تجاوز إلى المحتوى

من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)

يَومُ الشَّربَّة

وهو يَوْمٌ لبني تَغلِبَ على بني فَزارَة كان الأَخنسُ بنُ شِهابِ بن شَرِيقِ بن ثُمَامَة بن أَرْقمَ بن عَدِيّ بن مالكِ بن رِزَاحِ بن مُعاوِيَةَ بن عَمْرِو يُغْير على كَلْبٍ وغيرهم، فقال يوماً حَمَلُ بنُ بَدْرٍ الفزَارِيُّ، وعندَه أُناسٌ من النَّمِر: أَبْلِغُوا عَنّي الأَخنسَ بنَ شِهَابٍ أَنّ فزَارَة ليستْ كمَن يُغِيرُ عليه من كَلْبٍ وغيرِهَا، وقد عَجِبْتُ له إِذْ هو مِنْ بني مُعَاوِيةَ بن عَمْرٍو كيفَ بَلغَ ما بَلغَ، فقبَح اللهُ بني تَغلِبَ، كيف يُعطُون مِثْلَهُ مَقَادَهم.

وتكَّلَم فيه بكلِّ قبِيحٍ. فلمّا رجَع النَّمَرِيّون من عندِ حَمَل بَلَّغوا الأَخنسَ مَقالةَ حَمَلِ بن بَدْرٍ. فقال أَمَا كان ثَمَّ مَنْ نَهاهُ؟ فقالوا: بلى، قد نَهَاهُ أَخوهُ يَزِيدُ بن بَدْرٍ فلم يَنْتهِ. فعَزمَ الأَخنسُ على غَزْوِ بني فَزَارَة، فجمع خَيْلاً من أَخلاطِ بني تَغلِبَ، فغزَاهم، فقاتلوهُ بالشَّرِيّةِ قتالاً شديداً، وانفَرَدَ يَزِيدُ بن بَدْرٍ، وكان فارسَ الجميع يومئذٍ، فحمَلَ عليه الأَخْنَسُ، فطعنَه فصرعَهُ وأَسرَهُ، واستَحَرّ القتلُ في بني فَزَارَةَ وولَّى حَمَلُ بنُ بَدْرٍ، فَنَادَاه الأَخْنَسُ: إِلى أَيْن يا حَملُ؟ وقال:

عُودِي فَزَارَ ولا تَجْزَعِيفإِنّا أُنَاسٌ لنَا مَرْجِعُ

وأَصابَ الأَخْنَسُ الأَسَارَى والنِّسَاءَ، وبَذَلَتْ بنو فَزَارَةَ في يَزِيدَ من الدِّيَةِ أَلْفَ بَعِيرٍ، وبَعَثُوا بذلك وُفُوداً. فقالَ الأَخنسُ: ما الّذِي بذَلْتم في صاحِبك بأَغْنَى من ذُبَابِ خَيْلِكم، فواللهِ لا يَكُون أَمْرِي فيكم أَمَماً. فبَكَى الوَفْدُ وقالوا: كَبَا بِك جَدُّ قَوْمِك يا يَزيدُ! ولم يَشُكّ في قَتْله بنو تَغلِب وبنو فَزارَة، ثُمَّ دعَا به الأَخْنَسُ فأَطْلقَه مَنّاً عليه، وحمَلَه، وكان قَبْلَ ذلِك مُكْرِماً له، فقالَ الأَخْنَسُ في ذلِك:

أَلَمْ تَرَنٍ مَنَنْتُ على يَزِيدٍولمْ أُشْمِتْ به حَمَلَ بْنَ بَدْرِ
رَفَعْتُ بهِ ذِمَامًَ أَبي شِهَابٍولمْ يَكُ أَسْرُهُ عِنْدِي بأَسْرِ
ولَوْ أَنِّي أَشاءُ لَبَاتَ نُصْباًيُقَلِّبُ أَمْرَهُ بَطْناً لِظَهْرِ
ولَوْ أَنّي أَشاءُ لَسَاقَ أَلْفاًكهَضْبِ الطَّوْدِ مِن سُودٍ وحُمْرِ
ولكِنّي حَفِظْتُ بَنِي أَبِيهبنعمة فكه لبقاء دهر
وكان يزيد خير بني أبيهسِوَى حَمَلٍ وفيه كُلُّ نَذْرِ
فَرَاكَضَنى وطَاعَنَني يَزِيدٌفرَدَّ الخَيْلَ كاللَّيْثِ الهِزَبْرِ
ولو غَيْرِي يُنَازِلُه يَزِيَدٌلأَقْعَصَهُ بنَابٍ أَوْ بظُفْرِ

وقال يزيدُ بن بَدْرٍ يشَكُر الأَخْنَسَ بن شِهَابٍ:

جَزَى اللهُ عَنّي والجَزَاءُ بكَفِّهأَبا الغَمْر أَعْنِ الأَخْنَسَ بنَ شِهَاب
تَدَارَكَنى مِنْ بَعْدِ بُؤْسِ بنعْمَةٍوكُنْتُ أَسِيراً في جَنَاحِ عُقَاب
وقد عَرَضَتْ ذُبْيَانُ أَلفاً كأَنّهاهِضَابُ أَجَا تَرْعَى بأَرْضِ رِبَابِ
فقالَ لهم رُدُّوا القِلاَصَ فما الَّذِيبَذَلْتُم بأَغْنَى مِن جَنَاحِ ذُبَابِ
ولمَّا رَأَتْ ذُبْيانُ ما قالَ أَخْنَسٌتَعَزَّوْا وقالوا جَدُّ قَوْمِكَ كَابِ
فأَطْلَقَني من بَعْدِ ما ظَنَّ قَوْمُهوقَوْمِيَ ظَنَّاً لم يَكُنْ بصَوَابِ
ولمْ يَبْلُغ احَمْدَ الطَّوِيلَ بَقاؤُهُببَكْر قَعُودٍ في القِرَى وبِنَابِ

وقال الأخنسُ أَيضاً:

ونحْنُ أُناسٌ لا حُصُونَ بأَرْضِنانلُوذُ بها إِلاَّ السُّيُوفُ القوَاطِعُ
وجَاْوَاءُ تُعْشِي النَّاظِرِين كأَنَّهاإذا ما بَدَتْ قَرْنٌ من الشَّمْس طالِعً
وحامِي لِوَاءٍ قد قَتَلْنا وحَامِلٍلِوَاءً مَنعْنَا والرِّمَاحُ شَوارِعُ
وإِنّا لصَيَّادُو الفَوَارِسِ بالقَنَاوإِنّا لحَلاَّلُون حَيْثُ نُقَارِعُ

؟

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بابٌ في اختيار قطعةٍ من أَيّام العَرَب وما في وَقائِعهَا من العَجَب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.