تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

فصل [في حكاية قصة ترتبط بالقيافة]

وقال هشام الكلبي: حدّثني أبي عن أبي الذّيال بن نغر عن الطّرماح بن حكيم الشاعر، قال: خرج خمسة نفر من طيء من ذوي الحجى والرأي (منهم برج) بن مسهر وهو أحد المعمرين و (أنيف بن حارثة بن لام) و (عبد الله بن) سعد بن الحشرج أبو حاتم طيء و (عارق) الشّاعر و (مرة بن عبد رضا) يريدون سواد بن قارب الدّوسي وكان كاهنا ليمتحنوا علمه، فلمّا قربوا من السّراة قال ليخبّئ كل واحد منكم خبيئا، ولا يخبر به صاحبه، لنسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه وأحللنا عنه، وأحللناه محله، فخبأ كلّ واحد منهم خبيئا.

ثم صاروا إليه فأهدوا له طرفا من طرف الحيرة وإبلا فضرب عليهم قبة ونحر لهم، فلما مضت ثلاث دعاهم فدخلوا عليه فتكلّم برج وكان أسنّهم فقال له: جادك السّحاب- وأمرع لك الحباب- وضفت عليك النّعم الرّغاب- نحن أولو الآكال- والحدائق- والأغيال- والنّعم الجفال- ونحن أصهار الأملاك وفرسان العراك- يورّي عنه أنّه من بكر بن وائل.

فقال سواد والسّماء والأرض- والغمر- والبرض- والقرض- والفرض- إنّكم لأهل الهضاب الشمّ- والنّخل العم- والصّخور الصمّ- من أجاء العيطاء- وسلمى ذات المرقبة السّطعاء- فقالوا: إنا لكذاك، وقد خبّأ كلّ رجل منّا خبيئا لتخبر الرّجل باسمه وخبيئه. فقال لبرج:

أقسم بالضّياء والحلك- والنّجوم- والفلك- والشّروق والدلّك في أسنخة الفلك لقد خبأت برثن فرخ- في إعليط مرخ- تحت أسرة الشّرخ. قال: ما أخطأت شيئا، فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر عصرة المعور وثمال المحجر.

ثم قام أنيف بن حارثة فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ فقال سواد- والسّحاب والتّراب- والأسباب- والأحداب والنّعم الكتاب- ويروى الكباب- لقد خبّأت قطامة فسيط، وقذّة مريط، في مدرة من مدى مطيط فقال: ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ فقال: أنت أنيف- قاري الضّيف- ومعمل السّيف- وخالط الشّتاء بالصّيف.

ثم قام عبد الله بن سعد فقال: ما خبيئي ومن أنا؟ فقال سواد أقسم بالسّوام العارب والوقير الكارب- والمجد الرّاكب- والمشيح الجادب- لقد خبّأت نغاثة فنن- في قطيع قد مرن- من أديم قد جرن- فقال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: سعد النّوال- عطاؤك سجال- وشرّك عضال- وعمدك طوال- وبيتك لا ينال.

ثم قام عارق فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد أقسم بنقف اللّوح- والماء المسفوح- والفضاء المندوح- لقد خبّأت زمعة طلى أعفر- في زعنفة أديم أحمر- تحت حلس نضؤ أدبر- قال ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ قال: أنت عارق ذو اللّسان العضب- والقلب النّدب- مضاء الغرب- مناع السّرب- مبيح النّهب.

ثم قام مرّة بن عبد رضا قال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد: أقسم بالأرض والسّماء- والبروج والأنواء- والظّلمة والضّياء- لقد خبّأت دمة- في زمة شيط لمة- قال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: أنت مرة السّريع الكره- البطيء الغرة الشّديد المرة- القليل الغرة.

قالوا فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك، فقال سوادا: أقسم بالنّاظر من حيث لا يرى- والسّامع من قبل أن يناجي- والعالم بما لا يدري- لقد عفت لكم عقاب عجزاء- على

شناغيب دوحة جرداء- تحمل جذلاء- فتماريتم إمّا يدا وإمّا رجلا، قالوا: كذلك كان ثم مه قال:

سنح لكم قبل ترجّل الشّروقسيدا مق على ماء طروق

قالوا: ثم ماذا؟ قال: ثم تيس أفرق- فسند في إبرق- فرماه الغلام الأزرق- فأصاب بين الواهلة والمرفق- قالوا: صدقت وأنت أعلم من تحمل الأرض ثم انصرفوا فقال عارق شعرا:

ألا لله علم لا يجارىإلى الغايات في جنبي سواد
أتيناه نسائله امتحاناونحسب أن سيبعل بالعناد
نسائل عن خفي مخبئاتفأضحى سرّها للنّاس باد
حسام لا يليق ولا تثاثاعن القصد الميمّم والسّداد
كأنّ خبيئنا لمّا انتخبنابعينيه يصرّح أو ينادي
فأقسم بالعشائر حيث قيسومن نسل الأقيصر باللّباد
لقد جزت الكهانة عن سطيحوشق وكم فل من الإياد

تفسير ما يشكل منه، (النّعم): الرّغاب هي الكثيرة منه (وأولو الآكال): يريد القطائع وكانت ملوك الحيرة تقطع بكر بن وائل ولم يكن ذلك لغيرهم. و (الأغيال): جمع الغيل:

وهو الماء الجاري وبطن الوادي. وقوله: (نحن أصهار الأملاك): يريد بنت عمرو بن الحارث الملك الكندي أم أناس منهم وهم أصهار ملوك لخم أم عمرو بن امرئ القيس الذي كان يقال له: ابن ماء السماء- وابن ماء المزن. و (الغمر): الماء الكثير، و (البرض):

الماء القليل و (النّخل العم): الطّوال، و (العيطاء): الطّويلة، و (السّطعاء): الطّويلة العنق، و (أجاء وسلمى): جبلان. (الحلك): الظلمة، (الدّلك): السّواد، (البرثن) الإصبع، و (الشّرخ): من الرّجل بمنزلة القربوس من السّرج، و (الإعليط): وعاء تمر. (المرخ):

مثل وعاء الباقلي، و (المرخ): شجر، و (العصرة): الملجاء و (المعور): الذي قد ظهرت عورته، و (الثمال): العصمة و (المحجر): الذي قد احجرته السّنة. و (الأصباب): جمع الصبب وهو المنحدر من الأرض، و (الأحدب): جمع حدب وهو المرتفع من الأرض، (الكتاب): المجتمع- والكباب الكثير، و (القطامة): ما قطعته بأسنانك، و (الفسيط):

قلامة الظفر، و (المريط): سهم تمرط ريشه، و (المدى): ما سال من الحوض من الماء، و (المطيط): الخاثر بما بقي في الحوض من الماء، و (الوقير): القطيع من الغنم برعائه، و (العازب): البعيد في المرعى، و (القارب): القريب، و (الجادب): العائب، و (النغاثة): ما ترميه من السّواك، و (النّفنف): الهواء بين السّماء والأرض، و (جرن

ومرن): بمعنى لان، و (اللّوح): الهواء، و (العفرة): حمرة أشربت غبرة، و (الزعانف):

أطراف الأدم، و (الحلس): البرذعة والكساء، و (النضو): الذي أنضاه السّفر، و (الأدبر والحرب والسّرب): المال الرّاعية، و (النّدب): الخفيف، و (الدّمة): النّملة الصّغيرة، و (الرّمة): العظم البالي، و (المشيط): ما سقط من الشّعر عند المشط، وإذا كانت الرّيشة البيضاء ظاهرته فالعقاب عجزاء. وإذا بطنت فهي كسعاء. و (الجذل): العضو بكماله، و (الشّناغيب): أطراف الغصون العلى، و (الأمق): الطّويل، و (الراملة): رأس العضد الأعلى، و (الأبرق): حجارة اختلط بها طين، و (البعل): والبقر الدهش ويقال تثأثأ الرجل عن المكاره، إذا زال، و (اللّباد): موضع.

ومما رواه محمد بن إسحاق قال: ذكر وقع باليمن من الحبشة فيما بلغني عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروي الأحاديث ويرغب في جمعها يحدث بعضهم عن بعض الحديث، وبعضهم يحدّث بعضا كل ذلك قد اجتمع فيما أذكره، أنّ ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التّبابعة من حمير يقال له ربيعة بن نصر، وكان قبل ملكه باليمن ملك تبّع الأول ثم كان بعد تبع شمر بن عش بن ياسر بن ينعم الذي غزا الصّين وبنى سمرقند- وحير الحيرة وهو الذي يقول:

أنا شمر أبو كرب اليمانيجلبت الجند من يمن وشام
لناتي أعبدا مردوا عليناوراء الصّين في غيم ويام

وإنّ الملك ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، فبعث إلى الخيرة من أهل أرضه والكهان والسحار والعراف والمنجمين ثم جمعهم فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا أفزعتني وهالتني فأخبروني بها، فقالوا: أقصصها علينا نخبرك بتأويلها، فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عنها أنّه لا يصيب تأويلها إلا الذي يخبرني بها قبل أن أخبره، فلما قال لهم ذلك، قال رجل من القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فهما يخبرانه عما رأى من ذلك وهما أعلم من بقي، وكان سطيح رجلا من غسّان يقال له: سطيح الذئبي نسب إلى ذئب بن عدي بن مازن بن غسان وكان شق رجلا من قسر بن عبقر بن أنمار، وكانا كاهني اليمن في ذلك الزّمان وإليهما انتهت الكهانة، فأرسل الملك ربيعة بن نصر إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فدخل عليه فقال له الملك: يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها حين رأيتها وإنّك إن تصبها قبل أن أخبرك عنها أصبت تأويلها.

قال: رأيت حممة خرجت من ظلمة- فوقعت تهمة- وفي رواية فوقعت بين روضة وأكمة. فقال الملك: ما أخطأت من رؤياي وسمه، فما عندك في تأويلها يا سطيح؟ قال:

أحلف بما بين الحرتين من حنش- لتنزلّن أرضكم الحبش- وليملكنّ ما بين أبين إلى جرش. قال له الملك: وأبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ وموجع فمتى هو كائن يا سطيح؟

أفي زمني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين- أكثر من ستين أو سبعين- يمضين من السّنين.

ثم يقتلون فيها أجمعين- أو يخرجون منها هاربين. فقال له الملك: ومن الذي يقتلهم، ويلي ذلك من إخراجهم؟ قال الذي يليه ابن ذي يزن- يخرج عليهم من عدن- فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال الملك: أيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال سطيح: بل ينقطع. قال ومن يقطعه؟ قال: نبي مكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هذا النّبي يا سطيح؟

قال: رجل من دار غالب بن فهر بن مالك بن النّضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.

قال له الملك: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون- يشقى فيه المسيئون- ويسعد فيه المحسنون. قال له: أحقّ ما تقول يا سطيح؟ قال له: نعم والشّفق والغسق والقمر إذا اتّسق إنّ ما نبّأتك لحقّ.

فلما فرغ من مسألته خرج من عنده وقدم عليه شق فقال له الملك مثل ما قال لسطيح، فقص عليه الرؤيا على ما قصّها سطيح، فقال الملك: ما تأويلها يا شق؟ قال:

أحلف بما بين الحرّتين ليغلبنّ على أرضكم السّودان وليملكنّ كلّ طفلة البنان- ولينزلنّ ما بين أبين إلى نجران- قال الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال بل بعده بزمان- ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، فيذيقهم أشدّ الهوان. قال له الملك: ومن هذا العظيم الشّان يا شق؟ قال: غلام ليس يدني ولا مدن- يخرج من بيت ذي يزن- قال: فهل يدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل- يأتي بالحق والعدل- بين أهل الدّين والفضل- يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل- قال له الملك: وما يوم الفصل يا شق؟ قال: يوم يجزي فيه الولاة ويدعى فيه من السّماء دعوات، يسمع فيه الأحياء والأموات، ويجمع النّاس فيه للميقات، فيكون فيه لمن اتّقى الفوز والخيرات. قال له الملك: أحقّ ما تقول يا شق؟ قال: إي وربّ السّماء والأرض- وما بينهما من رفع وخفض- إنّ ما نبأتك به لحقّ ما فيه من أمض- فلمّا فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أنّ ما ذكرا له كائن من أمر السّودان فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك الفرس يقال له سابور بن خرزاد فأنزل الحيرة. وفي غير هذا أنّه قال للمنجّمين والكهنة لمّا سألوه أن يقصّ عليهم رؤياه أنّها انسلخت منّي فقالوا: ما عندنا علم المنسلخ ولكنّا ندلّك على من يعلم.

قال الدّال على الفعل كفاعله فأرسل مثلا فقالوا: أرسل إلى سطيح الغسّاني فإنّه يخبرك، فدعا سطيحا فأتي به محمولا ولم يكن له عظم كان مستلقيا دهره يفتي النّاس يأتيه رئي من الجن بأخبار السماء، وما يحدث في الأرض ولم تكن الشّياطين ممنوعة من الاستراق إذ ذاك، وإنما رجمت بالنّجوم وحجبت بعد مولد النبيّ ﷺ، فالمسترق للسّمع الآن يرمى بنجم فيصيبه ولا يقتل بل يبقى مخبولا إلى يوم القيامة.

وفي حديث إنّ الشيطان إذا رجم وخاف الاحتراق رمى بنفسه في البحر.

وفي هذا الحديث أنّ سطيحا قال: أحلف بآله ما بين الحرتين إلى جرش- وما بينهما من ذي ناب وحنش- ليقطعنّ أرضكم الحبش- فليقتلنّ من دبّ وانكمش. وفي رواية الشّرقي ابن القطامي أنّه قال: فمن يلي قتل الأحبوش. قال: غلام من ذي يزن- يأتي ببني الأحرار من قبل عدن- فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: فهل يدوم ملك بني الأحرار أو ينقطع؟ قال: يقطعه نبي زكي- يأتيه الوحي من قبل العلي. قال ومن هذا النّبي الزكي؟ قال:

رجل من ولد النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر.

قال الكلبي: اسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذّئب بن الحارث.

وقال الشّرقي: أخذته ذئبة- وهو طفل فذهبت به إلى غيضة- فجعلت تغذوه بأنواع الثّمار حتى أدرك واشتدّ فهرب منها وأتى قومه فخبرهم بقصّتها، وأقبلت في أثره كالأم الثّكلى تطلب ولدها فرموها حتّى قتلوها.

قال هشام: وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار.

قال: وحدّثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيى السّاخي في إسناد ذكره ينتهي إلى سعيد بن مزاحم. وحدّث أبو الحسن علي بن حرب الطّائي في إسناد ذكره ينتهي إلى مخزوم بن هانىء المخزومي، فقال: حدّثني أبي وقد أتت له خمسون ومائة سنة قال: لمّا كانت اللّيلة التي ولد فيها النّبي ﷺ ارتجس إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السّماوة وكان منقطعا قبل ذلك بألف عام.

ورأى مؤبذ المؤبذان إبلا صعابا- تقود خيلا عرابا- قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبّر عليه. ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فأخبرهم بالذي رأى فبينا هم كذلك، إذ ورد عليهم كتاب بخمود النّار فازداد غمّا إلى غمّه.

قال مؤبذ الموبذان: وأنا أصلح الله الملك، فقد رأيت في هذه اللّيلة ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال كسرى: أيّ شيء يكون هذا يا مؤبذان؟ قال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النّعمان بن المنذر، أمّا بعد فوجّه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة الغسّاني، فلمّا قدم عليه قال: هل عندك علم بما أريد أن أسألك قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم وإلّا دللته على من يعلمه ويخبره فأخبره بما رأى. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف الشّام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتيني بجوابه، فخرج عبد المسيح حتى ورد على سطيح، وقد أشفى على الموت، فسلّم عليه وحيّاه فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول شعرا:

أصمّ أم يسمع غطريف اليمن؟أم فاظ فأزلم به شاء والعنن
يا فاضل الخطّة أعيت من ومنوكاشف الكربة في الوجه الغضن
أتاك شيخ الحي من آل سننوأمّه من آل ذئب بن حجن
أزرق جهم الوجه صرار الأذنأبيض فضفاض الرّداء والبدن
لا يرهب الرّعب ولا ريب الزّمنوهو رسول العجم يسري للوسن
يجوب في الأرض علندن ذو فرنبلغه في الرّيح يوغاء الدّمن

كأنما حثحث من حضني ثكن

فلمّا سمع سطيح شعره فتح عينيه، ثم قال: عبد المسيح على جمل طليح- ويروى مشيح- يخبّ إلى سطيح- وقد أوفى على ضريح، بعثك ملك بني ساسان- لارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في البلاد، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السّماوة، فليست الشّام لسطيح شاما، يملك منهم ملك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فثار عبد المسيح إلى رحله وقال شعرا:

شمّر فإنّك ماضي الهمّ شميرلا يفزعنّك تفريق وتغيير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهمفإنما الدّهر إفراط دهارير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
فرّبما أصبحوا يوما بمنزلةتهاب صولتهم أسد مهاصير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وربّ يوم له ضحيان ذي أمرسارت بلهوهم فيها المزاهير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وأسعدتها أكف غير معرفةبحّ الحناجر تثنيها المعاصير
من بين لاحقه الصّقلين أسفلهاوغث وعسلوج بادي المتن محصور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
منهم أخو الصّرح بهرام وإخوتهوالهرمزان وسابور وسابور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
والنّاس أولاد علّات فمن علمواأن قد أقلّ فمحقور ومهجور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وهم بنو أمّ من رأوا له نشبافذاك بالغيب محفوظ ومنصور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
والخير والشرّ مقرونان في قرنفالخير متّبع والشّر محذور
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «كل الأمور فميسور ومعسور»

وفي غير هذا أنّ الملك قال لعبد المسيح: هل بقي في العرب أحد يخبرنا عمّا نسأل عنه؟ قال: نعم ابن عم لي بباب الجابية يقال له سطيح، وكان سطيح لحما يحمل في جلد لم يخلق له عظم، وإذا أرادوا تحويله من موضع طوي كما يطوى القرطاس، فإذا أرادوا أن يتكهّن مخض كما يمخض الزّق ثم علاه بهر وعرق، وعلته برحاء ثم تكهّن. (وفيه) فلما قدم على كسرى أخبره بالخبر، فقال كسرى: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا يذهب دهر طويل، وكان الرّجل منهم ربّما ملك مائة سنة فهلك منهم تسعة في أربع سنين، وظهر أمر رسول الله ﷺ.

وحدّث أبو المنذر عن شيوخه عن زفر بن زرعة قال: خرجت مع نفر من قومي في الشّهر الحرام في بغية لنا فسرنا ثلاثا حتى إذا انخرقت لنا الفلاة نزلنا واديا موحشا فعقلنا رواحلنا. وقام رجل منّا فنادى بأعلى صوته: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ من فيه، وكذا كنّا نفعل في الجاهلية. وذلك قوله ﷿: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً

قال: فلما أبهار اللّيل وقد نام أصحابي وقعدت أكلؤهم وقد كنّا تحدثنا بخروج النبي ﷺ بمكة، وشاع خبره في العرب، سمعت هاتفا يقول: يا وزر بن خوتع بن غزوان- هل راعك اليوم حديث الرّكبان؟ عن نبأ أيقظ كلّ وسنان- فأجابه آخر شعرا:

أربت يا هوبر من داع دانروّعت معمود الفؤاد روبان

(أربت) قطّعت إربا، و (المعمود): الذي قد عمد المرض فؤاده، وروبان ناعس ثقيل مسترخ من النّعاس جل فقد أشأزت قلبي الحيران- وقال الأول: قد لفظت مكة ذات أشبره.

جمع شبر وهي أربعة آمار ما كان أبونا أثره امار علامة أثره. رواه أنّ امرأ بين المنطباح الضّفر، أي متداخل بعضها في بعض قد نجم القول الذي قد أظهر. فقال الثّاني:

إن كان يا بن نعجة بن صبرهما قيل حقا فابعثن حبشرة
في آل ز لقوم وآل سجرهإنّ التي بنخلة المستغفرة

حلت بها أم اللميم القشرة

العرب كانوا يستنفرونها فإذا صوّت كصوت الرّعد من أحد أعداء الوادي يقول:

إن كان ما أنبأتما قد كانافقد أقم القلت الأوثانا
ولم تزو جنانها الكهاناوصادفت دون العلى شهبانا

يمنعها أن تغرب الأغنانا

(أقم الفحل): شوله. إذا ضربها كلّها و (الأعنانا): نواحي السّماء. ثم صرخ صرخة اشتعل منها الوادي نارا، فخررت صعقا، فما استيقظت إلا بأصوات أصحابي فاظ واللّات فاظ ذللا فانتبهت، واقتصصت عليهم قصّتي ورجعنا من سفرنا وقد شاع خبر النبي ﷺ في العرب.

وحكى الهيثم بن عدي عن شيوخه قال: انطلقت أمّ مالك وطيئ ابنا سبأ وهما ابنا أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان حين ترعرعا إلى كاهنة يقال لها: شهيرة بأرض سبأ بموضع يقال له: بلخع لتنظر إليهما وتقول فيهما، وساقت معها إبلا فوجدت في طريقها سحق نعل، فجعلتها في كرية نخل، ثم دفعتها إلى رجل معها من قومها يقال له: صعل، فقالت: أخبىء هذا معك حتى نثور الكاهنة بشيء قبل المسألة، فلمّا انتهت إليها عقلت ببابها ثم قالت: يا شهيرة إني قد خبّأت لك خبئا فأخبريني به قبل المسألة، فقالت: أقسم بالشّمس والقمر، والكثكث والحجر- والرّياح والمطر، لقد خبّأت لي جلد بقر أشعر، وما به شعر محضر، أو ما به حضر. قالت أحلف بالسّهل والجبل والجدي والحمل، والقمر إذا أفل، وما حنّ بنجد من جمل، أن قد خبّأت لي فرد نعل، في كرنافة نخل- مع رجل يدعى صعل- رب شاة وحقل، قالت:

صدقت فأخبريني عمّا جئت أسألك عنه، قالت: تسألين- عن غلامين ولدا في يومين- في بطن توأمين، (أحدهما): ربعة جعد، تعني طيا، و (الآخر): سبط نهد تعني مالكا. قالت:

صدقت، فأخبريني عنهما، قالت: أهما معك؟ فأراهما أم نسجع نبقت عنهما؟ قالت: هما معي فنظرت إليهما ثم أقبلت على مالك فقالت: يكون من ولده قبائل وعدد ومصاليت نجد، ورأس وكتد وحق وفند، يصيبون ويصابون، ويلحم عليهم ويلحمون الحق لا المين.

ثم نظرت إلى طيء فقالت: يكون في ولده سماح وجلد وإباء ونكد وعرام وسدد يأكلون ولا يؤكلون، شديد والكلب، قليلو السّلب، الحق لا الكذب.

فهذا عنوان ما يحكى عن كهانتهم وغيض من فيض ما يتلى من آياتهم وعبرهم وكلّ ذلك كان قبيل ما أراد الله تعالى اطلّاعه من شأن النّبوة بعد الفترة الممتدة، لأنّه هو الحكيم العالم يسبّب الأسباب لما يقضيه- ويهيئ الآراب والدّواعي لإتمام ما يمضيه، ويزيح العلل عما يتعبدّ به، ويسهّل الطرق إلى ما يدعو إليه حتى تصير المدارج صاحبة للسّالكين والدلائل متوافية للنّاظرين والمراصد ظاهرة للمعتبرين، وأبواب الفلاح مفتتحة للمسترشدين.

فلما دنا وقت خلق النبي ﷺ واصطفائه إيّاه لبعثه ورسالته وكان في الجنّ من يقعد

للسّمع إلى سكان السماء والمتصرفين فيما يجري عليه أهل الأرض من خير وشر، ورفع ووضع فيؤدّي ما يدركه إلى الكهنة، فيتسوقون به ويدعون علم الغيب فيه، حكى الله تعالى أمرهم في ذلك في غير موضع، وبيّن أنّ الجنّ عزلوا عمّا كانوا يتولّونه من التقاط الأنباء من أهل السّماء وبثّها فيمن كان يعبدهم من السّحرة والكهنة.

فقال عزّ وعلا: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً

وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً

يريد أنّا طلبنا السّماء جريا على عادتنا من قبل في التسمّع إلى أهلها وقد حجبنا الآن دونها وملئت بمن يحرسها منّا ويرمينا بالنّار إذا تعرّضنا له.

ثم ختم الكلام في الحكاية عنهم بأنّهم قالوا: لا نعلم ماذا أريد بما فعل لأهل الأرض من الغيّ أو الرّشد أو الصّلاح، أو الفساد يريدون ما خفي عليهم من ايتناف الرّسالة واستحداث الشّريعة والدّلالة على أنّ لمسنا طلبنا قول الشاعر وهو يرثي ابنا له:

هوى ابني من أشرفيهول عقابه صعده

ثم قال:

ألام على تبكيهوألمسه فلا أجده

فاقتران الوجدان بقوله ألمسه: يدل على أنّ المراد به أطلبه فلا أجده، وقال تعالى في موضع آخر: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ

يريد تنزيه وحيه وتثبيت رسالته على لسان نبيّه.

فإن قيل: إذا كان أمر الكهّان مع شياطين الجن على ما ذكرت ومؤدّى الغيب على ألسنتهم من نقلهم كما اقتصصت، فما الفرق بين أخبار النّبي وأخبارهم؟ وبماذا يتميز ما مبناه على الحق والصدق لا تبديل يصحبه ولا خلف يعترض فيه مما هو بخلافه، ومبناه على التّمويه والتّشبيه والمخرفة والتّزويق؟! قلت: إنّ أولئك الكهّان إنمّا تكهّنوا في أثناء أيام الفترة المتأخرة، وقبل طلوع سوابق المعجزة، واستقام لهم ذلك لمّا أراد الله تعالى من تمرين النّاس على ما يريد إظهاره من إعلام النّبوّة يدل على هذا أنّه لم يحك ما يشبه بلاغاتهم عند الإخبار والاستخبار فيما تقادم من أخبار ملوك قحطان وعدنان والذوين والتّبايعة وفيما ذكر قبلهم من أخبار طسم وجديس، ومن كان في الجاهلية الجهلاء، وإنّما قامت أسواقهم في أيام النّعمان والمنذر ابن ماء السّماء وأشباههم.

وإذا كان الأمر على هذا فكما تناهت البلاغة نظما ونثرا على ألسن فصحاء العرب لتعقبها التّحدي بالقرآن، فبيّن شأن الإعجاز، كذلك تعالت أشواطها الكهّان والحزاة فيما تهاذوا به وادّعوه في أوقاتهم من علم مكتمن الأخبار ليعلوها شأن النّبي عليه الصّلاة السّلام في إعلان المغيبات- وسائر ما أتي به من البيّنات.

هذا وقد كان امتلكتهم صرفة من قبل الله تعالى تمنعهم فيما يأتونه من ادّعاء نزول الوحي عليه.

فإن قيل: بماذا يتفصّل، مما قال لك إنّ التّحدي بالقرآن- وعجز من في زمانه عن الإتيان بمثله وبأقلّ سورة منه ضمن تصوير المراد من تباري الخطباء والشّعراء، والوصّاف والبلغاء؟ إذ كان انبعاث هممهم- وتحرّك شهواتهم- واهتياج طبائعهم له لا داعي إليها، ولا مسبّب لها عند الفحص والتأمل إلّا ذلك ويكشفه ما تراه من مساعدة دخلائهم من غيرهم وتعاونهم عند الأخذ عنهم في طلب الزّيادة عليهم كلّ ذلك لتصير المعجزة في كلّ أوان مجددة- كما كانت في زمانهم محققة فما العذر في الكهانة؟ وكيف ينماز حالها عما خلّدته النّبوة؟ قلت: إنّ النّبوة غايتها لا تدرك لأنّها محفوفة بالصّدق والنّزاهة والآيات البيّنة وعليها واقية من قبل الله تعالى يبعدها من الرّيبة، ويحفظها من درن الشّبهة والظّنة، والكاهنين قد بيّن الله تعالى حاله في محكم كتابه فقال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ

فحالهم حال المنجّم فيما يحكم به وهو يردّد بين مصدّق ومكذّب ومؤمن به ومبطل، وإذا كان الأمر على هذا انسدّت طرق المعارضات فالاكتفاء في تبيّن أمرهم بما ذكرته واجب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث والأربعون في ذكر العيافة والقيافة والكهانة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.