تجاوز إلى المحتوى

من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)

يَومُ أَبَايِضَ

وهو يومٌ لبَكْرِ بن وائلٍ على بني تَمِيم، قَتلَتْ فيه طَرِيفاً بشَرَاحِيلَ، حين قَتَلَه ابنُه حُمَيْصِيصَة بن شَرَاحيل.

وقُتِل أَبو الجَدْعاءِ الطُّهَويُّ، قَتَلَه سَعْدُ بن عُبَادِ بن مَسْعُودٍ.

كانتِ العَرَبُ في الشَّهْر الحَرَام تأْتِي عُكَاظَ، وقد أَمِنَ بعضُهُم بَعْضَاً، وهم مُتَقَنِّعون، كيلا يُعرفوا، وكان طَريفُ بن عمرِو بن تميم العنبرِيُّ لا يَتَقَنَّعُ، فوَافَى عُكاظَ سنةً، وقد حَشَدَتْ بكرُ بن وائلٍ، وكان طَرِيفٌ قد قَتلَ قَبْلَ ذلك شَرَاحِيلَ الشَّيبانيَّ، من بني أَبي رَبِيعةَ بنِ ذُهْلِ بن شَيْبانَ، فقال حُمَيْصِيصَة بن شَرَاحِيل: أَرُوني طَرِيفاً، فأَرَوْهُ إِيّاه، فجعل كُلَّما مَرَّ به طَرِيفٌ تَأَمَّلَه ونَظَر إِليه، حتَّى فَطَنَ له طَرِيفٌ، فقال: مالَك تَنْظُرُ إِليَّ؟ قال: أَتوَسًّمُك لأَعْرِفَكَ، فإِن لَقِيتُك في حَرب فلِلّهِ عليَّ أَنْ أَتتُلك أَو تَقْتلَني، فقال في ذلِك:

أَوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلةٌبَعَثُوا إِليَّ عَرٍفَهُم يَتَوَسَّمُ
للشاعر طريف العنبري، اقرأ القصيدة
فتَوَسَّموني إِنّنِي أَنا ذَاكُمُشَاكٍ سِلاَحِي في الحَوادِث مُعْلَمُ
للشاعر طريف العنبري، اقرأ القصيدة
تَحْتِي الأَغرُّ وفَوْق جِلْدي نَثْرَةٌزَغْفٌ تَرُدّ السَّيْفَ وَهْوَ مُثَلَّمُ
للشاعر طريف العنبري، اقرأ القصيدة
ولكُلّ بَكْرِيٍّ لَدَيَّ عَدَاوَةٌوأَبو رَبِيعَةَ شانِئٌ ومُحَلِّمُ
للشاعر طريف العنبري، اقرأ القصيدة
حَوْلي أُسَيِّدُ والهُجَيْمُ ومَازِنٌوإِذَا حَللْتُ فحَوْلَ بَيْتِي خَضَّمُ

وجَرى بينَ بَني أَبي رَبيعةَ بن ذُهْلٍ وبين بني مُرَّة بن ذُهْلٍ خُلْفٌ، بِسببِ حُلَفاءَ لهم يقال لهُم بنو عائِذةَ بنِ لُؤَيٍّ، فإنْمَا زَت بنو أَبي ربيعة مع سيدها هانئ بن مسعودٍ، وسارُوا عنهُم حتى نَزَلُوا على ماءٍ لهُمْ يقال له مُبَايض، فهرَبَ عَبدٌ لهُم، فأَتَى بِلادَ تَمِيم، فأَخْبَرَهم فقال: إِنّ حَيّاً حَرِيداً من بَكْر بن وَائِلٍ، وهم بنو أَبي رَبِيعَةَ، قد نَزَلوا على مُبايِض. فلمّا تحقَّقوا ذلك قال طَرِيفٌ: هؤلاءِ ثَأْرِي، ومَن كنتُ أَبْغِي، يالَ تَمِيمٍ إنما هم أَكلَةُ رأْسٍ. وأَقبلَ في بني عمرِو بن تَمِيمٍ واستَغْوَى قبائلَ من تميمٍ، فأَتَاه أَبو الجَدْعاءِ الطُهَوِيّ في بني طُهَيَّة وفيمن تبعَه من بَنِي حَنْظَلَة، وفَدَكِيُّ بن أَعْبَدَ فيمن تَبِعَه من بَني سَعْد بن زَيْدِ مَناةَ، فأَقْبَلُوا مُتَسانِدين، حتّى إذا كانوا قريباً منهم باتُوا ليُصَبِّحوهُم بالغَارَة، فبَصُرت بهم أَمَةٌ كانَت تَرْعَى لرجلٍ من بني عائذةَ يقال له سُميرُ بن أَحْمَرَ، فقالت لمَولاهَا: لقد رأَيتُ بالدَّوِّ نَعَماً كثيراً، فقال: يا بنِي أَبي رَبيعة، من أَي الوَجْهِ سَرَحَ نَعَمُ عُبَادِ بن مسعُود؟ فَقَالُوا من هذا الوَجْه خِلافَ الوَجْهِ الذي جاءَتْ منه الجَارِيةُ فقال: يا هؤلاء، قد واللهِ جَاءَتْكم تميمٌ، فارْتَئُوا رأْيَكُم، وانْظُروا في أَمركم. فاجْتَمَعُوا إِلى سَيّدهم هانئٍ فقال لهم: أَطِيعُوني اليومَ وإِلاّ انْتَحَيْتُ على ظُبّةِ سَيفي. فقالوا له: قُلْ نُطِعْكَ. قال: احْتَمِلُوا. فاحتَمَلوا. ثمّ قال: لا يَتَخَلَّفَنّ عنّي أَحدٌ يُطيقُ حَمْلَ السِّلاح، فأَتَوهُ، فانْتَهَى بهم إِلى عَلَم مُبَايِض، فأَقَام عليه بهِم، وأَمرَهُم فشرَّقُوا بالأَمْوَال والسَّرْح، وصَبّحتْهُم بنو تَمِيم وقد حَذِروا فقال طَرِيفٌ لبني تميم: أَطِيعُوني وافرُغُوا من هؤلاءِ الأَكْلُبِ يَصفُ لكم ما وراءَكم. فقال أبو الجدعاءِ وفَدَكِيُّ بن أَعْبَدَ: نُقَاتِلُ أَكْلُباً أَحْرَزوا أَنْفسَهم ونَدَعُ أَموالَهُم؟ ما هذا برَأْيٍ. وخالَفُوه، وقال هانِئٌ لأَصحابه: لا يُقاتِلَنّ رَجُلٌ منكم.

ومَضَتْ بنو تميمٍ حتى لَحقَتْ بالنَّعَم والعِيَال، فقل رجلٌ من بني تميم لغلامَيْن لَحِقَهما من بَكْر بن وائل على جَمَلٍ: مَن أَنتُما؟ فقالا: ابنَا هانئ بن مسعودٍ، قَبِيصَةٌ وعامِرٌ، فقال: ناوِلاني أَيْدِيَكما، فأَمّا قَبِيصةُ فأَبَى. وناوَلَه عامِرٌ يَدَه، فضَبَطَها وغَمزَ فرسَه فاقتلَعَهُ عن الجمَل وقال: يَكْفِينِي هذا من الغنيمَة، ومضَى به قَبْلَ القِتَال، وصارَتْ بنو تميمٍ في النَّعَمِ والعِيَالِ، وهانئٌ يكفُّ أَصحَابَه عن القِتال، فكان أَوّلَ من مَرَّ به حَمُولَةُ عُبَادِ بن مسعودٍ ونَعَمُه، وفيها بَناتُه وحُرَمُه، فقال عُبادٌ لهانئٍ: واللهِ لتأْذَنَنَّ لي في القتال أَو لأَفْجُرَنَّ. قال: قد أَذنْتُ لك ولبَنِيكَ، ولستُ آذَنُ لغيرِكم. فنزَلَ عُبَادٌ من العَلَم في ثمانيةٍ من وَلَدهِ، فاعترَضوا القومَ، وقال عُبَادٌ لبَنِيه: لا تَنظُروا حيث يقَعُ السِلاحُ منكم، ولكن انْظُرُوا حَيُث تَضَعون سِلاحَكم من الرَّجُلِ، فأَوَّلُ من لَقُوا أَبو الجَدعاءِ الطُهَويّ وهو يَسُوقُ حَمُولَة عُبَادٍ وأَهْلَهُ، قال سعْد بن عُبَادٍ: فاعترضتُ أَبا الجَدْعَاءِ، وأَقْبَلَ نَحْوِي بسِنَانٍ كأَنَّه شُعْلَةُ نارٍ، فمارَ السِّنانُ بين عَضُدي ودَفّى، فذَكرْتُ وَصِيّةَ أَبي ورأَيتُ فَتْقَ الدِّرْع من تحْتِ لَبَّتهِ، فأَطْعُنُهُ في المَوْضِع طَعْنةً خَرَجَتْ من بين كَتفيه وخَرَّ ميتاً، وهربَ فَدَكيُّ بن أَعْبَدَ. وأَذِنَ هانئٌ للناس في القتال، فانْحَدَروا واعترضوا بني تميمٍ وقد تَشاغَلوا بالغَنائم، وأقبَلَ حُمَيْصِيصةُ بن شَرَاحِيلَ بنِ جَنْدَلِ بن قَتادَةَ بن مَرْثَد بن عامرٍ بن أَبي رَبِيعَة، وليس له هَمٌّ غير طَرِيف، فلما رَآهُ طَريفٌ قال: اذْكُرْ يمِينَك. واختلَفَا طَعْنَتَيْن، فطَعنَه حُمَيْصِيصة فقتَلَه، وانهزَمَتْ بنو تَميمٍ وقُتِلَ مِنْهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فقال أَبو مارِدٍ أَخو بني أَبي ربيعة:

خاضَ العُدَاةَ إِلى طَرِيفٍ في الوغَىحُمَصِيصَةُ المِغْوَارُ في الهَيْجَاءِ

وقال حُمَيْصِيصةُ يرُدُّ على طَرِيفٍ قوله:

أَو كلَّمَا وردَتْ عكاظَ قبيلَةٌ

ولقد دَعَوتَ طَرِيفُ دَعْوَةَ جَاهِلٍسَفَهاً وأَنتَ بمنْظَرٍ قَد تَعْلَمُ
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «ولقد دعوت طريفُ دعوة جاهلٍ»
وأَتَيْتَ حَيّاً في الحُروبِ مَحَلُّهموالجَيْشُ باسمِ أَبيهِم يُسْتَهْزَمُ
فوَجَدْتَ قَوْماً يَمْنَعُون ذِمَارَهمْبُسْلاً إِذَا هَابَ الفَوَارِسُ أَقْدَمُوا
وإِذَا دعَوْا بأَبِي رَبِيعَةَ أَقْبَلوابِكَتَائِبٍ دُونَ النّسَاءِ تَلَمْلَمُ
سَلَبُوكَ دِرْعَك والأَغَرَّ كِلَيهِمَاوبَنُو أُسَيِّدَ أَسْلَمُوك وخَضّمُ
للشاعر أبو الحكيم المري، من قصيدة «ولقد دعوت طريفُ دعوة جاهلٍ»

وقالت ابنَةُ أَبي الجَدْعَاءِ تَرْثي أَباها، وتَذُمّ قومه ومن كان معه:

ليَبْكِ أَبا الجَدْعاءِ ضَيْفٌ مُعَيَّلُوأَرْمَلَةٌ تَغْشَى النَّدِيَّ فتَرْمُلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
ولوْ شَاءَ نَجَّاهُ من الخَيْل سابِحٌجَمُومٌ على السَّاقَينٍ والسَّوْطُ مُفْضَلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
ولكنْ فَتىً يَحْمِي ذِمارَ أَبِيكُمُفأَدْرَكَه مِن رَهْبَةِ العَارِ مَحْفِلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
دَعَا دَعْوَةً إِذْ جَاءَه ثَمّ مالِكاًولم يَكُ عبدُ اللهِ ثَمَّ ونَهْشَلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
وغَابَتْ بنُو مَيْثَاءَ عنْه ولم يَكنْنُعَيْمُ بنُ شَيْطَانٍ هُنَاك وجَرْوَلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
ولكِنْ دَعَا أَشْبَاهَ نَبْتٍ كأَنَّهُمْقُرُودٌ على خَيْلٍ تَخُبُّ وتَرْكُلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
لقدْ فَجَعتْ شَيْبَانُ قَومِي بفَارِسٍمُحَامٍ على عَوْرَاتِهِمْ لَيْسَ يَنْكُلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»
وَجَدْتُم بني شَيْبَانَ مُرّاً لِقَاؤُهُمْوكانَتْ بَنُو شَيْبَانَ ذلِكَ تَفْعَلُ
للشاعر ابنة أبي الجدعاء، من قصيدة «ليبك أبا الجدعاء ضيف معيلُ»

وأَرْسَل هانئٌ بمائَةٍ من الإِبل، فافْتَكَّ بها ابنَهُ عامراً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بابٌ في اختيار قطعةٍ من أَيّام العَرَب وما في وَقائِعهَا من العَجَب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.