تجاوز إلى المحتوى

من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)

يَومُ الكَدِيدِ

وهو يَوْمٌ لبَنِي سُلَيم على بني كِنَانَةَ، وفيه مَقتَل ربيعة بن مُكَدَّم.

قال أَبو عمْرو بن العَلاءِ: وَقَعَ تَدَارُؤٌ بين نَفَرٍ من بني سُلَيم، ونَفَرٍ من بَنِي فِرَاس بن مالك بن كِنَانَة، فقَتَلَتْ بنو فِرَاسٍ رَجُلَيْن من بني سُلَيْم، ثمّ إِنّهُم وَدَوْهُمَا، وضَرَب الدَّهْرُ من ضَرْبه، فخَرَجَ نُبَيْشَةُ بنُ حَبِيبٍ السُّلَميُّ غازياً، فلَقِي ظُعُناً من بني كِنَانَة بالكَدِيد، في رَكْبٍ من قَوْمِه، فبَصُرَ بهم نَفرٌ من بني فِرَاسِ بن مالِكٍ، فيهم عبدُ الله بن جِذْلِ الطِّعَان، والحارث بن مُكدَّم، أَبو الفرعَة وأَخوه رَبِيعَةُ بن مُكدَّم مَجْدُورٌ يومئذٍ، يُحمَلُ في مِحَفَّة، فلمّا رأَوهم قال الحارثُ بن مُكدَّم: هؤلاءِ بنو سُلَيم يَطلبون دِماءَهم. فقالَتْ أُمُّ عَمْروٍ بنْتُ مُكدَّمٍ: واسُوءَ صَبَاحَاه: فنزَلَ رَبِيعَةُ بن مُكدَّم ورَكِبَ فرَسَهُ، وأخَذَ قَناتهُ، وتوجهَ نحو القوم وهو يقول:

لقَدْ عَلِمنَ أَنّني غَيْرُ فَرِقْ

لأَطعُنَنَّ فيهِمُ وأَعْتَنِقْ

وأَصْبَحَنْهُمْ حِينَ تَحْمرُّ الحَدَقْ

عَضْباً حُسَاماً وسِنَاناً يَأْتَلِقْ

فحَمَلَ عليه بعضُ بني سُلَيْمٍ، فاستَطردَ لهم في طريق الظُّعْنِ، ثم عَطَفَ عليهم فقتلَ منهم جماعةً، فانجفَلوا بينَ يَدَيْه، ويَرْمِيه نُبَيْشَة بسهمٍ، فأَصابَ مأْبِضَ عَضُده، فلحقَ بالظُّعنِ يَسْتَدْمِي حتى انتهَى إِلى أُمّه أُمِّ سيَّارٍ، فقال: شُدِّي على يَدِي عِصَابةً. وهو يَرْتَجزُ ويقولُ:

شُدِّي عليَّ العُصْبَ أُمَّ سَيَّارْ

فقَدْ رُزِيتِ فارِساً كالدِّينارْ

يَطْعنُ بالرٌّمحِ أَمَامَ الأَدْبارْ

فأَجَابتْهُ أُمُّه:

إِنَّا بنُو ثَعْلَبَةَ بنِ مالكِ

مُرَزُّؤُو خِيَارِنَا كذلِكِ

مِنْ بَيْنِ مَقْتُولٍ وبَيْنِ هالِكِ

ولن يكونَ الرُّزْءُ إِلاّ ذلِكِ

وشَدَّتْ عليْه أُمُّه عِصَاباً، فاسْتَسْقاهَا ماءً، فقالت: أُفَّك، إِن شَرِبْت الماءَ مُتَّ، فقال ربيعةَ للظُعْن: أَوْضِعْنَ رِكَابَكُنّ حَتَّى تَنْتَهِينَ أَدْنَى بُيُوتِ الحيِّ، فإِنّي لِمَا بِي، وسوف أَقِفُ دونكنّ على العَقَبَة، وأَعتمدُ على رُمْحي، ولن يُقدِموا عليكنّ، لمكاني، ففَعلْن، ونَحَوْنَ إِلى مأْمَنِهنّ، وشَدَّ على القوم راجعاً، فقَتَلَ فيهم، ومازال يَذُبُّهم إِلى أَن نَزَفَه الدَّمُ، فاعتمدَ على رُمْحه. قال أَبو عمرٍو: ولا نعلم قتيلاً ولا مَيِّتاً حَمَى ظَعَائنَ غيرَهُ وإِنّه يومئذ غُلامٌ له ذُؤابةٌ، فما زالَ واقفاً على مَتْنِ فَرَسهِ مُعتمِداً على رمحه إلى أن مات، وما تَقْدُمُ القومُ عَلَيْه، فقال نُبَيْشةُ: إِنّه لَمَائلُ العُنُقَِ على رُمْحِه وما أَظُنُّه إِلا قد ماتَ، فرمَى فَرَسَه، فقَمَصَتْ وزَالَتْ، فسَقَطَ عنها ميِّتاً، وفَاتَهُم الظُعْنُ، ولَحِقُوا أَبا الفَرْعَةِ الحارِثَ بنَ مُكدَّمٍ فقتَلوه، وأَمَالوا على رَبِيعَةَ أَحْجَاراً، فمَرَّ به رجلٌ من بني الحارث بن فِهْرٍ، فنفرَت ناقتُه من تلكَ الأحجار، فقال يَرْثِيه ويَعْتَذِرُ ألا يكونَ عَقَر على قَبرِه، ويُعَيِّرُ مَن فَرَّ وأَسْلَمَه من قَوْمه، وتُروَى لحسَّانِ بن ثابتٍ:

نَفَرَتْ قَلُوصِي من حِجَارَةِ حَرَّةٍبُنِيَتْ على طَلْقِ اليَدَيْنِ وَهُوبِ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»
لا تَنْفِري يا نَاقَ منه فإِنَّهسَبّاءُ خَمْرٍ مِسْعَرٌ لحُروبِ
لولا السِّفَارُ وبُعْدُ خَرْقٍ مَهْمَهٍلتَرَكْتُهَا تَحْبُو على العُرْقُوبِ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»
فَرّ الفَوارِسُ عن رَبيعةَ بعدَمَانَجّاهُمُ من غُمَّةِ المكروبِ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»
نِعمَ الفَتَى أَدَّى نُبَيْشَةُ بَزَّهُيَومَ الكَديدِ نُبَيْشَةُ بنُ حَبيبِ
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»

وجزع عليه عبد الله بن جِذْلِ الطِّعَانِ جَزَعاً شدِيداً ورَثاهُ بِعِدَّةِ مَرَاثٍ، منها:

خَلَّى عليَّ رَبِيعَةُ بنُ مُكَدَّمٍحُزْناً يَكَادُ له الفُؤادُ يَزُولُ
فإِذا ذَكرْتُ رَبِيعَةَ بنَ مُكدَّمظَلَّتْ لِذِكْراهُ الدُّموعُ تَسِيلُ
نِعْمَ الفَتَى حَسَباً وفَارِس بُهْمَةٍيَرْدِي بشِكَّتِه أَقَبُّ دَؤُولُ
سَبَقَتْ به يَوْمَ الكَدِيد مَنِيَّةٌوالنَّاسُ إِمّا مَيِّتٌ وقَتِيلُ
كَيْفَ العَزَاءُ ولا تَزَالُ خَرِيدَةٌتَبْكِي رَبِيعَةَ غادَةٌ عُطْبولُ

وقال أيضاً:

لأَطْلُبَن برَبِيعَةَ بنِ مُكدَّمٍحتَّى أَنالَ عُصَيَّةَ بنَ مَعِيصِ
بِقِيَادِ كُلِّ طِمِرّةٍ مَمْحوصَةٍومُقلِّصٍ عَبْلِ الشَوَى مَمْحوصِ

وقال أيضاً:

أَلاَ للهِ دَرُّ بَني فِرَاسٍلقَدْ أُوْرِثْتُمُ حُزْناً وَجِيعَا
غَدَاةَ ثَوَى رَبِيعَةُ في مَكَرٍّتَمُجُّ عُرُوقُه عَلَقاً نَجِيعاً
فلَنْ أَنْسَى رَبِيعَةَ إِذْ تَعَالَىبُكاءُ الظُّعْنِ تَدْعُو يا رَبيعَا

وقالَ حسانُ بن ثابتٍ يَرْثِيه ويَحضُّ على قتَلَتِهِ:

سَقَّى الغَوَادِي رَمْسَكَ ابنَ مُكَدَّمٍمن صَوْبِ كُلِّ مُجَلجلٍ وَكّافِ
أَبْلِغْ بَنِي بَكْرٍ وخُصَّ فَوَارِساًلُحِفُوا المَلاَمَةَ دُونَ كلِّ لِحَافِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ولأصدقن إلى حذيفة مدحتي»
أَسْلَمْتُمُ حَذَرَ الطِّعانِ أَخاكُمُبَيْنَ الكَدِيدِ وقُلَّةِ الأَعْرافِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ولأصدقن إلى حذيفة مدحتي»
حتَّى هَوَى مُتَزايلاً أَوْصَالُهللخَدِّ بينَ جَنادِلٍ وقِفَافِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ولأصدقن إلى حذيفة مدحتي»
للهِ دَرُّ بني عَليٍّ إِنْ هُمُلمْ يَثْأَرُوا عَوْفاً وحَيَّ خُفَافِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ولأصدقن إلى حذيفة مدحتي»

؟

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بابٌ في اختيار قطعةٍ من أَيّام العَرَب وما في وَقائِعهَا من العَجَب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.