من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب الخامس والأربعون في الاهتداء بالنّجوم، وجودة استدلال العرب بها وإصابتهم في أمّهم
اعلم أنّ الاهتداء بالنّجوم يحتاج إليها صنفان من النّاس: سيّارة البحر وسائلة الإغفال والقفر، ولذلك مهر الهداية بالنّجوم الصّراريون والأعراب وقد ذكره الله تعالى في جملة ما عدّد من نعمه على خلقه فقال: جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وقال تعالى أيضا: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
الآية. ثم قال تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
وهؤلاء الذين فصّل لهم هذه الآيات واختصّهم بفضل عليها هم الذين عنى بقوله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
فافهم عن الله قوله.
ثم اعلم أنه لا يجد من أحبّ علم الاهتداء بالنّجوم بدأ من التقدّم بمعرفة أعيان ما يحتاج إليه منها، واعتبار النّظر إليها في جميع آناء اللّيل حتى يعرفه كمعرفة خلطائه، لئلا يلتبس عليه إذا اختلفت أماكنها في أوقات اللّيل، فإنّ كثيرا ممن يعرف النّجم من النّجوم إذا كان في جهة المشرق حتى إذا دار به الفلك فنقله إلى جهة أخرى عمي عليه حتى لا يعرفه، ويتحيّر حتى لا يهتدي إليه، ويحتاج بعد الاستثبات في معرفة أعيانها إلى معرفة مطالعها ومغاربها، وحال مجاريها من لدن طلوعها إلى غروبها، لأنّ ذلك مما يبدّل أعيان الكواكب في الأبصار، ويدخل على القلوب الحيرة ويورث الشّبهة ويحتاج أيضا إلى أن يعرف سموت البلدان التي تقصد، وجهات الآفاق التي تعمد لئلا يعلم بأي كوكب ينبغي له أن يأتمّ.
والتوجّه إلى القبلة في كل بلد هو من هذا الجنس أيضا، وعلم ذلك ليس بصغير القدر في خاصة الدّين، لأنّه أمر أمر الله به عباده فقال تعالى: مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
وليس بعد أدلّة الحساب دليل أدلّ من أعيان النّجوم، فليس الشّمس بخارجة منها بل
هي أعظم النّجوم خطرا وقدرا. وهل الدّليل في وضح النّهار إلا هي مع ما استعان به الإنسان من هبوب ريح، وكلّ ذلك في الدّلالة دونها فإذا تقدّم المرء فأحكم علم ما وصفت، ثم كان ثبتا في النّظر، فطنا في العبر، أدرك علم الهداية.
وذكر جبار بن مالك عامر بن الطّفيل فقال: كان لا يضلّ حتى يضلّ النّجم ولا يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السّيل، كان والله خير ما كان يكون، حتى لا تظنّ نفس بنفس خيرا. والعرب تقول للدّليل إذا كان هاديا إنّه لدليل ختع وخوتع، وإنّه لبرت وإنّه لخريت، وإنّه لدليل مخشف.
وذكر اللّغويون: أنّه إنّما سمّي خرّيتا لأنه كان يهتدي بمثل خرت الإبرة وقال الشاعر في البرت:
ومهمه طعنت في مغبرةتله عين البرت من ذي شره
(تله): من الوله وهو ذباب العقل، وقال رؤبة يصف أرضا مجهلا. ينبو بإصغاء الدّليل البرت. يعني إذا توجّس، وقال ذو الرّمة في الختع فجاء به على فوعل ووصف فلاة:
يهماء لا يحنا بها المغرّربها يضلّ الخوتع المشهّر
يريد (بالمشهّر) المعروف المشار إليه بالهداية وقال الخطفي:
حتّى إذا ما طرد النّيف السّفاقرين بزلا ودليلا مخشفا
قال أبو عبيدة: وللعرب في حسن الاهتداء في المعامي المضال، والمجاهل الاغفال أحاديث عجيبة في جاهليتها وإسلامها، كان الرّجل منهم يعدو على الإبل ببلاد لخم وجذام وهي واغلة في الشّام أو بسماوة كلب فيقطعها ثم يطردها متنكرا بها أوطان الانس متتبعا بها بلاد الوحش، حتّى يلقى بها الأسواق إما بصعدة من اليمن، أو بحجر من اليمامة، فيتبعهنّ ويفعل مثل ذلك باليمن. ثم يرد سوق بصرى أو اذرعات ونحوهما من أسواق الشّام، وكان الواحد من الرّابيل وهم الذين يغزون فرادى، وذو السّرية وهو الذي يغزو في شيعته فيمضي في تلك المعامي وفي مناقع المياه فيأخذ بيض النّعام فينقعها ويملؤها ماء ويدفنها، فإذا بلغ غاية مراده وجاء الوقت الذي ينتظره، ولعلّ ذلك يكون في مدة شهر في مسيره، حتى إذا نضبت المياه، وانقطع الغزو وأمن النّاس اعتمد مغزاه فلا يخطئ السّمت ولا يضلّ عن تلك الدّفائن، فيمضي معتسفا على غير هدى، مستثيرا ذلك البيض، ومعتمدا عليه في شراء به.
ثم يرجع عوده على بدئه لا يستدلّ إلّا بالشّمس أو الكوكب.
قال: وممّن فعل ذلك وعلة الجرمي في الجاهلية، وله قصة، وكان السّليك بن السلكة السّعدي، ثم أحد بني مقاعس ممن يفعل ذلك، وكان أوّل النّاس بالأرض ومن هداتهم
المشهورين في الجاهلية، وله قصة دعميص الرّمل العبدي يزعمون أنّه ورد الدّيار التي يزعمون أنّ بها إرم ذات العماد، ولم يردها أحد قط غيره وخبره مشهور. وسمّي دعميص الرّمل تشبيها بدعموص الماء.
وقال الأصمعي: يقال للدّخال الخراج، حيث لا يرام دعموص، قال الشّاعر يصف رجلا:
دعموص أبواب الملوك وجائب للخرق فاتح
يعني أنّه يلج أبواب الملوك ولا يحجب عنهم. وقال الأصمعي: حدثني شيخ من غطفان قال: أرسل زياد بن سيارة أخاه من أرض بني عامر فقال: إني أسير عشرا ولا أدله، أي لا علم لي بالهداية، قال: ادخل تحت هذا الكوكب حتى تبلغ.
وحكى ابن الأعرابي قال: يقال: دلّ يدل من الدّلالة أي صار دليلا، ودلّ غيره يدله دلالة ودلالة، ودلت المرأة تدل دلالا، وأدلّ يدلّ من الإدلال.
وممن شهر بالهداية: عبد الله بن أريقط دليل رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁، حيث هاجر وهما مطلوبان فتخلّل الطّرق حتى أوردهما المدينة.
ومن المشتهرين منهم في الإسلام بالهداية: رافع بن عميرة الطّائي دليل خالد بن الوليد ﵁ حين توجّه من العراق يريد الشّام، فخادعن جيش الرّوم وهم على طريقه ببلاد الجزيرة، فامتد رافع مفوزا به من قراقر إلى سوى وبينهما فلاة مجهل فقال فيه الشاعر:
لله عينا رافع أنّى اهتدىفوّز من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما ساره الجيش بكىما سارها من قبله إنس يرى
وممن شهر منهم أيضا بصدق الأم: عبد الجبار بن يزيد الكلبي دليل بني المهلّب حين فرّوا من يد الحجّاج إلى سليمان بن عبد الملك، وكانوا محتبسين بلعلع فهربوا ولحقوا بالشّام، فتنكّب بهم عبد الجبار جواد الطرق وتتبّع معامي الأرض فتحيّر يوما وهم بالسّماوة، وارتبك، فاتّهمه يزيد وأراد قتله، فقال له عبد الجبار: أنت على قتلي إذا شئت قادر، ولكن دعني أنم نومة فنام ثم انتبه، وقد تجلّت حيرته فسمت بهم السّمت المصيب حتى نفد فقال شعرا:
ورهط من أبناء الملوك هديتهمبلا علم باد ولا ضوء كوكب
ولا قمر إلّا ضئيل كأنّهسوار جلاه صانع السّور مذهب
على كل خرجوج كأنّ ضلوعهاإذا حلّ عنها الكور أعواد مشجب
قوله: (ولا ضوء كوكب): يعني أنّ الكواكب غمّت في القتام فهداهم بالقمر ثم أخبر أنّ (القمر أيضا ضئيل) لما دونه من القتام، فكأنّه في تلك الحالة (سوار مذهب).
وذكر ابن الأعرابي وهو يعد أدلّاء العرب في الإسلام، فقال: هم ثلاثة فذكر رافعا وعبد الجبار وزاد في شعره:
تفرّ فرار الشّمس ممّن وراءناونمسي بجلباب من اللّيل غيهب
فإلا تصبح بعد خمس ركابناسليمان من أهل الملاء تناوب
قوله: (نفرّ فرار الشّمس) يريد أنا نتوجه إلى المغرب كما تغرب الشّمس.
وجعل الثالث منهم خالد بن دثار الفزاري دليل ابن فزارة على بنات قين حين قتلت كليبا. وقال أبو ذؤيب: يشبّه النّجوم بالوحش وهو يذكر امرأة:
بأطيب منها إذا ما النّجومتعانقن مثل توالي البقر
وقال آخر:
وردت وأرادف النّجوم كأنّهامهاة علت من رمل يبرين رائبا
وقال ذو الرّمة يشبّه الوحش بالكوكب شعرا:
كأنّ بلادهنّ سماء ليلتكشّف عن كواكبها الغيوم
وقال آخر:
وردت وآفاق السّماء كأنّهابها بقر أقناؤه وهراقبه
الهراقب: المسان شبه الكبار بالهراقب، والصّغار بالأقناء. وقال ابن كناسة وفي الاهتداء بالنّجوم يقول الشاعر:
نؤمّ بآفاق السّماء وترتميمغانيها- أرجاء دواية قفر
وقال أبو حنيفة قول الشاعر:
رأت غلامي سفر بعيديدرعان اللّيل ذا السّدود
إما بكل كوكب جريد إنّما اختص الفرد الحريد لأنّ الجماعة يتغيّر حالها في المطالع والمغارب والمجاري فتلتبس، وضبط السّير بالحريد أسهل، ومن لم يكن مدرّبا بمعرفة أعيان الكواكب التبس عليه الحريد أيضا إذا تغيّر مكانه.
وروي عن شيخ من العرب أنّه سرى برفيق له فتعب، فقال لرفيقه: هذا الجدي جداه كثيرة فلم أدر أيّها هو، ولذلك قال الآخر شعرا:
بصباصة الخمس في زوراء مهلكةيهدي الأدلّاء فيها كوكب وحد
وقال الفرزدق يهجو عاصما العبدي، وكان أدّل العرب وأعرفهم بالنّجم وأقدمهم على هول اللّيل باللّيل، وأراد أن يضلّ الفرزدق ويقتله غشّا وذاك أنّه استصحبه إلى المدينة ليلقى سعيد بن العاص، ورغبه في جعله، فلما ركب الفلاة أراد أن يغتال الفرزدق ليحظى به عند زياد ويحبوه ويعطيه، فلما كانا في اللّيل وأمعنا في السّير انتبه الفرزدق فإذا النّجم على غير الطريق، فصاح بالعنبري إنّك على غير الطريق، فانتبه فقال: أنت على الطريق، ناولني إداوتك فإنّي عطشان وخبّأ اداوته، فقال الفرزدق: والذي أحلف به لتموتنّ قبلي، وشهر السّيف عليه فأقامه على الطّريق، وعرض لهما الأسد على الطّريق، فقال العنبري هذا الأسد على الطّريق، فأناخ الفرزدق ناقته وأخذ سيفه وجحفته وأقبل إلى الأسد وهو يقول:
فلأنت أهون من زياد شوكةاذهب إليك محزّم الشّغار
فتنحّى الأسد عن الطريق ومضيا، فقلب الفرزدق هذا المعنى كله ونسب العنبري إلى الجبن وأنه ليس بالخرّيت راع لا يصلح إلّا لرعي الغنم وطعن في نسبه. فقال شعرا:
ما نحن إن جارت صدور ركابنابأوّل من عزّت هداية عاصم
أراد طريق العنصلين فياسرتبه العيس في ناي الصّوى متشايم
(العنصلين) على طريق مكة، (وياسرت): أخذت يسارا و (المتشايم) الآخذ إلى الشام، قال: وسمعت فصيحا يقول: توصّلوا أتوا الموصل فأسقط الميم.
فكيف يضلّ العنبريّ ببلدةبها قطعت عنه سيور التمائم
أي لو كان عنبريا لعرف بلاده.
فإنّ امرؤ ضلّ البلاد التي بهاتغبّر ثديي أمّه غير حازم
(تغبّر): أي أتم رضاعه، والغبر بقية اللّبن.
بلاد بها ذلّت يديه ورأسهورجليه من جار استها المتضاجم
يعني (بالجار) الفرج وأصل (الضّجم) العوج في شفتي الرّجل.
شعر:
ولو كان في غير الفلاة خنوعاخنوعا بأعناق الجداء التّوائم
أي لو كان في رعي الجداء لأحسن رعيها وأخذها بأعناقها ففصلها عن أمهاتها.
شعر:
وكنت إذا كلّفت صاحب ثلةسرى اللّيل دنا أم فروج المخارم
(الثّلة): القطيع من الشّاء و (الثّلة) الجماعة من الناس و (دنا) قصر و (الفروج) الطّرق.
رأى اللّيل داغول عليه ولم يكنيكلّفه المعزى عظام المجاشم
(الغول) الموت ومنه غالته غول.
أنخنا بهجر بعدما وقد الحصىوذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
ونحن بذي الأرطي يعيس ظماؤنالنا بالحصى شربا صحيح المقاسم
أي ليس فيه ضيم، أي لا يفضل فيه أحد على أحد.
شعر:
فلما تضاما في الإداوة أجهشتإلى غضون العنبري الجراضم
(تضافى غضونه) عروق حلقه وثنيه، و (الجراضم) الشّديد الأكل، ويروى: فلمّا تصافنا الإداوة، و (التّصافن): التّقاسم على الماء عند قلتّه وضيقه في المفاوز.
وجاء بجلمود له مثل رأسهليسقي عليه الماء بين الصّرايم
تشنّع عليه بهذا لأنّ المقلة حصاة صغيرة يقسم عليها.
فضاق عن الأثفية القعب إذ رمىبها عنبريّ مفطر غير صائم
يريد أنّ (القعب) لم يسع الجلمود لعظمه.
ولمّا رأيت العنبريّ كأنّهعلى الكفل حرّان الضّباع القشاعم
أي المسان، وقيل الضّبع لا صبر لها على العطش.
صدى الجوف يهوي مسمعاة قد التظىعليه لظى يوم من القيظ جاحم
(جاحم): شديد، يهوي أي يجدد ما في رأسه من العطش.
شددت له أزري وخضخضت نطفةلصديان يرمي رأسه بالسّمايم
أي تحيات لأوثره على نفسه خوفا من أن يموت.
وقلت له ارفع جلد عينيك إنّماحياتك بالدّهنا وحيف الرّواسم
أمر صاحبه أن يشمّر للسّير أي حياتك في قطع الطّريق.
شعر:
عشيّة خمس القوم إذ كان فيهمبقايا الأداوي في النّفوس الكرائم
فآثرته لمّا رأيت الذي بهعلى القوم أخشى لا حقات الملاوم
حفاظا ولو أنّ الإداوة تشترىغلت فوق أثمان عظام المغارم
على ساعة لو كان في القوم حاتماعلى جوده ضنّت بها نفس حاتم
وكان كأصحاب ابن مامة إذ سقىأخا النّمر العطشان يوم الضّجاعم
(الضّجاعم): من منازل الفرزدق، شبّه الفرزدق بنفسه بكعب بن مامة الإيادي لما آثر العنبري على نفسه، وذلك أن كعبا نزل بموضع يقال وهب أو وهبين وقد اتّقد القيظ، وكان صديقه ورفيقه النّمري في سفرته فعطش القوم فاقتسموا وكاد النّمري يهلك عطشا، فقال لساقي القوم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فجعل له الماء صبوحا لعزّه، وإنما يكون الصّبوح في اللّبن والنّبيذ، ثم أعاد القوم القسم فنظر كعب إلى النّمري قد غلبه العطش، ودارت عيناه في رأسه، فقال لصاحب القسم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فآثره بشربته، ثم ثلّث السّاقي فآثره، وارتحل القوم، فلما ركبوا الفلاة أناخ كعب ناقته وقال: يا قوم النّجاء ألا ماء معكم فإنّي أحسّ الموت، فمات كعب وارتحل أصحابه، ومعهم نجيبته وسلاحه ومتاعه فأوردوه أهله فقال أبوه وقد كتم بعض الخبر شعرا:
أمن نطف الدّهنا وقلة مائهاذوات الرّمال لا يكلّمني كعب
فلو أننّي لاقيت كعبا مكسرابأنقاء وهب حيث ركبها وهب
لآسيت كعبا في الحياة التي ترىفعشنا جميعا أو لكان لنا شرب
وقال فيه:
ما كان من أحد أسقى على ظمأخمرا بماء إذا ناجورها بردا
من ابن مامة كعب ثم عى بهزوء المنيّة إلا حرة وقدا
يروى وقذا فيه:
وفى على الماء كعب ثم قيل لهيا كعب إنّك ورّاد فما وردا
ويروى ورد كعب. وأما التّعاقب بها فمنه قول الفرزدق شعرا:
أقول لمغلوب أمات عظامهتعاقب أدراج النّجوم العوائم
ستدنيك من خير البريّة فاعتدلسأقل نصّ اليعملات الرّواسم
و (تعاقب النّجوم): أن يؤقّت القوم لمقدار مسيرهم رقتا فتلك عقبتهم، فإذا قضوها ودخلوا في غيرها من أمثالها فتلك عقبة ثانية، فإن دام ذلك منهم فذلك تعاقب أدراج الكواكب، ومن ذلك سمّوا الطّريق مدرجة، ومن هذا قول الرّاجز يخاطب ناقته:
سامي سمامات النّهار واجعليلفلك ادراج النّجوم الأفل
ويقال للكوكب الذي يعاقب به: معقب. فقال ذو الرّمة يذكر المطايا ودوام سيرها:
إذا اعتقبت نجما وغاب تسحّرتعلالة نجم آخر اللّيل طالع
جعل السّير سحورا لها في الآخر، كما جعلها غبوقا لها في الأوّل. وقال الرّاعي وذكر إبله:
أرى إبلي تكالأ راعياهامخافة جارها طبق النّجوم
(تكالأ): تحارس وقوله: (طبق النّجوم) أي اللّيل كلّه فتكالؤها طبق النّجوم وهو درج النّجوم. ومن هذا قول الآخر:
ولا العسيف الذي يشتدّ عقبةحتى يبيت وباقي نعله قطع
وقال بعضهم:
فأصبحن لا يتركن من ليلة السّرىلذي الشّوق إلّا عقبة الدّبران
كأنهم جعلوا لمدى سراهم طلوع نجوم معلومة، وكان الدّبران آخرها، فقضوا عقب تلك النّجوم كلّها إلّا عقبة الدّبران، فإنّهم قطعوا السّير حين بلغوه، وكان المشتاق يهوى ألّا يقطعوه وقال حميد بن ثور شعرا:
قد لاحه عقب النّهار وسيرهبالفرقدين كما يلاح المسعر
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع