من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل في القيافة والعيافة
فأمّا القيافة: فقد خصّ بها قوم من العرب، وإنّما هو في الأنساب خاصة وقد ثبّتها النبي ﷺ، ويحكم بها الشّافعي وأصحابه، ويلحقون بها الولد وهذه فضيلة خصّت بها العرب. روى سفيان بن عيينة عن الزّهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأعرف السّرور في وجهه، فقال: ألم تري أنّ مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد وعليهما قطيفة وقد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض، وهذا استدلّ به الشّافعي وذكره المزني فيما حكى من مذهبه.
وروي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ دعا قائفا لرجلين ادّعيا ولدا فقال: لقد اشتركا فيه، فقال عمر للغلام: وال أيّهما شئت. وروي أنّ أنسا شكّ في ابن له فدعا القافة
للنّظر في أمره. وهذه الأدلة تسوّغ في الدّين القيافة، وإنّما هي علم يتتبع أثرا أرشد الله له قوما خصّهم بفضيلته ويقال: قفاه وقافه واقتافه واقتفاه بمعنى. وفي القرآن: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
وأمّا العيافة ففعل الزّجار. قال الأعشى:
ما تعيف اليوم من طير روحمن غراب البين أو تيس برح
فقال في الإجمال: ما تعيف من طير روح، وفي التّفصيل (قال): من غراب البين أو تيس برح، فجعل التّيس من تفسير الطّير لأنّهم يقولون في تعارفهم: جرى طائره بكذا، وحكى أبو زيد عنهم: سألت الطّير، وقلت للطّير، وإنّما هو زجرانها. وفي القرآن: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ
وقالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
والأمم على اختلافها تفعلها. فمن ذلك قول الهذلي:
أتيح له من الفتيان خرقأخو ثقة وخريق حشوف
فبينا يمشيان جرت عقابمن العقبان خاسئة دفوف
فقال له: وقد أوحت إليهألا لله إنّك ما تعيف
فقال له: أرى طيرا ثقالاتبشّر بالغنيمة أو تخيف
ففي هذا الذي قاله بيان، إنّ ذلك رجم ظن، وفي العرب من يشتقّ من اسم ما يعنّ له عند الطّيرة، فيبني قصّته عليه كقول القائل:
قالوا: حمام قلت: هم لي اللقاء. وقالوا: غراب قلت: غرب من النّوى. وقد اشتق أبو تمام على ضد هذا فقال شعرا:
لا تشجينّ لها فإنّ بكاءهاضحك وإنّ بكاءك استعقام
هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن جابهنّ فإنّهنّ حمام
فأمّا ما يقولون في الغراب والظّباء وهي: (السّانح) و (البارح) و (النّاطح) و (القعيد) و (الجابه) و (غراب البين) فقد اختلفوا في (السّانح) و (البارح) فمن العرب من يتشاءم بالسّانح ويتيمّن بالبارح على ذلك قول زهير:
جرت سخّا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
وقال النابغة:
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداوبذاك خبّرنا الغداف الأسود
فما تطيّر به زهير تبرّك به النّابغة، (فالسّانح): ما جاء من ميامنك فولّاك مياسره،
و (البارح) ما جاء من مياسرك فولّاك ميامنه، فأحدهما راعى من نفسه ما كرهه والآخر راعاه من الماربة، (فأما الناطح) فما يلقاك و (القعيد) ما استدبرك و (الجابة) ما جاء من أعلاك وقوله: (أجيزي نوى مشمولة) معناه اقطعي نوى هبّت عليها ريح الشّمال فبدّدت شملها وقوله: (فمتى اللقاء): استبعاد لوقوعه.
وحكى أحمد بن يحيى عن أبي المنهال المهلبي عن أبي زيد الأنصاري أنّ ما مر من ظبي أو طائر أو غيره فكلّ ذلك عندهم طائر. وأنشد في ذلك لكثيّر:
فلست بناسيها ولست بتاركإذا عرض الأدم الجواري سؤالها
ثم خبّر بعد أن قال الأدم الجواري أنه طائر فقال:
أدرك من أمّ الحكيم غبطةبها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها
وقد فسّر قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
الآية على أنّ معناه حظّه، وقيل: عمله وما قدّمه من خير أو شر. ويكون ذلك في الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقال تعالى فيه: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
وفي موضع آخر: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
وقال الكميت في تصديق ما ذكرناه شعرا:
وما أنا ممّن يزجر الطّير همّهأصاح غراب أم تعرّض ثعلب
وقال حسان بن ثابت ﵁:
ذريني وعلمي بالأمور وسيرتيفما طائري فيها عليك مخيلا
رواه أبو زيد وفسّره على أنّ المراد ليس رآني بمشؤوم. وأنشد لكثير:
أقول إذا ما الطّير مرّت مخيلةلعلّك يوما فانتظر أن تنالها
(مخيلة): مكروهة من الأخيل، وأنشد: ولقيت من طير العراقيب أخيلا. ومن المأثور قولهم:
اللهمّ لا خير إلّا خيرك، ولا طيرا إلّا طيرك، ولا ربّ غيرك، وقال خثيم بن عدي في ضدّ ما تقدّم:
ولست بهيّاب إذا شدّ رحلهبقول عداني اليوم واق وحاتم
قال:
فإذا الأشائم كالأيامنوالأيامن كالأشائم
وكذلك لا خير ولا شر على أحد بدائم، ويشبه هذا المعنى ما أنشده أبو عبيدة عن أبي عمرو:
يا أيّها المزمع ثم انسنيلا يثنك الحادي ولا الشّاحج
ولا قصيد أعضب قرنههاج له من مزبع هائج
هذا الفتى يسعى ويسعى لهتاج له من أمره خالج
يترك ما رقح من عيشهيعيث فيه همج هامج
لا تكسع الشّول بإغبارهاإنّك لا تدري من الناتج
واصبب لضيفانك ألبانهافإنّ شرّ اللّبن الوالج
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع