من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
يومُ الفَيْفَاءِ
وهو يومٌ لبني سُلَيمٍ على بني كِنانة قال أَبو عُبَيْدَةَ: لما بلَغَ بني سُلَيْم قولُ يزيدَ بن عَمْروٍ، قالتْ بنو الشَّرِيد، وما لرجُل من بني رِعْلٍ يَطلُبُ ثأْرنا، فأَحْرَمُوا النِّساءَ والدُّهْنَ وشُرْب الخَمْرِ أَو يُدْرِكوا ثَأْرهُم من بني كنانة. فَغَزَا عمرو بن خالدٍِ بن صَخْر ابن الشّريد بقومِهِ في أَلفِ فارِسٍ وأَلفِ رامٍ بني فِراسِ بن مالكٍ، فاقتتَلُوا قِتَالاً شديداً، تَنَاصَفُوا فِيه، وعلى بني فِراسٍ عبد الله بن جِذْل الطِّعان، ثم إِن بَني سُلَيمٍ قَتلَتْ منهم نَفراً غير مذكورِين، وسَبَوْا سَبْياً فيهم أُمُّ عَمْروٍ بنْتُ مُكَدَّمٍ، فقال عبَّاسُ بن مِرْداسٍ يردُّ عَلى عبد الله بن جِذْلِ الطِّعانِ قولهُ: تَجَنَّبْتُ هِنْداً رَغبةً عن قِتَالِه:
أَلاَ أَبْلِغَا عنّي ابنَ جِذْلٍ ورَهْطَهُفكَيْفَ طَلَبْنَاكُمْ بكُرْزٍ ومَالِكِ
غَدَاةَ فَجَعْناكمْ بسَعْرٍ وبابْنِهِوبابْنِ المُعَلَّى عاصمٍ والمُعَارِكِ
ثَمانِيةُ منكمْ ثأَرْنَاكُمُ بِهَاجَمِيعاً وما كانُوا بَوَاءً بمَالِكِ
قَتَلْنَاكُمُ ما بَينَ مثْنَى وموْحَدٍتَكُبّكُمُ أَرْماحُنا في المَعَارِكِ
نُذِيقُكُمُ والمَوْتُ يبْنِي سُرادِقاًعليكُم بنا حَدَّ السُّيُوفِ البَواتِكِ
تَلوحُ بأَيْدينا كما لاحَ بَارِقٌتَلأْلأَ في داجٍ من اللَّيْلِ حَالِكِ
فطَوْراً نُلاقِيكُمْ وطَوْراً نَعُلُّكُمْبخَطّيَّةٍ فيها سِمَامُ النَّيَازِكِ
صَبْحَناكُمُ العُوجَ العَناجِيجَ بالضُّحىتَمُرُّ بِنَا مَرَّ الرِّياح السَّوَاهِكِ
إِذا خَرجَتْ من هَبْوة بَعْدَ هبْوَةٍسمَتْ نَحْوَ مُلْتَفٍّ مِن المَوْتِ شَابِكِ
مُوَكَّلَة بالسَّيْرِ نَحْوَ عَدُوِّناوبالرَّكْضِ منّا المُلحَقِ المُتَدَارِكِ
وقال هند بن خالدِ بن صخرِ بن الشَّرِيد:
قَتَلْتُ بمالِكٍ عَمْراً وحِصْناًوجَلَّيْتُ القَتَامَ عن الخُدُودِ
وكُرْزاً قَدْ أَبأْتُ به شُرَيْحاًعلَى إِثْرِ الفَوَارِسِ بالكَدِيدِ
جزَيْنَاهُمْ بما انتَهَكُوا وزِدْنَاعلَيْهمْ مثلْ ذَاكَ مِن المَزِيدِ
جَلَبْنَا من جُنُوبِ الفَرْدِ جُرْداًكطَيْرِ الماءِ غَلَّسَ المْوُرُودِ
عليها كلُّ أَرْوَعَ أَرْيحِيٍّكضَوْءِ البَدْرِ منْ آلِ الشَّرِيدِ
صَبَحْنَا الحَيَّ حَيَّ بَني فِرَاسٍمُلَمْلَمَةً تَوَقَّدُ في الحَدِيدِ
ولمّا سَمِع نُبيْشَةُ هذا الشِّعرَ غَضِبَ من ذِكْرِهِ يومَ الكَدِيد وافتخاره به، لأَنّه لم يَشهده هِند بن خالد، ولا أَحدٌ من بني الشَّرِيد، وإِنّما كان لنُبَيْشة دون بني الشَّرِيد فقال:
تَنَحَّلُ صُنْعَنَا في كُلّ يَوْمٍكمَخْضُوبِ البَنَانِ ولا تَصِيدُ
وتَأْكُلُ ما يَعافُ الكَلبُ منهوتَزْعُمُ أَنَّ والدَِكَ الشَّرِيدُ
أَبى لي أَنْ أُقِرُّ الضَّيْمَ قَيْسٌوصَاحِبُهُ المُوَارِيهِ الكَدِيدُ
قال أَبو عبيدة: وإنما فخَرَ هنْدُ بن خالِدٍ بيَوم الكَديدِ لأَنّ بني الشَّرِيد لم يَقْتَلوا يَوْمَ الفَيْفَاءِ أَحداً، فأَراد أَن يُبِيئِهما بأَخَوَيْه مالكٍ وكُرْزٍ، فلمَا آبَ غَزِيُّ بني سُلَيمٍ إلى أَهْلِهم من الفَيفَاءِ، ومعهم من التَقَطُوا من السَبْي، وفيهِم أُمُّ عَمْروٍ بنت مُكدّم، قامَ نساءُ بني سُليم يَبْكِينَ مالكاً وكُرْزاً، فذَكَرَتْ أُمُّ عَمروٍ أَخاها رَبِيعةَ، فقالت تَبكيه:
هَلاَّ على الفَيَّاضِِ عَمْروِ بن مالكٍتُبَكِّينَ إِذْ تَبْكِينَ وابْنِ مُكَدَّمِ
فَتًى هوَ خَيْرٌ من أَخيكُنَّ مَالكٍإِذَا احْمَرًّ أَطْرَافُ الرِّمَاحِ من الدَّمِ
وشُبَّتْ حُرُوبٌ بينَكُمْ وتقَصَّفَتْعَوَالٍ بأَيِدِي شَجْعةٍ غَيْرِ لُوَّمِ
وهي أَبياتٌ.
ولم تَزل الحروبُ والمغاوراتُ بين بَنِي فِرَاسٍ وبني سُلَيْم، وقُتِل في حُروبهم نُبَيْشَة ولم تُدْرِكْ بَنُو سُلَيم البَوَاءَ بمَن قَتَلَتْ بنو فِرَاس، حتى جاءَ الإسلامُ، وكان يوم فتْح مَكَّةَ، فوَجَّهَ رسول الله صلى الله عليه وآله، خالِدَ بن الوليدِ بن المُغِيرةِ إلى أَهلِ الغُمَيْصاءِ من بني كِنانَة، ونَدَب معه بني سُلَيم، وكانت بنو كِنانَة قَتلَتْ غَمَّ خالدِ بن الوليدِ الفَاكِهَ بن المُغِيرةِ في الجاهِليّة، وكانًَت بنو سُلَيْم تَطْلُبهم بما أَصابُوا منهُم من القَتْلَى، فأَذْرَعُوا القَتْلَ في بَنِي كِنَانَة، للِّثأَْرِ القديم، والتِّرَةِ التي كان خالدٌ يَطْلبهم بها بدَمِ عَمِّه، فوَدَاهُم رسول الله صلى الله عليه وآله بعدما قتَلهم خالدٌ. وتبرّأَ ﵇ مما صَنَع بهم خالدٌ. فقالت سَلْمَى بنْتُ خالدٍ امرأَةٌ من بني كِنَانَةَ:
واللهِ لوْلاَ رَهْطُ آلِ مُحمّدٍلَلاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذلك ناطِحَا
لبَالَطَهمْ زَيْدٌ وأَصحابُ جَعْفرٍومُرَّةُ حتَّى يُصْبِحَ البَرْكُ سَارِحَا
وكَمْ فيهمُ يومَ الغُميْصَاءِ مِنْ فَتًىأُصِيبَ ولم يَشْملْ له الرَّأْسُ وَاضِحَا
ومِنْ سيّدٍ كَهْلٍ علَيْهِ مَهَابَةٌأُصِيبَ ولم يَجْرَحْ وقد كان جارِحَا
أَطافَتْ بخُطّابِ الأَيَامَي فطُلِّقَتْغَداتَئِذٍ منْ كانَ منهُنّ ناكِحَا
فأَجابَتْهَا الخَنْساءُ ابنةُ عمْرو، ويقال بل عَبّاسُ بن مِرْدَاسٍ والثَّبتُ أَنّهَا للخَنْساء:
دَعِي عنك تَقْوَالَ الضَّلالِ كَفَى بنَالِكَبْشِ الوَغَى بالأَمْسِ يا سَلْمُ ناطِحَا
فخَالِدُ أَوْلَى بالتَّعَذُّرِ منْكُمُغَداةَ عَلاَ نَهْجاً مِن الحقِّ وَاضِحَا
إِلَيْكم بإِذْنِ الله يَبْغِي مُصَمِّماًسَوَانِحَ لا تَكْبُو لَهَا وبَوَارِحَا
نَعَوْا مَالِكاً بالقَاعِ لمّا هَبَطْنَهعَوَابِسَ مِنْ كابِي الغُبَارِ كَوَالِحَا
فإِن نَكُ أَبْكَيْنَاكِ سَلْمَى فرُبَّماتَركْنَا علَيْكُم نائِحاتٍ ونائِحا
فأَقَّرَّتِ الخنساءُ أَنّهم طلَبوهم بمالكٍ في قولهم نَعوْا مالِكاً بالقَاعِ وأَنّهُم لم يُدْرِكُوا به من قَتَلوا منهم قبْلَ ذلك.
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع