تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

سمنون

قال ابن فاتك: قلت لسمنون أي منزل إذا نزله العبد قام مقام العبادة؟ قال: إذا ترك التدبير. قال وقلت له يوماً: يا سمنون أسألك عن المحبة، قال عن محبة الله إياك تسأل أو عن محبتك إياه؟ قلت عن محبة الله لي. قال: لا تطيق الملائكة أن تسمع ذلك. فكيف تطيق أنت وأنشد سمنون:

لا لأني أنساك أُكثر ذكراك ولكن بذاك يجري لساني
أنت في النفس والجوانح والفكر وأنت المنى وفوق الأماني
فإذا أنت غبت عني عياناًأبصرتك المنى بكل مكاني

وقال له بعض الخلفاء: يا سمنون كيف وصلت إليه؟ قال ما وصلت حتى عملت ستة أشياء. أمت ما كان حياً وهو النفس، وأحييت ما كان ميتاً وهو القلب، وشاهدت ما كان غائباً وهي الآخرة، وغيبت ما كان شاهداً وهي الدنيا، وأبقيت ما كان فانياً وهو المراد، وأفنيت ما كان باقياً وهو الهوى، واستوحشت مما تستأنسون، وأنست مما تستوحشون. ثم أنشد:

روحي إليك بكلّها قد أجمعتلو أن فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي عليك بكلها في كلهاحتى يقال من البكاء تقطعت
انظر إليها نظرةً بمودةٍفلربما منّعتها فتمنعت

وله أيضاً:

لطائف برّك ما تنقضيوطاعات خلقك ليست تضي
تقاضوك برّاً فأوفيتهمولم يقتضوا لك ما يقتضي
وما تبصر العين يا سيديسوى ما تحب وما ترتضي

قال سمنون: أقمت مطروحاً على باب بني شيبة سبعة أيام مهموماً، فهتف بي هاتف في آخر ليلي. من أخذ من الدنيا فوق ما يجزيه، أعمى الله عيني قلبه، وأنشد:

أجلك أن أشكو الهوى منك اننياجلّك ان تومي إليك الأصابع
فأصرف طرفي نحو غيرك عامداًعلى أنه بالرغم نحوك راجع

قال: سئل سمنون أي الطعام أطيب؟ قال لقمة من ذكر الله، في فم النفس بتوحيد الله، رفعتها من مائدة الرضا عن الله، عند حسن الظن بكرامة الله وأنشد:

حرام على قلب تحرم بالهوىيكون لغير الحق فيه نصيب
تفرد فيه فانفردت بحبهفصار عليّ شاهد ورقيب

قيل له ما علامة من بقي له ربه. قال يا هذا اجعل قبرك خزانتك، واحسنها من كل عمل صالح، فإذا وردت على ربك سرك ما ترى. وقال سمنون: رأيت إبليس في المنام ولا شك أنه إبليس، فأخذت عصاي لأضربه، فهتف بي هاتف: هو لا يهرب من عصاك، وإنما يهرب من نور القلب وأنشد:

بين المحبين سرٌّ ليس ينسبهقول ولا قلم في الخلق يحكيه
سرٌّ يمازجه انس يقابلهنور تحيّز في جوٍّ من التيه

وله أيضاً:

الحب شيءٌ لطيف ليس يدركهعقل لإدراكه عزّ وتدبير
لكنه في مجاري السرّ بعرفهأهل الإشارة عزّ لا كيف وتقدير

قال محمد بن عبد الله: سألت سمنون عن قول النبي ﷺ، روحوا القلوب تعي

الذكر. فقال: معناه روحوا القلوب من هموم الدنيا تعي اذكار الآخرة.

قال إبراهيم بن فاتك: سئل سمنون عن معنى قول النبي ﷺ، المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. فقال واحد منها طبع، وستة حرص، فالمؤمن يأكل بمعى الطبع، والكافر يأكل بأمعاء الحرص، وأنشد في المعنى:

لئن أمسيت في ثوبي عديملقد بليا على حرٍّ كريم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»
فلا يحزنك ان أبصرت حالاًمغيرة عن الحال القديم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»
فلي نفس ستذهب أو سترقىلعمرك بيّ في أمر جسيم

قال سمنون رأيت راهباً في صومعة. فقلت له كم لك في هذه الصومعة؟ فقال منذ ثلاثين سنة. فقلت ما أفادتك الخلوة. قال ويحك! هل رأيت وزيراً يخرج سر أميره؟ ومما أنشد سمنون:

يا من فؤادي عليه موقوفوكل همي إليه مصروف
يا حسرة حسرة أموت بهاان لم يكن لي لديك معروف

وله أيضاً:

ألست لي عوضاً مني كفى شرفاًمما وراءك لي حظ ومطلوب
رأيت أسباب راحاتي بها عطفيعن العزاء فصبري فيّ مغلوب
لو أن أيوب لاقى بعض ضرك ليلضج من بعض ما لاقيت أيوب

وله أيضاً:

أفسدتني بهواك هل أصلحتنيلم أرض بعدك كائناً من كانا
من ودّني قد كان ودّك فوقهفتركتني أتسخط الأخوانا

قال أبو نعيم الحافظ: سمنون هو ابن حمزة الخواص أبو الحسين، وقيل أبو بكر البصري سكن بغداد ومات قبل الجنيد وسمى نفسه سمنون الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:

فليس لي في سواك حظفكيف ما شئت فامتحنّي

فحصر بوله من ساعته فسمى نفسه سمنون الكذاب.

ومن شعره قوله:

وكان فؤادي خالياً قبل حبكموكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
للشاعر الحلاج، من قصيدة «وكان فؤادي خاليا قبل حبكم»
فلما دعا قلبي هواك أجابهفلست أراه عن فنائك يبرح
للشاعر سمنون المحب، اقرأ القصيدة
رميت ببنين منك إن كنت كاذباًوإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرهاإذا غبت عن عيني بعيني يملح
للشاعر سمنون المحب، اقرأ القصيدة
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصلفلست أرى قلبي لغيرك يصلح
للشاعر سمنون المحب، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.