من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
يَومُ بُطَاحٍ
وفيه مَقْتَلُ مالكِ بن نُوَيرةَ اليَرْبُوعِيّ، قَتَله ضِرَارُ بن الأَزْورِ الأَسدِيّ، أَمرَه بذلك خالدُ بن الوليد.
كان مالكُ بن نُويرة يُسمى الجَفُولَ وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله بَعَثَهُ مُصدِّقاً لَقوْمه، وبعثَ أَيضاً وُجُوهاً من العَرب سُعَاةً على الصَّدَقة، منهُم الزِّبْرِقانُ بن بَدر، قال فقُبِضَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله، وفي أَيديهم الصَّدقةُ، فأَكلوها غيرَ الزِّبرْقان وَحْدَهُ، فإِنّه سارَ بها حتَّى أَتَّى بها إلى أَبي بكر، ثم أَنْشأَ يقولُ:
وفَيْتُ بأَذْواد النَّبِيّ وقدْ أَبىسُعَاةٌ فَلَم يَرْدُدْ بَعِيراً مُجِيرُهَا
أَرَدْتُ بها التَّقْوَى ومَجْدَ حَدِيثِهاإِذَا عُصْبَةٌ سامى قَبيلى فَخُورُهَا
وإِنِّيَ من قَوْمٍ إِذا عُدَّ سَعْيُهُمأَبَى المُخْزِيَاتِ حَيُّها وقبُورُهَا
صِغَارُهُمُ لم يَطْبَعُوا وكِبَارُهمْأُصِيبَتْ منَايَاها عِفَافاً صُدُورُها
وأَشْوَسَ سامٍ قد عَلوْتُ وعُصْبَةٍحَنَاقَى غِضَابٍ صَدَّ عنِّي فَجُورُها
أَبَى رَهْبَة الأَعداءِ مِنّي جَراءَتِيوفَتْكِي إِذَا ما النَّفْسُ نَاجَى ضَمِيرُهَا
ولَيْلَةِ نَحْسٍ في الأُمورِ شَهِدْتُهَابخُطَّةِ عَزْمٍ قَدْ أُمِرَّ مَرِيرُها
وأَبْوَابِ مَلْكٍ قد دَخَلْتُ وفَارِسطعَنْتُ إِذَا ما الخَيْلُ شَدَّ مُغِيرُهَا
وفَرَّجْتُ أُولاَهَا بنَجْلاءَ ثَرَّةٍيَخَافُ على رَاجِي الحَياةٍ بَصِيرُهَا
فلما بلغَ مالكَ بنَ نُوَيْرَة وَفاةُ النبي صلى الله عليه وآله، أَمسَك الصَّدَقةَ، وفرَّقَهَا في قَومه، وجَمعهم وقال: إِنّ هذا الرجلُ قد هَلَكَ، يعنِ محمَّداً ﵇، فإِن قامَ قائمٌ من قريشٍ تجتمعُ عليه العرَبُ جميعاً رَضِيَ منكم أن تدخُلوا في أمرِه، ولم يَطْلُب ما مَضَى من هذِه أَبداً ولم تكونوا أَعطَيْتم النّاسَ أَموالَكم فأَنْتُم أَولى بها وأحقّ، وقال في ذلك:
وقال رجالٌ سُدِّدَ اليَوْمَ مَالِكٌوقال رِجَالٌ مالِكٌ لم يُسَدَّد
فقُلْتُ دَعُوني لا أَبَا لأَبِيكمفلمْ أُخْطِ رَأْياً في المَعَادِ ولا البَدِي
وقُلْتُ خُذُوا أَموالَكُم غير خائِفٍولا نَاظرٍ فيما يَجِئُ به غَدِي
فدُونَكُمُوها إِنَّهَا صَدَقَاتُكمْمُصَرَّرَةُ أَخْلافُهَا لم تُجَدَّدِ
سأَجْعَلُ نَفْسي دُون ما تَحذَرُونَهوأَرهَنُكُم يَوْماً بما مَلَكَتْ يَدِي
فإِن قامَ بالأَمْر المُخلَّفِ قائمٌأَطَعْنا وقلنا الدِّنُ دِينُ محمَّدٍ
﵇، فبلغ أبا بكر قوله فعاهَدَ الله خالدُ بن الوليد لَئنْ أَخَذَه لَيقْتُلَنَّه ولَيجعلَنَّ هامتَهُ أُثْفِيّةً للقِدْرِ، ففعل ذلك خالدٌ حين ظَفِرَ به، ولما سارَ خالدٌ لِلقاءِ بني يَرْبوع، خَرَج ضِرَارُ بن الأزْوَرِ طَلِيعَةُ، وخَرجَ مالكٌ طَلِيعَةً لأَصحابه يومَ بُطَاحٍ، فالتَقَيَا فسأَل كلُّ وِاحِدٍ منها صاحبَه عن اسمِه، فقال ضِرَارٌ: أَنا ضِرارٌ، وقال مالِكٌ: أَنا مالك، قال ضِرارٌ فأَنْتَ آمِنٌ. ثم شَدَّ عليه فقتلَهُ. وقال محمدُ بن الحسن: ليس هذا الحديثُ مأْخوذاً به، قُتِلَ مالكٌ صَبْراً بين يدَيْ خالد، قتَلَهُ ضِرارٌ فلذلك قال: مُتمِّمٌ:
أَدْعَوْتَهُ باللهِ ثمّ قَتَلْتَهُلَو قد دَعَاكَ بذِمَّةٍ لم يَغْدِرِ
وخَبَرُ هذا البَيْت يأْتِي في باب المَراثي إن شاءَ الله.
وقال مُتمِّمُ بن نُوَيْرَة يَرْثي أَخاه مالكاً ويهجو ضِراراً:
ألا مَنْ مُبْلغٌ عنّي ضِرَاراًولم أَخَفِ الغَوَائِلَ من ضِرَارِ
فكَيْفَ تَرَكْتَ رَهْطَكَ والمَوَالِيكذلك رَائشٌ مِنهْم وبَارِي
وأَصبحَ مَنْ شَمِتَّ به تَأَرَّىكشَعْبِ الصَّاع مِن قَدَحِ النُّضَارِ
فإِنّك سَوْفَ تُدِركُكَ المَنَايَاذَمِيماً ثمَّ تُتْرَكُ في الدِّيَارِ
وإنّك قد عَمِرْتَ بعَيْش سَوْءٍكعَيْشِ الكَلْب في ظِلِّ الحِمَارِ
وإِنِّ لا لَعَمْرُ أَبِيكَ أَنْسَالِشيءٍ بعد فارِسِ ذِي الخِمَارِ
غَدَاةَ نَعَاهُ ناعِيهِ فكادَتْعَليَّ الأَرْضُ تُظْلمُ بالنَّهَارِ
شَدِيدُ الرُّكْنِ زَيْنٌ للمَوَالِيعَلى الأَعْدَاءِ أَخْشَنُ ذو ضِرَارِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع