من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب التّاسع والثلاثون في السّير، والنّعاس، والميح، والاستقاء وورود المياه
قال لبيد شعرا:
ومجود من صبابات الكدىعاطف النّمرق صدق المبتذل
قال: هجدنا فقد طال السّرىوقدرنا إن خنا العيش غفل
قل ما عرس حتى هجتهبالتّباشير من الصّبح الأول
يلمس الأحلاس في منزلهبيديه كاليهوديّ المصل
يتمارى في الذي قلت لهولقد يسمع قولي حين هل
(المجود): أصله الذي قد مطر جودا وجعله عاطف النّمرق لانثنانه في النّعاس وتمايل، ومعنى صدق المبتذل: إذا ابتذل نفسه للعمل كان صلبا، ومعنى (هجدنا): نومنا يريد أنّ السّير قد امتد واتّصل وأنّهم مالكون لورود المقصد إن سلموا من آفات العيش، وجعله لامسا لحلسه كاليهودي في صلوته لزوال تماسكه، وغلبة التّوابد قوله: (يتمارى) يبين به زوال تحصيله فهو شاك فيما يدركه بسمعه وإن كان مميز الماء يخاطب به أبا حية النّميري:
وأغيد من طول السّرى برحت بهأفانين مضاء على الأسّ مرجم
سريت به حتّى إذا ما تمزّقتتوالى الدّجى عن واضح اللّون معلم
أنخنا فلمّا أفرغت في لسانهوعينيه كأس السّحر قلت له قم
يودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنارحلنا وقلنا في المناخ له نم
حظاء الكره مغلوبا كأنّ لسانهبمارد من رجع لسان مرسم
ذكر ابن الأعرابي أنّ عقيل بن علقة خرج في سفر ومعه ابنه عملس وابنته الحرباء فقال شعرا:
قضت وطرا من دير أروى وربّماعلى عجل ناطحته بالجماجم
فقال لابنه: أجز، فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فينةتشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته أجيزي فقالت شعرا:
كأنّ الكرى يسقيهم صر خديهعقارا تمشّت في الطّلى والمعاصم
فقال: والله ما وصفتها حتى شربتها وضربه ابنه بسهم فاختلّ ساقه وقال شعرا:
إنّ بني رملوني بالدّممن يلق أبطال الرّجال يكلم
وما يكن من صعر يقومشنشنة أعرفها من أخزم
قال ذو الرّمة:
وليل كجلباب العروس أدّرعتهبأربعة والشّخص في العين واحد
أجم غدافي وأبيض صارموأعسر مهري وأشعث ماجد
أخو ثقة جاب الفلاة بنفسهعلى الهول حتى لوّحته المطارد
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمهوحيف المهاري والمهوم الأباعد
سقاه الكرى كأس النّعاس برأسهلدين الكرى من آخر اللّيل ساجد
أقمت له صدر المطيّ وما درىأجائرة أعناقها أم قواصد؟
ترى النّاشىء الغرّيد يضحى كأنّهعلى الرّجل مما منه السّير عاصد
قوله: (كجلباب العروس): في التشبيهات الظّريفة لأنّ اللّيل لا يشبه جلباب العروس إلا في سبوغه واتّساعه وقلة فرجه وتمامه ومثله قول الآخر شعرا:
إذا ما الثّريا طلعت في سنائهاطلاع العروس في ثياب جلاء
تنفّست من علمي بما البين صانعوإنّ ردائي ليس لي برداء
وإنما ذكر الثّريا لطلوعها في أطول ما يكون، وحينئذ تطلع في وقت غروب الشّمس وذلك في أوّل الشّتاء، فإذا طلعت طلعت في حمرة الأفق، فشبّهها في تلك الحالة بثياب العروس في حمرتها وسبوغها. قوله: (تنفّست): أي علمت أنّ الزّمان قد تغيّر عن هيئته، وأنّ الإنسان لا يكتفي من الكسوة بما كان يكتفي به قبل ذلك لتحرك البرد، وأنّ الأحياء تتفرّق فيطلبون المحاضر ويهجرون البوادي ولابن أم صاحب:
وفتية أرّقتهم من مهجعوالنّوم أحلى عندهم من العسل
لا يطعمون النّوم إلا قللاحسوا كحسو الطّير من ماء الوسل
قلت لهم: أصبحتم فارتحلواواللّيل ملق حلسه داني الظّلل
فنهضوا مائلة أعناقهمكأنّهم من الكلال والثّمل
شرب تساقوا قرقفا حمصيةكرّت عليهم عللا بعد نهل
وأنشد أحمد بن يحيى:
إني إذا ما اللّيل كان ليلينولجلج الحادي لسانين اثنين
لم تلفني الثّالث بعد العدلينساد الرّقئين منهم ذو البردين
الرّقئين: المتكابس، وقد يعد من هذا الباب قوله:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيةواضطرب القوم اضطراب الأرثيه
وشدّ فوق بعضهم بالأرديةهناك أوصيني ولا توصي بيه
وقال آخر:
يقول وقد مالت به نشوة الكرىنعاسا ومن يعلق سرى اللّيل يكسل
أنخ نعط أنضاء النّعاس دواؤهاقليلا ورقة عن قلائص ذبل
فقلت له: كيف الإناخة بعدماحدا اللّيل عريان الطّريقة منجل
وقال العجاج وذكر ماء:
كأنّ أرياش الحمام النّسلعليه ورقان القران النّصل
فويق طامي مائه المجللجفالة الأجن كحمر الجمل
يريد بالنّسل: السّاقطة، والقران: نبل صيغت صيغة واحدة وجعلها ورقا لأنّها إذا عرضت على النّار تسودّ فتصير ورقا، والنّصل: التي قد نصلت: أي خرجت من مواضعها، والمجلّل: المغطى بالعرمض وهو الطّحلب. قوله: جفالة: انتصب بالمجلّل وجفالة كل شيء ما أخذ منه، وقلع من أعلاه، يريد أنّ الماء قد يبس مثل العباية مما لا يورده، فعلاه مثل الحمر: وهو بقية الألية إذا أذيبت. والجمل: الذين يذيبون الشّحم يقال: جملت الشّحم وأجملته، والجميل الودك المذاب ومثل هذا قوله:
يتجفّل عن جمانه دلو الدّاليعانه غشراء من آجن طال
الغشراء: البيضاء إلى الدّسمة، والآجن: المتغيّر والطّالي: الذي عليه طلاوة وهو ما يلبسه. وأنشد في الاستسقاء:
قد علمت إن لم أجد معينالا خلطنّ بالخلوق طينا
يعني امرأته، أي استعملها في الاستسقاء إن لم أجد غيرها. وقال آخر يخاطب الدّلو:
تملئي ثمّ هلّمي حيّإلى سواد نازع مكبّ
يقول: ارتفعي إلى شخص المستقي وهو سواده والنّازع بالدّلو: هو المكبّ وقال آخر:
لترويّن أو لتبيدنّ السّجلأو لأروحنّ أصلا لا أشتمل
أي لا أقدر على الاشتمال من إعيائي وضعفي. وقال الآخر:
إن سرّك الريّ أخا تميمفاجعل بعبدين ذوي وزيم
بفارسي وأخي الرّوم
الوزيم: القوّة ورجل متوزم: أي شديد الوطء، أي اجعل السّاقين من جنسين مختلفين، لأنهما إذا كانا كذلك لم يفهم أحدهما كلام الآخر وكان أحثّ للعمل لقلّة الإنس بينهما. وأنشد في معناه:
وساقيان سبط وجعدوفارطان فارسن وبعد
وأراد وعاد فجعل الفعل بدله. وقال: وأنشده الأصمعي:
إذا بلغت قعرها فانشقّيواغترفي من تربها الأدقّ
انشقّي: انفتحي واجر ما فيها. ويقال: بل دعا عليها كأنه قال: انشقّي وحسبي أن بكون حظّك التّراب. وقال وذكر إبلا:
فوردت عذبا نقاحا سمهجافأعجلت شفتها أن تنفجا
نقاح عذب وسمهج: مثله يعني أنّ الإبل جاءت عطاشا، فلم ينتظروا بها أن يبلوا الدّلاء فألقوها كما هي يابسة. قوله وردت: قد تكلّم النّاس فيه من قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
الآية ومن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
فمنهم من يقول: إنّ الورود يقتضي الاختلاط بالمورود ومشافهته والدّخول فيه، بدلالة قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
فكيف ينجّيهم منها وهم لم يأتبسوا بها، فعلى قولهم يجب أن يكون قد حتم على نفسه إيراد الخلق جميعا النّار، ثم ينجّي منها المتّقين ويذر فيها الظّالمين. والحكمة في ذلك أن يشاهد المؤمنون موضع الكفّار، فتكثر لديهم مواقع النّعم ويزدادوا اعتدادا وفرحا بما منحهم الله تعالى، قالوا:
وتصير النّار عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ﵇ في الدّنيا وإن كانت على الكفار عقوبة وعذابا، واستدلّوا على ما قالوا بقوله تعالى: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
فإنه لم يقل ويدخل الظّالمين.
وقال بعضهم: إنّ هذا يعني به الكفّار خاصة، واحتجوا بقراءة بعضهم: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
مسوقا على قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
الآية. ويكون على هذا التأويل وفي هذا المذهب قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
يراد به يخرج المتّقين من جملة من يدخل النّار فكأنّ الخلق على اختلاف طبقاتهم، يردون عرصة القيامة ثم يفترقون فرقا على ما بيّن الله تعالى في غير هذا الموضع.
وقال أهل النظر وكثير من المفسّرين منهم الحسن وابن مسعود وقتادة: ليس الورود من الدّخول في شيء. ألا ترى أنّ الأصل في ذلك قصد المشارع والمناهل وقصدها ليس بالخوض فيها يدل على ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
فالورود البلوغ إلى الماء ثم توسّع فيه فاستعمل في بلوغ كلّ مقصد يقولون: وردنا بلد كذا وكذا.
وقال الخليل: الورد، يوم وقت الورود بين الظماءين، يقولون: وردت الطيّر الماء وردا ووردته أورادا وقال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
وقالوا: أرنبة واردة وهي المقبلة على السّبلة وقال تعالى: فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ
يراد طالب الماء منهم وبالغه. وقال زهير:
فلمّا وردن الماء زرقا جمامهوضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
وهذا أصدق شاهد على أنّ الورود ليس بالدّخول، والحجة القاطعة في أنّ المؤمنين وإن حضروا حول جهنّم مع الإنس والجن للحتم المقضي، والوعد من الله الزكي، فإنّهم مبعدون عن النّار قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
ونرجع إلى إتمام الباب لأنّ هذا عارض عرض. وقال عجيز السّلولي:
ولي مائح لم يورد الماء قبلهمعلّى وأشطان الطّوى كثير
(المائح): الذي يصير في البئر فيملأ الدّلو من الماء إذا قلّ الماء. قال:
يا أيّها المائح دلوي دونكاإنّي رأيت النّاس يحمدونكا
واستعارة العجز لمن كان يمنحه عند السّلطان ويستخرج له ما عنده ويعينه.
والمعلّي الذي رشاؤه فوق الأرشية. ويقال: هو الذي إذا زاغ الرّشاء عن البكرة علاه فأعاده إليه. وأنشد الأصمعيّ شعرا:
ما ليلة الفقير إلّا شيطانمجنونة تودي بروح الإنسان
يدعى بها القوم دعاء الصّمانوهنا من الأنفس غير عصيان
الفقير: بئر قليلة الماء ورودها وجعلها شيطانا لما يلقون فيها من التّعب، المعنى أنهم فتروا وضعفوا فكأنّهم صمّ من النّعاس، وإنّما وصف قوم وردوا وسقوا وهنا من الأنفس: أي ضعفا من الأنفس لا عصيانا للرّاعي. ومثله لذي الرّمة:
كأني أنادي مائحا فوق رحلهاوفي غرفة والدّلو ناء قليبها
وقال الرّاعي:
حتّى وردن أتمّ خمس بايصجدرا تعاوره الرّياح وبيلا
سدما إذا التمس الدّلاء نطافهصادفن مشرقه المثاب دحولا
البايص: السّابق، والبوص: الفوت والسّبق أي أتم خمس وبعده. والجدر: البئر الجديدة الموضع من الكلأ، والوبيل: الثّقيل غير المريء. سدم: مندفنة، والنطاف: المياه.
والمثاب: هاهنا الموضع الذي يثوب منه الماء، يقال: هذه بئر لها ثائب، والمثاب في غير هذا الموضع قد يكون مقام السّاقي، والدحول: بئر لها إرجاف. وأنشد الأصمعيّ:
أعددت للورد إذا الورد خفزعريا حرورا وجلا لا خزخز
وما دحا لا ينثني إذا احتجزفي كلّ عضو جرذان وخزز
شبّه عضل المائح ولحمه المتفرّق في أعضائه بالجرذان. والخزز: هو ذكر اليرابيع هنا وفي مثله قال أبو النّجم شعرا:
في لحمه بالقرب كالتّزيلينماز عنه دخل عن دخل
أي تنفرج أعضاؤه من ثقل الدّلو وينماز: يصير كل قطعة لحم منه على حدة إذا تمطّى من ثقل الدّلو: يريد أنّ لحمه صار كتلا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع