من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
الأعرابي والحجاج
ولنختم هذا المختصر بكلمات الأعرابي مع الحجاج بن يوسف:
قال صعصعة بن صوحان: خرجنا مع الحجاج حاجاً إلى بيت الله الحرام. فبينما نحن في بعض الطريق إذا نحن بصوت أعرابي يلبي بين الغيضة. فلما فرغ من التلبية قال: كلامك اللهم لك، من قال مخلوق هلك، وفي الجحيم قد سلك والجاريات في الفلك، على مجاري من سلك، قد اتبعنا رسلك، ما خاب عبد أملك، أنت له حيث علك فقال الحجاج: تلبية موحد ورب الكعبة. لا يفوتنكم الرجل. فأسرع ما كان حتى أُتي بأعرابي على ناقة برحاء بلحاء. فقال الحجاج: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ وإلى أين تريد؟ قال جئت من الفج
العميق. قال من أي الفجاج أنت؟ قال من العراق وأرضها. قال من أي العراق أنت؟ قال من مدينة الحجاج بن يوسف. قال فما سيرته فيكم؟ قال بسيرة فرعون في بني إسرائيل، يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. قال فهل خلفته ظاعناً أو مقيماً؟ قال بل ظاعناً. قال إلى أين؟ قال إلى الحج ولن يتقبل الله منه. قال وهل خلف أحداً بعده؟ قال نعم أخاه محمداً. قال فما سيرته فيكم؟ قال ظلوم غشوم، واسع البلعوم، عاص مشؤوم. قال له الحجاج هل عرفتني؟ قال الأعرابي اللهم لا. قال الحجاج أنا الحجاج بن يوسف. قال الأعرابي: أشر والله ممن أظلت الخضراء. وأقلت الغبراء. ويشرب من الماء بغيض مبغوض. لعين ملعون. في الدنيا والآخرة. فقال الحجاج والله يا أعرابي لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك. قال الأعرابي إن لي رباً يخلصني وينجيني منك. قال يا أعرابي إني سائلك؟ قال إذاً والله أُخبرك. فقال أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال نعم. قال فأسمعنا. فاستفتح وقال: بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً. قال ليس هكذا يا أعرابي. قال وكيف؟ قال يدخلون في دين أفواجاً. فقال الأعرابي قد كان ذلك قبل أن يتولى الحجاج. فلما ولي جاؤوا يخرجون من دين الله. فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه. ثم قال ما تقول في محمد رسول الله ﷺ؟ قال وما عسى أن أقول في محمد ﷺ صاحب القضيب والناقة والحوض والشفاعة وزمزم والسقاية، ومن قرن الله اسمه باسمه. يدعى في كل يوم وليلة عشر مرات في الأذان والإقامة. قال فما تقول في أبي بكر الصديق ﵁. قال وما عسى أن أقول في صديق في السماء وصديق في الأرض وصاحبه في الغار وأسلم وهو يملك ثمانين ألف دينار أنفقها في سبيل الله وعلى رسول الله ﷺ. ومع ذلك يا حجاج يوم قرأ النبي ﷺ " جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ". وقال ﵇ سمعتم ما قال ربكم ﵎ إلا من كان عنده شيء فليأتني بما أمكنه فقام أبو بكر الصديق ﵁ فأتى بجيمع ما عنده.
وقام عمر ﵁ فأتى بنصف ما عنده. وقام عثمان ﵁ وأتى بثلث ما عنده. فقالوا خذ يا رسول الله. ولله عندنا المزيد. فنزل جبريل ﵇ وقال يا رسول الله إن ربك العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول لك: اقرأ أبا بكر منى السلام وقل له أنا راض عنه، فهل هو راض عني؟ فأخبر النبي ﷺ أبا بكر ﵁. فبكى أبو بكر بكاءً شديداً وقال يا رسول الله أنا راض راض فوعد الله أن يرضيه وذلك قوله تعالى: " ولسوف يعطيك ربك فترضى ". قال الحجاج: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال وما عسى أن أقول في فاروق السماء وفاروق الأرض. فرق بين الحق والباطل على لسانه. وإذا كان يوم القيامة يأتي الحق والإسلام ويتعلقان فيه فيجزع عمر ﵁ منهما فيقولان له لا تجزع فنحن الحق والإسلام اللذان كنت تقوم بنا في الدنيا. ومن ذلك يا حجاج إن رسول الله ﷺ كان عند حفصة فدخلت عليه صفية فقال لها لا تخبري عائشة فخرجت وأخبرت أُم سلمة. فأخبرت أُم سلمة عائشة رضي الله تعالى عنهن. فتظاهر عليه أزواجه فجاءهن عمر مغضباً فقال لهن: لم تتظاهرن على رسول الله ﷺ عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً. فنزلت الآية كذلك موافقةً لقول عمر ﵁. قال الحجاج فما تقول في عثمان بن عفان؟ فقال الأعرابي وما عسى أن أقول في حافر بئر أرومة. ومجهز جيش الفطرة. ومن سبح في كفه الحصى. واستحيت منه ملائكة السماء. ومن ذلك يا حجاج يوم دخل على رسول الله ﷺ وكان جالساً على الأيسر وركبته
مكشوفة. فدخل أبو بكر والنبي ﵊ على حاله. فلما استؤذن لعثمان بادر له وغطى ركبته فدخل عثمان ﵁ وجلس جلسة المريض يمزحه فنظر أبو بكر إلى عمر وعمر إلى أبي بكر. فقالا يا رسول الله تغطيت من عثمان وعثمان صهرك ونحن أصهارك. فقال النبي ﷺ ألا أتغطى وأستحي ممن تستحي منه الملائكة؟ فقال الحجاج: ما تقول في حق علي بن أبي طالب؟ قال الأعرابي: وما عسى أن أقول في ابن عم رسول الله ﷺ وزوج إبنته البتول. ومن قال له رسول الله ﷺ: يا علي إن الله ألف بين روحي وروحك وكان عرشه على الماء وزوجك فاطمة واختارك لها من قبل أن يخلق الدنيا بألف عام. فقال الحجاج: فما تقول في الحسن والحسين؟ قال الأعرابي وما عسى أن أقول فيمن ولدتهما البتول، ورباهما الرسول وراعاهما جبرائيل فهل لهما مثل وعديل؟ فقال الحجاج فما تقول في معاوية؟ قال وما عسى أن أقول في خال المؤمنين وكاتب وحي رسول رب العالمين ورديف رسول الله ﷺ على بغلته دلدل فقال له النبي ﷺ ما يلبني منك يا معاوية؟ فقال بطني يا رسول الله. فقال النبي ﵊ ملأه الله علماً وحلماً. فقال الحجاج ما تقول في يزيد بن معاوية؟ قال الأعرابي كما قال من هو خير مني لمن هو شر منك. قال الحجاج ومن هو خير منك وشر مني؟ فقال الأعرابي موسى ﵇ خير مني، وفرعون شر منك. قال الحجاج فما قال فرعون لموسى؟ قال قال فما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. فقال الحجاج: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال الأعرابي: ذلك والله أخطأ خطيئة ملأت بين السماء والأرض. فقال الحجاج وكيف ذلك؟ قال الأعرابي: ولاك على أمور المسلمين تحكم في أموالهم ودمائهم بجور وظلم. قال فعند ذلك هم الحجاج بالسيف وأشار إلى سيافه ليضرب عنق الأعرابي. قال فحرك الأعرابي شفتيه. فخر السيف ناحيةً، والسياف ناحية. وولى الأعرابي ذاهباً. فقال الحجاج: بحق معبودك ألا أخبرتني بأي دعاء دعوت؟ فقال الأعرابي: بدعاء ان علمتك إياه غفر الله لك ما عليك من حسابهم من شيء. وما من حسابك عليهم من شيء. ثم قال الأعرابي يا حجاج! قلت:. فدخل أبو بكر والنبي ﵊ على حاله. فلما استؤذن لعثمان بادر له وغطى ركبته فدخل عثمان ﵁ وجلس جلسة المريض يمزحه فنظر أبو بكر إلى عمر وعمر إلى أبي بكر. فقالا يا رسول الله تغطيت من عثمان وعثمان صهرك ونحن أصهارك. فقال النبي ﷺ ألا
أتغطى وأستحي ممن تستحي منه الملائكة؟ فقال الحجاج: ما تقول في حق علي بن أبي طالب؟ قال الأعرابي: وما عسى أن أقول في ابن عم رسول الله ﷺ وزوج إبنته البتول. ومن قال له رسول الله ﷺ: يا علي إن الله ألف بين روحي وروحك وكان عرشه على الماء وزوجك فاطمة واختارك لها من قبل أن يخلق الدنيا بألف عام. فقال الحجاج: فما تقول في الحسن والحسين؟ قال الأعرابي وما عسى أن أقول فيمن ولدتهما البتول، ورباهما الرسول وراعاهما جبرائيل فهل لهما مثل وعديل؟ فقال الحجاج فما تقول في معاوية؟ قال وما عسى أن أقول في خال المؤمنين وكاتب وحي رسول رب العالمين ورديف رسول الله ﷺ على بغلته دلدل فقال له النبي ﷺ ما يلبني منك يا معاوية؟ فقال بطني يا رسول الله. فقال النبي ﵊ ملأه الله علماً وحلماً. فقال الحجاج ما تقول في يزيد بن معاوية؟ قال الأعرابي كما قال من هو خير مني لمن هو شر منك. قال الحجاج ومن هو خير منك وشر مني؟ فقال الأعرابي موسى ﵇ خير مني، وفرعون شر منك. قال الحجاج فما قال فرعون لموسى؟ قال قال فما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. فقال الحجاج: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال الأعرابي: ذلك والله أخطأ خطيئة ملأت بين السماء والأرض. فقال الحجاج وكيف ذلك؟ قال الأعرابي: ولاك على أمور المسلمين تحكم في أموالهم ودمائهم بجور وظلم. قال فعند ذلك هم الحجاج بالسيف وأشار إلى سيافه ليضرب عنق الأعرابي. قال فحرك الأعرابي شفتيه. فخر السيف ناحيةً، والسياف ناحية. وولى الأعرابي ذاهباً. فقال الحجاج: بحق معبودك ألا أخبرتني
بأي دعاء دعوت؟ فقال الأعرابي: بدعاء ان علمتك إياه غفر الله لك ما عليك من حسابهم من شيء. وما من حسابك عليهم من شيء. ثم قال الأعرابي يا حجاج! قلت:
اللهم! يا رب الأرباب. ويا معتق الرقاب. ويا هازم الأحزاب. ويا منشئ السحاب. ويا منزل الكتاب. ويا رازق من تشاء بغير حساب. يا ملك، ويا تواب. يا راد موسى إلى أُمه. ويوسف إلى أبيه. أسألك أن ترزقني وتكفيني شره إنك على كل شيء قدير.
تمت النسخة النادرة بعون من له الأولى والآخرة ضحوة يوم الجمعة لثلاثة وعشرين خلت من المحرم الحرام سنة خمس وستين وألف بقسطنطينية المحمية على يد أضعف عباد الله تعالى وأحوجهم إلى بره أحمد بن المرحوم عبد الحليم، عفى عنهما الرب الرحيم. بقلم الناسخ البارع السيد صادق المالح الدمشقي سنة هجرية.
والحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده، والسلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع