍ حَوْلَهيَتبَادَرون دَعَوْتُ في أَصْحَابي
فحمَى الذِّمارَ ذَوُو الحِفَاظ فقُتِّلواوجَثَا بَقيّتُهُمْ على الأَعْقَابِ
وكان في الأَسْرَى عبدُ الله بنُ سُوَيْدٍ الصُّدَائِيّ، وكان قد قَتلَ يومئذٍ في بني تغْلِبَ، فأَخذه عَمْرٌو ليَقْتُله فقال:
ما في رَبِيعَة مَرْجُوٌّ ولا مُضَرٍأَوْلَى بها مِنْك يا عَمْرو بن كُلْثومِ
إِنّ الأَرَاقِمَ لنْ تَنْفكَّ صَالحةًمُبَرَّئينَ من الفحْشاءِ واللُّومِ
ما دَافع اللهُ عن عُمَرٍو مَنِيَّتَهفاخْتَرْ فِدًى لك بَيْن المَنِّ والكُومِ
فقال عَمروٌ: اشْترِ نفْسَك. فأَعْطاهُ حتَّى رَضِيَ، فقال عَمْرٌو: لك مِن مالي ما عَرَضْت، ولك نَفْسُك. فمَنَّ عليه، وحَمَله وكَسَاهُ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع