تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

الباب الثّالث والعشرون في حرّ الأزمنة ووصف اللّيالي والأيام به

قال أبو حاتم: الحر والحرارة- وحر يومنا يحر بكسر الحاء حرا وحرارة. قال أبو نصر: قد قيل: يحر ولم أسمعه من الأصمعيّ. وفي القيظ: قاظ يومنا يقيظ قيظا وقد قظنا أي صرنا في القيظ.

وقالوا: أصفنا نصيف صيفا، ويوم صائف ويوم قائظ، والحرّة العطش وفي الأمثال:

حرّة تحت قرّة.

ويقال: صمخة الشّمس الخاء معجمة، وصمخة الحر أشد الصّمخ ودمغته الشّمس بحرّها أي أصابت دماغه فهي دامغة، والدّامغة أيضا: الجلدة التي فيها الدّماغ، وتدعى أم الدّماغ، والجميع الدّوامغ، وأنشد للعجّاج شعرا:

لهامهم أرضه وأفتخأم الصّدى عن الصّدى وأصمخ

وفتخته الشّمس فتخا مثل دمغته.

ووغيرة الغيظ أشدّ الغيظ حرّا.

والوقدة: سكون الرّيح واشتداد الحر، ويقال: يوم ومد وليلة ومدة وأنشد أبو زيد:

قد طال ما حلأتمونا لا نزدفخلّياها والسّجال تبرد

من حرّ أيام ومن ليل ومد

قالوا: والوغرة عند طلوع الشّعرى، وقد وغرنا وغرة شديدة، وغرنا أيضا وغرا، وأوغرنا أصابنا الحر الشّديد وأصابتنا وغرات.

وأصابتنا أكة من حرّ والأكة الحر المحتدم الذي لا ريح فيه، ويقال هذا يوم آكة بالإضافة، ويوم ذو آكة، وذو آك، وقد أكت يومنا وأنشد:

إذا الشّريب أخذته آكةفخلّه حتّى يبكّ بكّة

وقالوا في الأكة: شيء قليل من سدى.

والعكّة: الرّيح الشّديدة مع السّدى واللّثق الكثير، وهذا يوم عكّة بالإضافة ويوم ذو عكيك، وأنشد أبو زيد:

يوم عكيك يعصر الجلموديترك حمران الرّجال سودا

وقد عكّ يومنا يعكّ عكا ويوم عكّ على الإضافة. وليلة عك، ويوم عك على النّعت، وليلة عكّة كل هذا يقال.

والأجة: مثل الوغرة ومنها الأجيج والنّاجج من النّار وأوار الحر صلاؤه، وشدّته، وكذلك أوار النّار، ويوم ذو أوار وإنّ الحر الشّديد الأوار.

وإذا دنوت من النّار فوجدت حرّها في وجهك فذاك أوارها وأوار الهاجرة والسّموم، وهو ما يصيب وجهك من الحر الشّديد، وأنشد القحيف العامري:

ولا استقبلت بين جبال بمّوإسبيذ لها جرّة أوار
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

فأما قول لبيد:

أسبّ الكانس لم يؤر بهاشعبة السّاق إذا الظّل عقل

قوله: يؤر من الإرة وهو مستوقد النّار تحت القدر وغيرها، ويجمع على الأرات والأرين، وروي لم ياور، بها، مثل يعوت ويكون من الأوار إلّا غيره.

وحمّارة القيظ أشدّ ما يكون منه يقال: أتيته في حمارة القيظ، وفي حمر القيظ وفي حمرة القيظ، وحمر كل شيء أشدّه. قال أبو حاتم: وسألت الأصمعيّ، هل يقال: حمرة الشّتاء فقال: حمرة القيظ يعرف، وهاب أن يقال: حمرة الشّتاء والوديقة: شرّ الحر.

يقال: أصابتنا وديقة حرّ، ويوم ذو وديقة بالإضافة، وكذلك إذا دنت الشّمس من الأرض فيقال: ودقت الشّمس، وفلان يأتينا في الودائق أي في أنصاف النّهار في القيظ وأنشد:

ألم يكن حقا أن يتولّ عاشقتكلّف إدلاج السّرى والودائق

وصخدان الشّمس: محرك الخاء ومسكنه: شدّة الحر، ويوم صخدان وليلة صخدانة، وقد صخد يومنا بفتح الخاء، ويوم صاخد، وليلة صاخدة، والصّخد مثل الوسد، ويقال:

السّخد بالسين.

واللهبة: لهبة القيظ، ويوم ذو لهبان، ويقال: يوم وهجان، وليلة وهجانة وأتيتك في وهجان الحر، وإنّ يومنا لوهج، وقد وهج يومنا وهجا وتوهّج ووهج الحر وتوهّج الحر وأنشد:

لقد رأيت الظّعن الشّواخصاعلى جبال تهص المراهصا
في وهجان بلح له الوصاوصايوما ترى حرباءه محاوصا

يطلب في الجنفل ظلّا قالصا الجنفل: ما يحفل من السّحاب والظّل أي أسرع ويروى الجيفل وهو ما تناهى من كل شيء، والوصاوص: خرق البرقع الصغير وإنما يفعل ذلك نساء بني قيس، فأما نساء بني تميم فتحلّ المرأة برقعها، ومنه قول الشّاعر شعرا:

لهو لا بمنحول البراقع حقبةفما بال دهر لزّنا بالوصاوص

ويقال: قابت المرأة برقعها قوبا إذا جعلت لها عينا.

والوقدة أن يصيبك حرّ شديد في آخر الحر بعد ما يقال: قد أبردنا، ويستنكر الحر فيصيبك الحر بغير ريح ولا سدى فتلك الوقدة والوقدان وقيل الوقدة نصف شهر وعشرة أيام، وأقلّها سبعة أيّام، فأمّا اليوم واليومان فلا يعدونه وقدة.

ويقال: أصابتنا سبة من حرّ والسّبة نحو من شهر، ونصف شهر، وعشرة أيام.

ويقال: احتدم علينا الحرّ والاحتدام شدّة الحرّ مع همود الرّيح، ولا يقال مع الرّيح احتدم، ويقال: اسم يومنا وأحر إذا كان ذا سموم وحرور.

واللّفحة: إذ تحرّق جلده، وقد سفعت لونه السّموم.

وألفحته: وكافحته أي قابلت وجهه ليس بينهما سترة. ومنه قيل: كافحت الرّجل وكلّمته كفاحا وأنشد: ولا كافحوا مثل الذين يكافح.

ويقال: أتيته في معمعان الصّيف ومعمان الصّيف، وفي معمعان الحر، ويوم معمعان، وليلة معمعانة ومعمعاني ومعمعانية. قال ذو الرمة:

حتّى إذا معمعان الصّيف هبّ لهياجة نش عنها الماء والرّطب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

والرّمض: شدّة الحر على الأرض، وقد رمض التّراب ورمض الإنسان إذا أصاب جلده الرّمض، وقد رمضت الفصال إذا احترقت أخفافها بحر الأرض، وزعموا أنّ رمضان سمّي بذلك: لأنّهم حين سّموا الشّهور اشتقوا أسماءها مما يكون فيها، فسمّوا جمادى

لجمود الماء فيها، ورمضان لأنّ الفصال كانت ترمض فيه. وأنشد:

المستغيث بعمرو عند كربتهكالمستغيث من الرّمضاء بالنّار

وقيل: الرّمضاء: التّراب الحامي، ويقال: يوم ذو سموم ويوم سموم بالإضافة، ويوم سموم على النّعت. وقد اختلفوا في السّموم والحرور، فمنهم من يجعل السّموم بالنهار والحرور باللّيل، ومنهم من يجعلهما على العكس من ذلك.

والدّفاءة: مهموزة مثل الومدة وقد دفىء يومنا دفاء، والمعتدلات بالدّال غير معجمة أيّام شديدة الحر. وكان الأصمعي يقول بالذّال المعجمة، وكان ينشد بيت ابن أحمر:

حلّوا الرّبيع فلمّا أن تجلّلهميوم من القيظ حامي الودق معتدل
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «حلوا الربيع فلما أن تجللهم»

بالذّال (والمعتذلات) نحو من خمسة عشر يوما، وهي أيام الفصل في دبر الصّيف عند طلوع سهيل.

وقال أبو زيد: (السّكنة) مثل الوقدة، وكذلك السّختة، وقال أبو حاتم: هي فارسية.

قال رؤبة: (وأرض جسر تحت حر سخت) قال أبو زيد: يقال: باض علينا الصّيف، فإن قيل: القيظ والصّيف واحد، قيل: النّجم والكوكب واحد ولا يجوز أن يقال: في عين فلان نجم إنّما يقال: في عين فلان كوكب. وكلام العرب لا يختلف، والحرة شدّة العطش في الشّتاء والصّيف، ومثل العرب: حرّة تحت قرّة فهذا في الشّتاء وأنشد شعرا:

ما كان من سوقه أسقى على ظمأخمرا بماء إذا ما جودها بردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
من ابن مامة كعب ثم عى بهزؤ المنيّة إلّا حرة وقدى

زؤ المنية: قدرها. (وقدى): نعت للحرّة على فعلى وهو من التّوقد، ومن أمثالهم:

برد غداه حر غد من ظماء وأصله رجل أراد سفرا فأصبح فرآها باردة فقال: لا أحتاج إلى الماء، فصبّ ما كان معه فلمّا توقّدت الحران عطش، فقال: هذا لقيت منه ما يصر الجندب، أي حرّا شديدا، وفي المثل: علقت معالقها وصرّ الجندب للشّدة، ومن أمثالهم:

قيل للجندب: ما يصرّك؟ فقال: أصرّ من حرّ غد يضرب لمن يخاف ما لم يقع فيه.

ويقال: يوم ذي شربة أي يشرب فيه الماء الكثير من شدّة الحر، ويقال: يوم ومد ومصمقر وأنشد للمرار العدوي:

خبط الأرواث حتّى هاجهمن يد الجوزاء يوم مصمقر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «مثل عداء بروضات القطا»

ويقال: يوم أبت وأمت وحمت وهو مثل الومد وقد أبت يومنا وأمت وحمت وأتيته في حمراء الظّهيرة والظّهيرة الخوصاء أشد الظّهاير حرّا وأصله في النّجوم، يقال: تخاوصت

النّجوم إذا صغت للغروب، ويقال: ظهيرة شهباء لبياض غمسها وشرابها. قال عدي بن الرّقاع شعرا:

ودنا النّجم يستقلّ وحارتكلّ يوم ظهيرة شهباء
ورددن بالسّماوة حتّىكذبتهنّ غدرها والنّهاء

وقال أيضا: ظهيرة غرّاء، ويقال: هذا يوم يرمح فيه الجندب: أي يضرب الحصى برجله، لارتماضه. قال: ويشبّهون الشيء القليل اللّبث بسحابة الصّيف. قال ابن شبرمة الضّبي:

أراها وإن كانت تحبّ كأنّهاسحابة صيف عن قليل تقشّع
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أراها وإن كانت تحب كأنها»

قال الدّريدي: أفرة الصّيف: شدّة حر، وأنشد في شدة الحر:

لدن غدوة حتّى ألاذ بخفّهابقيّة منقوص من اللّيل صائف

يصف ناقة ركبت في الهاجرة، والظّل تحت أخفافها إلى أن صار الظّل كما وصف ويقال: لاذ وألاذ بمعنى.

وذكر صاحب العين يوم خدر شديد الحر، وأنشد لطرفة:

ومكان رعل ظلمانهكالمخاص الجرب في اليوم الخدر

ويقال: خدر النّهار إذا لم يتحرّك فيه ريح، ولا يوجد فيه روح. وقوله: وإن كان يوما ذا كواكب أشهبا. قال: كان اليوم ذا كواكب من السّلاح وأشهب أي يوم شمس لا ظلّ فيه.

قال آخر: ويوم كظلّ الرّمح والشّمس شامس، أي طويل لا ظلّ فيه لشدّته، وظلّ الرّمح يطول جدا في أوّل النّهار. وأنشد:

ويوم ضربنا الكبش حتّى تساقطتكواكبه من كلّ عضب مهنّد

قوله: تساقطت كواكبه: يعني به معظم الحر. وأنشد ابن الأعرابي:

قد شربنا بالثّريا حقبةورقينا في مراقي السّحق

قال: يطلع الثّريا في أول حدّ القيظ وفي آخر مطر الصّيف، فربما رؤيت في الفدين من الماء، فشربنا بالثّريا واستقصينا الجزء إلى آخره، وطلوع الثّريّا أول الجزء، وطلوع الجوزاء آخر انقطاع البقل، وقال: في مراقي السّحق يريد به: الضّياع. قال الأصمعي: وتقول العرب: استقبال الشّمس داء واستدبارها دواء وأنشد:

إذا استدبرتنا الشّمس درّت متونناكأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأزمنة والأمكنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.