من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب السادس والأربعون في صفة ظلام اللّيل واستحكامه وامتزاجه
قال النّضر: سدف اللّيل: ظلماؤه وستره، وقد أسدف علينا اللّيل أي أظلم، وقال غيره: السّدف والسّدفة بقيّة من سواد اللّيل في آخره مع الفجر. وقال الأصمعيّ: السّدف الظّلمة. قال العجّاج: وأقطع اللّيل إذا ما أسدفا. والسّدف: الضوء أيضا. قال أبو داود:
فلمّا أضاءت لنا سدفةولاح مع الصّبح خيط أنارا
وقال الدّريدي: كلّ العرب يسمّي الظّلمة سدفا إلّا هوازن فإنّها تقول: أسدفي لنا أي أسرجي لنا، فكأن السّدفة عندهم اختلاط بياض الصّبح بباقي سواد اللّيل وذلك عند سائر العرب (الغطاط والغبش) بقية من سواد اللّيل في آخره والجميع أغباش. قال ذو الرّمة:
أغباش ليل تمام كان طارقهتطخطخ حتّى ماله جوب
ويقال: غبش اللّيل وأغبش.
ويقال: غسا اللّيل غسوا وغسي غسّا، وأغسى اللّيل أيضا إذا أظلم. ويقال لمن أراد السّفر أغس من اللّيل شيئا ثم ارتحل أي أقم ساعة.
ويقال للظلّمة والآمر غير الرّشيد عشوة وعشوة وعشوة وتعشّيتني أوطأتني عشوة، وأعشينا دخلنا في الظّلمة، والعشواء بمنزلة الظّلماء، ويقال: هو في عشواء من أمره.
و (الغطش) السّدف وقد أغطش اللّيل وغطش أيضا.
وأغسينا: أمسينا. قال الأصمعي: أغسى اللّيل وغسى يغسى وغسا يغسو، غسوا، وهو مساؤه واختلاطه. وحكى أبو بكر الدّريدي عن الأصمعي قال: قلت لأبي عمرو أتقول غس اللّيل يغسي؟ فقال: سمعت أعرابيا منذ ستين سنة ينشد:
كأنّ اللّيل لا يغسى عليهإذا زجر السّبنداة الأمونا
وهذا من غسى يغسى، وسمعت بعد ذلك لسنين منشدا ينشده شعرا:
فلمّا غسي ليلي وأيقنت أنّهاهي الأرباء جاءت بأمّ حبو كرا
فهذا من غسى يغسو. ثم سمعت رويتكم ينشد. (ومر أيام وليل مغس) فهذا من غسى يغسى.
ويقال: ليل دامس: وهو الأسود الذي ألبس كلّ شيء وقد دمست ليلتك تدمس دموسا. وأنشد:
لو كنت أمسيت طليحا ناعسالم يلق ذا رواية درابسا
يسقى عليها أغنما خوامسايحتاب موماة وليلا دامسا
وشركا من الطّريق دارسايحمل سوطا أو وبيلا يابسا
(الوبيل): الهراوة وأصل (الدّمس): التّغطية. وأنشد الفرّاء عن الكسائي شعرا:
إذا ذقت فاها قلت علق مدمسأريد به قيل فغودر في سأب
أراد (بالعلق) الخمر و (المدمس) المغطى و (القيل) الملك و (السأب) الزّق.
ويقال: غلسنا الماء أي أتيناه قبل الصّبح بسواد من اللّيل وجنوح اللّيل إذا ذهب معارف الأرض لظلامه.
وجنون اللّيل إظلامه، ويقال: جنّ علينا اللّيل. النّضر يقال: تطخطخ اللّيل وأظلم في غيم وغير غيم إذا لم يكن فيه قمر، فإن كان فيه قمر فجاء غيم وذهب بضوئه فقد تطخطخ أيضا، وليلة طخياء، وقد طخطخ اللّيل على فلان بصره أي تركه لا يبصر من ظلمته، وتطخطخ بصر فلان: أي عمي.
ويقال: تدحرج اللّيل أيضا: وهو اختلاطه وظلماؤه كان فيه غيم أو لم يكن وتدحرجت الظّلماء وأنشد:
حتى إذا ما ليله تدحرجاوانجاب لون الأفق البرندجا
ويقال: ليلة غدرة ومغدرة: بينّة الغدر إذا كانت شديدة الظّلمة، وفي الحديث:
«المشي إلى المسجد في اللّيلة المغدرة يوجب كذا وكذا».
وليلة دامجة وليل دامج وخداري قال يعقوب: الخدارية الظّلماء الشّديدة السّواد البهيم، ويقال: ليلتك هذه خدارية قال العجّاج:
وخدر اللّيل فيجتاب الخدر
ويقال: غطا اللّيل يغطو إذا ألبس كل شيء. وكل شيء ارتفع فقد غطا. وكذلك: دجا اللّيل يدجو إذا ألبس كلّ شيء، وتدجّى أيضا وأدجى. قال يعقوب: وليس هو من الظّلمة إنّما هو من الاشتمال. وقال الأصمعي: ودجا شعر الماعزة: إذا ألبس بعضه بعضا.
وأنشدني أعرابي أبى مذ دجا الإسلام لا يتجنّف. وقال: وتدجّى بعد نور، واعتدل، وقال غيره: ليلة داجية سوداء. وأنشد في أدجى شعرا:
إذا اللّيل أدجى واستقلّت نجومهوصاح من الإفراط هام جواثم
وقال نضر: الدّجى دجى الغيم وهو أن لا ترى قمرا ولا نجما، لأنّ السّحاب يواريه ولا يكون الدّجى إلا باللّيل، وهذه ليلة دجى، وما زلنا نسير في دجى حتى أتيناكم أبو زيد غمى مثل كسلى إذا كان على السّماء غمى مثل رمى، وغمّ وهو أن يغمّ عليهم الهلال، وليل دجوجي قال:
وليل دجوجي تعسّفت هولهبلا صاحب إلا الحسام المذكّر
(غيره): ليلة مدلّهمة: مظلمة، وديجور وديجوج. والطّرمساء الظّلمة. يقال: أطرمس اللّيل أي أظلم. وقال الدّريدي: الطّرمساء تراكب الظّلمة والغبار. ومنه طرمس اللّيل وطرسم. ويقال: الطّلمساء أيضا. وأنشد في ليلة طخياء طرمساء. والطّرمسة والطّلمسة ومرّ طرمساء من اللّيل: أي قطعة عظيمة. وحكى أبو حاتم طرفساء أيضا.
والغيهب نحوه، والعلجوم الظّلمة وكل شيء أسود. قال ذو الرّمة: ظلماء علجوم:
أي التي لا ترى معها من سوادها شيئا. والمسحنكك الأسود، والملطخم مثله، الأموي ليلة غاضية شديدة الظّلمة. يقال: ليل طيسل: مظلم، عن أبي عمرو ليل دحمس، قال أبو نخيلة:
وادّرعي جلباب ليل دحمسأسود داج مثل لون السّندس
(والغردقة): إلباس اللّيل، يقال: غردقت سترها إذا أرسلته، وتأطم اللّيل ظلمته.
(وليلة مطلخمّة): وقد اطلخمّت علينا الظّلمة فما يبصر منها شيئا.
يقال: ليلة بهيم لا يبصر فيها شيء، وليال بهم. والحندس: اللّيل الشّديد الظّلمة.
يقال: حندس اللّيل وليال حنادس قال شعرا:
وليلة من اللّيالي حندسلون حواشيها كلون السّندس
ويقال: ليلة طخياء: بيّنة الطّخاء، وذلك إذا كان السّحاب بعد قمر، فاشتدّت الظّلمة
فطخا اللّيل، وسرنا إليكم في ليال طخى، قال الرّاجز:
وليلة طخياء ترمعلفيها على السّاري نديّ مخضل
ترمعل: يسير يقال أرمعل دمعه: سال.
ويقال: ظلمة ابن جمير، وفحمة ابن جمير: للّيلة التي لا يطلع فيها القمر.
قال: نهارهم ليل بهيم، فإن كان بدرا فحمة ابن جمير رماهم بالتلصّص والتّغيب بالنّهار، وقال ابن زهير:
وإن أغار فلم يحلى بطائلةفي ظلمة ابن جمير ساور القطما
قوله: لم يحلى: أتى بالفعل على التمام. وذكر بعضهم أنّ ابن جمير: اللّيل المظلم لاجتماع النّاس إلى منازلهم. وابن ثمير: اللّيل المقبل، لأنّه يثمر انبساط النّاس للحديث وغيره من التّصرف. قال: وهذا من قولهم: هذا جمير القوم أي مجتمعهم وشعر مجمر أي مضغور ومجمور، وأجمروا على الآلاء أي أجمعوا.
وليلة معلنكسة؛ أي مظلمة، وليلة ظلماء ديجور، وهي الدّياجير أي الظّلمة وليل عظلم أي مظلم. قال:
وليل عظلم عرّضت نفسيوكنت مشيّعا رحب الذّراع
ويقال: أغضن اللّيل وأغضى وأغضف وطلخم وادلهمّ وروق.
ويقال: أرخى رواقيه وسجوفه وسدوله.
وغسق اللّيل: ظلمته، ومنه قول عمر حين غسق اللّيل على الضّراب أي انصبّ.
وسجو اللّيل إذا غطّى اللّيل النّهار، ويقال: هو من التّسجية، كقولك سجية بالثّور.
قال:
يؤرّق أعلى صوتها كلّ فائححزين إذا ليل التمام سجالها
وحكى قطرب الغبس بعد الفحمة. وقال الخليل: هو لون الذّئب، يقال: ذئب أغبس وليل أغبس، وغبس اللّيل وأغبس. وعسعس اللّيل إذا أظلم وإذا أدبر.
قال قطرب: هي من الأضداد، وحقيقة ذلك أنّها طرفاه، فهذا ما ذهب عن معظمه.
وقال ابن عبّاس: واللّيل إذا عسعس أي أدبر. وقال علقمة:
حتّى إذا الصّبح لنا تنفّساوانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقال آخر:
وردت بأفراس عتاق وفيّةفوارط في أعجاز ليل معسعس
وقال آخر:
قوارب من غير دجن مسسامدّرعات اللّيل لمّا عسعسا
والشّميط: بياض الصّبح في سواد اللّيل وهو عندنا مشبّه بالشّيب، وقد قيل في الثّلاث من آخر الشّهر الدّادي، ثم جعل دادي صفة لشدّة ظلمتهن كما قيل: حنادس ثم قالوا: أسود حندس.
ويقال: إنّ عليك ليلا أغضف، وهو الذي علا كل شيء، وألبسه، وقد تضغف علينا اللّيل أي ألبسنا وأظلم علينا.
ويقال: إنّ عليك ليلا مرحجنا، وهو المجلّل والملبس وقد أرحجن اللّيل.
وليل اثجل: أي واسع وليلة ثجلاء، ويوم اثجل.
وعكمس اللّيل: أظلم، وهو عكامس وعكمس متراكم الظّلمة كثيفها.
وأدلمس اللّيل: وليل دلامس: مظلم.
وحكى الدّريدي: طرشم اللّيل وطرمش أظلم، وغطرش اللّيل بصره وغرطش: أظلم عليه.
والغيطل: اختلاط ظلمة اللّيل واختلاط أصوات النّاس واشتقاقه من الغطل: وهو تغطية الشيء، يقال: غطلت السّماء يومنا وأغطلت إذا أطبق دجنها.
ويقال: أتانا حين وارى دمس دمسا وحين سد اللّيل كلّ خصاص ودارى كل جداد.
وأنشد:
واللّيل غامر جدادها دجاحين قلت أخوك أم الذّئب
ويقال: ليل أدعج، ويقال: التّفت غياطل اللّيل، واسحنكك عساكره وتلاحزت المسالك به، وذلك تراكم الظّلمة ومعنى تلاحزت: تضايقت.
وشجيج لحز: أي ضيق. والفتل إظلام الأرض من النّخل والشّجر.
ويقال: غتل يغتل غتلا حكاه الدّريدي. وقال أبو مالك: السّديم الرّفيق من الضّباب.
وأنشد شعرا:
وقد حال ركن من أحيمر دونهمكأنّ ذراه جلّلت بسديم
والجنان ذكر بعضهم في أسماء اللّيل. وأنشد:
وساري جنان مقفعل بناتهرفعت بضوء ساطع فاهتدى ليا
يعني رجلا أقوى فاستنيخ فأوقد له نارا ليهتدي بها، وقال غيره: جنان اللّيل ظلمته وأنشد:
ولولا جنان اللّيل أدرك ركضنابذي الأثل والأرطي عياض بن ناشب
وحكى عمرو عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول: ما زلت أتعسف الهولول حتى سطع الفرقان، قلت: ما الهولول؟ قال: ظلمته. قلت: وما الفرقان؟ قال: الصّبح.
وحكى سلمة عن الفرّاء عن الكسائي قال: لم يسمع في الألوان فعلول إلّا هذا، وحلكوك، قال ثعلب: قلت: ذلك لابن الأعرابي فوافقه.
ويقال: أطم الدّجى وأقفل باب النّور بالظّلمة قال:
بدا لي كملتاح الجناحين والدّجىمطم وباب النّور باللّيل مقفل
وقالوا: قسورة اللّيل: شدّته، وقسوره، وقال توبة بن الحمير: وقسورة اللّيل الذي بين نصفه وبين العشاء قد أذابت أسيرها، وقيل في قوله تعالى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
إنّه الأسد، وقيل: أريد به الرّماة وأنشد:
وقسورة أكتافهم في قسيّهمإذا ما مشوا لا يغمزون من النّساء
ويقال: دبر اللّيل دبورا وأدبر فدبر: ذهب وأدبر ولّى، وقيل: أدبر أخذ به في النّقص، وكما قيل: دبر وأدبر بمعنى قبل قبل وأقبل. وقال ابن عباس: إنمّا هو واللّيل إذا دبر. فأما أدبر: فإنما يقال: أدبر: ظهر البعير وقرأه زيد إذا أدبر، ويقال: دبرني أي جاء من خلفي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع