من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب السّابع والأربعون في صفة طول اللّيل والنّهار، وقصرهما وتشبيه النّجوم بها
ويقال: متح اللّيل وهو يمتح متحا إذا طال وكذلك النّهار.
ومنه قولهم: بيننا وبينهم كذا فرسخا متحا أي مدّا وفرس متاح مداد.
وسرنا في ليلة عكامسة وعكمسة أي طويلة، حكاه أبو حاتم قال: ويقال: عكر عكامس أي كثير من الإبل.
ويقال: يوم اثجل أي واسع وليلة ثجلاء، ومنه الثجل في الخاصرة وليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون اللّيل، ويكون لكلّ نجم أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجوم كلّها في ليلة واحدة. قال: وسمعت أبا عمرو يقول: إذا كان اثنتي عشرة ساعة فما زاد فهو ليل التّمام. وأنشد:
لقد طرقت دهماء والبعد دونهاوليل كأثناء اللّقاع بهيم
على عجل والصّبح تال كأنّهبأدعج من ليل التّمام بريم
فجعل ليل التمام للطّويل من اللّيالي خاصة آخر.
كأنّ شميط الصّبح في أخرياتهملاء تجلى عن طيالسة خضر
تخال بقاياها التي أسأر الدّجىتمدّ وشيعا فوق أردية الفجر
ويقال: أغضب وهو انثناؤه وطوله واجتماعه وإقباله.
وحكي أنّ عليك ليلا أغضف، قال العجّاج: فانغضفت بمرحجن أغضفا.
(والمرحجن): الطّويل الثّقيل، وقال الدّريدي: ذكر أبو عبيدة أنّ المتلهب والمتمهل مثل المسجهر وهو امتداد اللّيل وغيره. وحكى ثعلب عن رجاله قالوا: ليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون لكل نجم طويل أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجم كلّها وقال أبو عمرو
الشّيباني وحده إذا كان ظلمته خالصة فهو الخيط الأسود، وإذا خلص ضوؤه فهو الخيط الأبيض. والبريم والشّميط إذا اختلط، وفي القرآن: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ما كان من الأجسام والمعاين من الأشياء فهو التّمام بالكسر الفصيح العالي، ويجوز التّمام بالفتح وما كان من الكلام والأفعال وما شاكلها فهو التّمام بالفتح لا يجوز غيره، يقال: ليل التّمام والتّمام وقمر التّمام والتّمام وولدته للتمام والتمام. فإذا جئت إلى الأفعال والكلام قلت: تمّ الكلام تماما، وتمّ الأمر تماما، وإذا أردت أنّ القمر تمّ في نفسه قلت: تمّ تماما وتم النّهار تماما وتمّ اللّيل تماما. وقال الأصمعيّ: لا يكسر التاء منه إلا في الحمل واللّيل وما يجري مجرى المثل طال عليّ اللّيل ولا أسب له أي لا أكن كالتّسبّي فأستطيله يدعو لنفسه أن لا يبتلي بما يطيل اللّيل عليه.
الأصمعي شهر المليساء أطول الشّهور عليهم، وأتعبها لهم، ويكون على أثر الصّفريّة وهو نجمان السّماك والغفر، فهم يشتغلون في أيام المليساء بأنفسهم ومواشيهم ومسيرهم، لأنّهم يحتاجون إلى إعداد المثاوي والبيوت ومأوى الإبل والغنم والعنز والحظائر، والضّرب في الأرض استعدادا للشّتاء.
وحكى الدّريدي: اجرهد النّهار أو اللّيل طال، واجرهد بالقوم السّير: إذا امتدّ بهم ظلام وشدة. وأنشد:
وليلة داجية طخياءحالكة الإهاب والرّداء
يضرب بالذّاهب وجه الجائي ابن المعذل:
أقول وجنح الدّجى ملبّدوللّيل في كلّ فجّ يد
ويقال: عجبت من سرع ذلك الوقت، ومن سريحه في اللّيل والنّهار جميعا قال:
فيقولون: أدرك يومك أو ليلتك بربغة أي: بجنة وحدثانة، وهذا كما يقال: اتق النّاقة بجن ضراسها أي بحدثان نتاجها وسوء خلقها، ويدخل في هذا الباب قول الشّاعر:
يكون بها دليل القوم نجمكعين الكلب في هبيء قباع
يعني أنّ الكوكب بالظّلام تعصّب وبالقتام انتقب، فليس يظهر منه إلّا شّفا وشبهه بعين الكلب: لدوام إغضائه واتّصال نعاسه. والهبي جمع هاب وهو الذي حال دونه الهباء.
والقباع: الدّواخل في الظّلام.
ويقال: قبع القنفذ إذا أدخل رأسه في قرونه قبوعا، وعلى هذا يقولون: تخاوصت
النّجوم وتخازرت. أبو تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّهقد اكتحلت منه البلاد بإثمد
أبو نواس:
أبن لي كيف صرت إلى حريميونجم اللّيل مكتحل بغار
فأمّا تشبيه النّجوم فبابه واسع إلا أنا نذكر منه ما يستحسن من شعر القدماء أو يستغرب من ذلك قول مهلهل:
أليلتنا بذي جسم أنيريإذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذّنائب طال ليليفقد أبكى من اللّيل القصير
وأنقذني بياض الصّبح منهالقد أنقذت من شرّ كبير
كأنّ كواكب الجوزاء عوذمعطفة على ربع كسير
كأنّ بنات نعش ثانياتوفرقدهنّ مجتنب الأسير
تتابع مشية الإبل الزّهارىلتلحق كلّ تالية غيور
وتحنو الشّعريان إلى سهيليلوح كقمّة الجمل الغرير
كأنّ الغدرتين مكفّ ساعألحّ على تمايله ضرير
كأنّ التابع المسكين شيخيزجّي أعنزا خلف الوقير
كأنّ النّجم إذ ولّى سحيرافصال جلن في يوم مطير
كأنّ الفرقدين يدا مغيضيكبّ على مقاسمة الجزور
كأنّ مجرة النّسرين نهجلكل طريقة تحدى وغير
وعارضهنّ ناحية سهيلعراض مجرّب شكس غيور
كأنّ الجدي جدي بنات نعشيكبّ على اليدين كمستدير
كأنّ المشتري حسنا ضياءبنيق قاهر من فوق قور
وقال مضرس بن لقيط:
وليل يقول القوم من ظلماتهسواء بصيرات العيون وعورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينةمسوحا أعاليها وساجا كسورها
قال ابن هومة:
وبنات نعش يبتدرن كأنّهابقرات رمل خلفهنّ جاذر
والفرقدان كصاحبين تعاقداتالله تبرح أو تزول عتاير
والجدي كالرّجل الذي ما إن لهعضد وليس له حليف ناصر
وتزاور العيّوق عن مجداتهكالثّور يضرب حين عاف الباقر
وترفّع النّسران هذا باسطيهوي لسقطته وهذا كاسر
والنّطح يلمع والبظين كأنّهكبش يطرده لحتف ثائر
والحوت يسبح في السّماء كسبحهفي الماء وهو بكل سبح ماهر
وكواكب الجوزاء مثل عوائدتمرى لهنّ قوادم وأواخر
وكأنّ مرزمها على آثارهافحل على آثار شول هادر
وتعرضت هادي السّعود كأنّهاركب تأوّب بطن تبع ماير
وبدا سهيل كالشّهاب مشبهراع على شرف العرينة ساير
وبدت نجوم بين ذاك كأنّهادرّ تقطّع سلكه متناثر
وقال أبو الأشهب الأسدي:
ولاحت لساريها الثّريا كأنّهالدى الأفق الغربيّ قرط مسلسل
قال الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: أنشدني أحسن بيت قيل في الثّريا، قال قلت: بيت عبد الله بن الزّبير الأسدي ﵄:
وقد خرم الغرب الثّريا كأنّهابه راية بيضاء تخفق للطّعن
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت ذي الرّمة:
وردت اعتسافا والثّريا كأنّهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلّق
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: بيت يزيد بن الطّثريّة
إذا ما الثّريا في السّماء كأنّهاجمان وهي من سلكه فتبدّدا
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: قول أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاح في الصّبح الثّريا لمن يرىكعنقود ملاحية حين نوّرا
وقال الفرزدق:
كليل مهلهل ليلى إذا ماتمنّى اللّيل ذو الليل القصير
تهامى كأنّ شآمياتجنحن لجانبيه إلى الغثور
كأنّ اللّيل يعطفه عليناضرارا أو يكرّ إلى نذور
كأنّ نجومه ليل تثنّىلأزهر في مباركه عقير
وكيف بليلة لا نوم فيهاولا ضوء لساريها منير
وأنشد المبّرد:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتيراها الحديد العين سبعة أنجم
على كبد الجرباء وهي كأنّهاجبيرة درّ ركبت فوق معصم
(الجبيرة): الدستبنج العريض وشبه ابن الرّومي الثّريا فقال: وذكر شعر امرأة:
يغشى غواشي قرونها قدمابيضاء للنّاظرين معتذره
مثل الثّريا إذا بدت سحرابعد غمام وحاسر حسره
فأخذه ابن المعتز فقال:
وأرى الثّريا في السّماء كأنّهاقدم تبدّت من ثياب حداد
وقال كعب الغنوي في الجوزاء:
وقد مالت الجوزاء حتّى كأنّهافساطيط ركب بالفلاة تزول
ولابن المعتز:
كأنّما الجوزاء في أعلى الأفقأغصان نور أو وشاح من ورق
وله:
كأنّ نجوم اللّيل في فحمة الدّجىرؤوس مدار ركّبت في معاجر
وله:
كأنّ سماءنا لمّا تجلّتخلال نجومها عند الصّباح
رياض بنفسج خضل نداهتفتّح بينها ورد الأقاحي
وله:
ورنا إلي الفرقدان كما رنتزرقاء تنظر من نقاب أسود
وله:
تظلّ الشّمس ترمقنا بلحظمريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتح غيم وهو يأبىكعنّين يحاول فضّ بكر
آخر:
ما ذقت طعم النّوم لو تدريكأنّ جنبي على جمر
في قمر مسترق نصفهكأنّه مجرفة العطر
وآخر:
والبدر يأخذه غيم ويتركهكأنّه سافر عن خدّ ملطوم
وقال امرؤ القيس:
نظرت إليها والنّجوم كأنّهامصابيح ركبان تشبّ لقفّال
وقال محمد بن يزيد بن مسلمة:
لمّا تراءى رخلذات عشاء فمتع
وأخمس النّسرين شخصالرّدف بالحمل الذّرع
أطار نسرا واقعاوطائر النّسر يقع
فردا ووافى سيرهوسار هذا اقشع
وعن سعد ذابحيتبعه سعد بلع
وسعد سعد بعدهيسعد سعد ذو تبع
دافع ذا ذاك وذادافع هذا فاندفع
أما مهار أم إذاأعرق في فوق نزع
يتلو نعاما وارداوصادرا حيث سكع
يطير ما طردن فإنوقعن في الأرض وقع
وعقرب يقدمهاكليلها حيث دسع
لها مصابيح دجىتحكي مصابيح البيع
يتلو الزّبانى فإذاجد بها السّير طلع
ووارن الكفّ التيفيها خضاب قد نصع
قال الدّليل عرّسوافليس في صبح طمع
هذا ظلام راكدما للسّرى فيه نجع
والعيس في دويّهتعمل فيها وتدع
ممتدة أعناقهاللورد عن غبّ التّسع
فإنّها سفائنيولج في الموج الدّفع
فقلت سدّد قصدهالا كنت من نكس ورع
أما ترى غفر الزّبانى ساجدا أو قد ركع
وقبل ذاك ما لحاضوء السّماك فخشع
وانتشرت عوّاؤهتناثر العقد انقطع
حتّى إذا الكبش ارتعىرغاؤه ثمّ نقع
تتابع الخيل جرتفيها مذك وجذع
يعيد في خافاتهاهينمة ثم سطع
شعر:
كلمعة البرق اليماني إذا البرق لمع
أو سلّة السّيف انتضىسلته القين الصّنع
في نقبه ينسجهابيضاء ما فيها لمع
وانهزمت خيل الدّجىتركض من غير فزع
والصّبح في أعراصهايخبّ طورا ويضع
فقلت إذ طار الكرىعن العيون وانقشع
لمّا بدا في رحلهنشوان من غير جرع
ليس المذكّي سنةفي الحرب كالغمر الضّرع
قال أبو الحسن العلوي الأصبهاني:
كأنّ سهيلا والنجوم أمامهيعارضه راع وراع قطيع
إذ قام من ربائه قلت راهبأطال انتصابا بعد طول ركوع
قال آخر:
فإذا كانت الشّعرى العبور كأنّهامعلق قنديل عليه الكنائس
ولاح سهيل من بعيد كأنّهشهاب ينجيه عن الرّيح قابس
وقال آخر:
سريت على الجوزاء وهي كأنّهاشمائل رقاص تميل مناطقه
قال محمد بن عبد الملك:
كأنّ كواكب الجوزاء لمّاسئمت تعرضت بالمنكبين
أخو حرب تقلّد قوس راموقلّد خصره بقلادتين
قال العلوي الأصبهاني في النّسر شعرا:
وركب ثلاث كالأثافي تعاوروادجى اللّيل حتّى أومضت سنة الفجر
إذا جمعوا سميتهم باسم واحدوإن فرّقوا لم يعرفوا آخر الدّهر
وقال أبو النّجم في إصغاء الشّمس للمغيب:
صب عليه قانص لمّا عقلوالشّمس قد صارت كعين الأحول
ولابن الرّومي في طلوع الشّمس من خلل السّحاب:
ظلّت تسترنا وقد بعثتضوءا يلاحظنا بلا لهب
قال ذو الرّمة في مثله وهو يصف امرأة:
تريك بياض لبّتها ووجهاكقرن الشّمس أفتق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلاكلا وانفلّ سائره انفلالا
قال آخر في دارة الشّمس:
والشّمس معرضة تمور كأنّهاترس يقلّبه كميّ رامح
وأنشد ثعلب:
كأنّ ابن مزنتها جانحافسيط لدى الأفق من خنصر
وقد تركنا تقصّي الباب لأنّ في هذا القدر كفاية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع