تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

الباب الرابع والأربعون في ذكر ما أبهم من الأوقات حتى لا يتبيّن للسّامع حاله وما شرح منها

اعلم أنّ مذاهب العرب في التّنبيه على أوقات الأفعال مختلفة وذلك لاختلاف أحوالهم فيما يقصدونه من البيان، فربّما بالغوا في التّعين والشّرح حتى يصير المستدل عليه كما يشار باليد إليه، وربما أبهموها اعتمادا على القرائن لأنّها قد تنوب عن الأوصاف المخصصة فيعتمد في الإبانة عليها أو ربما أبهموها حتى لا يكاد يتحصّل للسّامع منها تفقّه على واحد منها بعينه لشمول صفاته للأوقات كلّها وجميع ذلك موجود في أشعارهم، فمن ذلك قوله يصف امرأة:

ساهرت عنها الكالئين فلم أنمحتّى التفتّ إلى السّماك الأعزل

والسّماك قد يطلع في كلّ آناء اللّيل ومثله:

ونائحة صوتها رائعبعثت إذا ارتفع المرزم

و (ارتفاع المرزم) ليس مما يكون وقد لا يكون، ويروى إذا خفق المرزم، وحينئذ يقرب التّحديد به، ومثل هذا قول الآخر:

حتى رأيت عراقي الدّلو ساقطةوذو السّلاح مصوح الدّلو قد طلعا

قوله: (وذو السّلاح مصوح الدّلو): هو مما يكون على حالة واحدة أبدا، وذلك أنّ السّماك الرّامح متى طلع سقطت عراقي الدّلو، و (المصوح) الغيبوبة وقد جاء في المصيح والفعول والفعيل يجتمعان في فعل واحد مصدرين، ومثله الوكوف والوكيف، ومثل قول الآخر:

قلت له والجدي فوق الفرقدإنّك إن تصج بهذا المرقد

لا ترد الأمواه إلّا من غد

ومثله الوكوف والوكيف.

فلمّا استدار الفرقدان زجرتهاوهبّت شمال ذو سلاح وأعزل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ألا بكرت عرسي تلوم وتعذل»

ومعنى هبّ طلع، فهذه أمثلة المبهمات، ومن المحدود قوله:

فلمّا أن تغمّر صاح فيهاولمّا يغلب الصّبح المنير
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «رأيت وقد أتى نجران دوني»

(والتّغمّر): شرب دون الرّي وذلك من خوف الرّماة و (الصّبح المنير): الواضح أي كان ذلك سحرا قبل استنارة الصّبح. وقال الرّاعي في مثله:

فصبّحن مسجورا سقته غمامةدعاك القطا ينفضن فيه الخوافيا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألم يسأل الركب الديار العوافيا»

وقال ذو الرّمة:

ففسلت وعمود الصّبح منصدععنها وسائرها باللّيل محتجب

فهذه الأبيات كلّها وقّتت آخر اللّيل. ومما يستدل بالقرينة على حده قول امرئ القيس:

إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ألا ترى أنّ هذا الوصف وإن كان يتّفق في كل آناء اللّيل فقد حظره بقوله:

فجئت وقد نضّت لنوم ثيابهالدى السّتر إلّا لبسة المتفضّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فلما علم أنّ الموقت يكون من أوّل الليل وأنّ الذي وصف من تعرّض الثّريا إنمّا يكون عند انصبابها للمغيب، علم أنّ الزمان زمان الدفيء، فباجتماع هذه الأدلة عاد محظورا بعد أن كان مرسلا، ومثله قول حاتم:

وعاذلة هبّت بليل تلومنيوقد غاب عيّوق الثّريا فغرّدا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وعاذلة هبت بليل تلومني»

(فغيبوبة العيّوق): وإن كان قد يكون في كل آناء اللّيل ففي ذكره (العاذلة) دليل على أنّه في آخر اللّيل، لأنّه وقت العواذل بدلالة قول زهير شعرا:

غدوت عليه غدوة فوجدتهقعودا لديه بالصّريم عواذله

(والصّريم): بقية من اللّيل لأنّهن يأتين بعد نومهنّ وبعد إفاقة المعذول.

وإذا علم أنّ هذا الوقت الذي عنى الشاعر هو في آخر الليل معلوم وهو زمن الشّتاء وليالي التّمام، فقد صار الزّمان معلوما والوقت محظورا بالأدلة، (والتّغريد): العدول إلى

الغرد، وأصله الغراد والخص، وفي الكلام تقديم وتأخير كأنّه قال: وقد غرد عيّوق الثّريا فغاب. وكذلك قول أبي ذؤيب شعرا:

فوردن والعيّوق مقعد رأىالضّربا خلف النّجم لا تتبلّع

(لأنّ العيّوق والنّجم) يكونان كما وصف، إذا توسّطا السماء وتوسطهما السّماء آخر اللّيل إنّما يكون في حمارّة القيظ. وقوله: (مقعد رأى الضّربا) في حمارة القيظ. وقوله:

(مقعد رأى الضّربا) في إعرابه كلام وقد بيّنته فيما شرحته من شعر هذيل ومثله قول الآخر.

كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد. قوله: لا تتبلع: أي لا تتعدم، وذلك أنّ النّجوم إذا توسّطت السماء خيّل إليك أنها تتحير، فلا تبرح لذلك قال: والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم، وليس قول امرئ القيس:

فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

من هذا إنما يريد أن يصف اللّيل بالطّول فكأنّ كواكبه لا تسير، والأوّل يريد ركود النّجوم إذا توسّطت السّماء خاصة، وقد أحسن لبيد في قوله وهو يصف الكواكب:

عشت دهرا وما يدوم علىالأيام إلا برمرم وتعار
والنّجوم التي تتابع باللّيلوفيها ذات اليمين ازورار
دائبا مورها ويصرفها الغوركما يصرف الهجان الدوار

وإنّما (ازورارها ذات اليمين) عطفا إلى القطب لأنّها جميعا تدور على القطب الشّمالي مرتفع فإذا توسّط كوكب ثم انصبّ فقدرت له في نفسك مغربا على أم قاصد عدل عن السّمت الذي توهّمته. (وتزاور ذات اليمين) حتى يغيب فوق الذي قدّرته حتّى ربّما كان البعد في ذلك بعيدا وعلى هذا حال جميع الكواكب في مدارها، ولا زورارها إلى القطب. قال الشّاعر يمدح رجلا:

مالت إليه طلاها واستطيف بهكما يطيف نجوم اللّيل بالقطب

ولعلّة ذلك قال بشر:

وعاندت الثّريا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

لمّا تدانيا في رأي العين حين توسّطا السّماء وقد كان أحدهما بعيدا من صاحبه في المطلع جعل ذلك تركا من الثّريا لطريقها، وعدولا إلى العيّوق وليس ذلك بمعاندة، ولكن لما بينّته من ازورار النّجوم كلّها في مدارها إلى القطب، إذ كانت عليه تدور، لأنّ الكواكب إذا كانت في آفاق السّماء كانت أعظم في المنظر، وكان البعد الذي بينها أوسع في الرأي،

فإذا توسّطت كانت في العين أصغر ورأيت أيضا أشدّ تقاربا.

قال أبو حنيفة: لذلك أيضا يرى الكوكب من الكواكب إذا طلع متقدما لكوكب آخر، حتى إذا تدلّيا من وسط السّماء يطلبان الغور صار المتقدّم متأخرا منهما، والمتأخّر متقدما، وحتى يغيب أبطؤها طلوعا ويبقى صاحبه بعده مدة كالسّماك الرّامح، فإنّه يطلع بين يدي الفكة بزمن، حتى إذا هما تصوّبا للمغيب تقدم السّماك فغاب قبلها بمدة، وكالعيّوق فإنه يطلع قبل الدّبران بزمن ثم يغيب بعده بحين.

وكذلك الرّدف يطلع قبل النّسر الطّائر بقليل، ويغيب بعده بزمن. وقول لبيد (دائب مورها) يعني جريها. وأما قوله: (يصرفها الغور) كما يصرف الهجان الدّوار، فقد أحسن التّشبيه لأنّ النّجوم إذا غابت ردّها الفلك إلى الطّلوع كما يفعل الطّائفون بالدّوار، فإنهم إذا قضوا طوافا استأنفوا طوافا، والدّوار: أنصاب كانت لأهل الجاهلية يطوفون حولها كما يطاف بالكعبة.

قال أبو حنيفة: ولا زورار الكواكب ذات اليمين قال الشاعر شعرا:

ألا طرقت دهقانة الرّكب بعدماتقوّض نصف اللّيل واعترض النّسر
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

يعني النّسر الطّائر وإنما اعتراضه من قبل ازوراره في السّير وأنت تراه في وسط السّماء باسطا جناحا في جهة الجنوب، وجناحا في جهة الشّمال حتى إذا تصوّب للمغيب اعترض فصار أحد جناحيه في جهة المغرب والآخر في جهة المشرق على خلاف الصّفة الأولى، من هذا النّحو قول امرئ القيس شعرا:

إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

لأنها تتلقاك في مطالعها بأنفها، وهو أدقّ طرفيها، حتى إذا تصوّبت للمغيب اعترضت فكانت أشبه شيء بانظام جمع طرفاها ثم طرح وتلقاك بعرضه وذلك أنّ الثّريا سطران فهي كانظام مثنى مثنى ومنه قول المرار شعرا:

وبنات نعش يعترضن كأنّماتمسي الرّكاب معارضات صواريا

و (بنات نعش): من أشد الكواكب اعتراضا لأنّها لا تغيب إلا في بعض المواضع فإذا دار الفلك بها بحيث لا تغيب، نظرت إليها بكلّ منظر معترضات ومنتصبات ومنقلبات، وكذلك جميع الكواكب المنتظمة على أشكال مما قارب القطب كذلك حالها حيث لا تغيب، فأمّا تشبيه إيّاها بالصّوار فإنّ من عادة الشّعراء تشبيه الكواكب بالبقر والظّباء، وإذا رأيت الوحش سوارب في مراتعها رأيتها بيضاء تلوح كأنّها نجوم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأزمنة والأمكنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.