١أَحادِرَةٌ دُموعَكِ دارُ مَيٍّ
وَهائِجَةٌ صَبابَتَكَ الرُسومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يقال: "حدر دمعي شوق"، أي: سكبه. و"الصبابة": رقة الشوق. يقال: "صب يصب صبابة"، أي: رق عند الشوق واستعبر.
٢نَعَم سَرِباً كَما نَضَحَت فَرِيٌّ
أَو الخَلقُ المُبينُ بِها الهُزومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "نعم": جواب: "أحادرة". ويروى: " .. صربًا". و"السرب": الماء القليل الذي يخرج من المزادة الجديدة بعينه حتى ينتفخ سيرها ثم ينقطع، فذلك: "السرب": يقال: "سرب مزادتك عند الجدة". فتصب فيها ماء حتى تنتفخ سيورها. وإنما نصب: "طربًا" أو "سربًا"، يريد: نعم هيجته طربًا. و"الطرب": خفة تأخذ الرجل، تكون في الحزن والفرح. و"الفري": السقاء المخزوز الجديد. ويقال: "انهزمت القربة"، إذا تكسرت. وقوله: "المبين بها الهزوم"، يريد: التي يبست فتبينت فيها الهزوم، يريد: تكسرها. ويقال: "انهزم السقاء"، إذا تخرق وانصدع. وإنما قال: "خلق" لأنه في الذكر والأنثى واحد. يقال: "مزادة خلق" فشبه سيلان الدموع بما وصف لك.
٣بِها عُفرُ الظِباءِ لَها نَزيبٌ
وَآجالٌ مَلاطِمُهُنَّ شيمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "بها"، يعني: بهذه الدار. "عفر الظباء": وهي الظباء البيض التي تعلوها حمرة. "نزيب": صوت. يقال: "نزبت الظبية". "آجال": أقاطيع البقر. "الملاطم": الخدود، موضع اللمط. "شيم": سود "تخالف لونها كالشامة. يقال: "خد أشيم" و"ناقة شيماء"، إذا كان بها كالشامة.
٤كَأَنَّ بِلادَهُنَّ سَماءُ لَيلٍ
تُكَشَّفُ عَن كَواكِبِها الغُيومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "بلادهن": بلاد هذه الوحش. "سماء ليل"، يقول: هذه الوحش من الظباء والبقر ترعى في هذه الخضرة، فهن يبرقن في الأرض بروق النجم في السماء. يقول: كأن البقر من بياضهن كواكب. شبه خضرة نبات الأرض بخضرة السماء. وشبه الظباء فيهن بالكواكب في خضرة السماء.
٥عَفَت وَعُهودُها مُتَقادِماتٌ
وَقَد يَبقى لَكَ العَهدُ القَديمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "عفت": درست "عهودها"، أي: عهود الأيام. يقول: عهدك أيام لقيتها قديم. "متقادمات": مزمنات. يقول: قد يثبت العهد والأثر، وإن كان قديمًا. وروى أبو عمرو: "وقد يسفي بك العهد القديم". وقال: إذا أساء إليه فقد أسفى به.
٦وَقَد يُمسي الجَميعُ أولو المَحاوي
بِها المُتَجاوِرُ الحِلَلَ المُقيمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "أولو المحاوي" أولو الأبيات. قال: أراد المحتوى. قال: وحدثني عيسى بن عمر، قال: تقول العرب: "إبل مغاليم" وهو جمع مغتلم، فألقى التاء. و"المحتوى": المكان الذي يتحوى فيه. و"المتجاورو الحلل": مضاف، كقولك: "المتجاورو النزلة". ورد: "المقيم" على: "المتجاور". و"الحلة": الموضع الذي ينزلونه. و"الحلة": ما به بيت وما أشبهه. ويقال: "مررت بحلل بني فلان"، أي: قوم حالين، أي: نزول.
٧بِعَقوَتِها الهِجانُ وَكُلُ طِرفٍ
كَأَنَّ نِجارَ نُقبَتِهِ أَديمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "عقوة" الدار: ما حولها. و"الهجان": البيض الكرام من الإبل. و"الطرف": الفرس الكريم. وقوله: "كأن نجار نقبته"، "النجار": الخلقة والضرب الذي خلق عليه. يقال: "هم من نجاره"، أي: من ضربه ونحوه. ويقال: "النجار": اللون. و"النقبة": اللون. يقول: كأن لونه لون الأديم في حمرته. يقول: هو كميت.
٨كَأَنَّ عُيونَهُنَّ عُيونُ عينٍ
تُرَبيها بِأَسنُمَةِ الجَميمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: قوله: "عيونهن"، أي: عيون الغواني. و"العين": البقر. و"الجميم" من النبت: ما تجمم منه ولم يتم كل التمام. و"أسنمة": موضع.
٩جَعَلنَ الحَليَ في قَصَبٍ خِدالٍ
وَأَزَّرَهُنَّ بِالعَقَدِ الصَريمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "القصب": كل عظم فيه مخ، واحدها قصبة. "خدال": غلاظ ممتلئة. يقال: و"أزرهن الصريم"، أي: كان الرمل لهن إزارًا. و"العقد": ما تعقد من الرمل. و"الصريم" قطع من الرمل، واحدها صريمة. فشبه أعجازهن بالرمل.
١٠وَساجِرَةِ السَرابِ مِنَ المَوامي
تَرَقَّصُ في عَساقِلِها الأَرومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "ساجرة": مالئة. و"الموامي": واحدها "موماة": وهي مفازة، أرض قفر بعيدة. و"العساقل": السراب. وروى أبو عمرو: " .. في نواشرها". يقول: ما شخص منها وارتفع. و"الأروم": الأعلام، واحدها إرم وإرمي، تجعل للطرق. وربما كانت قبورًا. وروى أبو عمرو: "وساحرة السراب .. " يقول: يخيل للرجل أن ثم ماء وليس بماء، وكأنه سحره تلون الموامي في السراب، كما تلون الغول. يريد أن هذه القنة تجري إلى أخرى، وأن الجبل يرتفع في السماء والجبل الآخر في الماء، فتلون ألوانًا أراد أن الأعلام كأنها تنزو في السراب.
١١تَموتُ قَطا الفَلاةِ بِها أُواماً
وَيَهلِكُ في جَوانِبِها النَسيمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الأوام": شدة العطش. و"النسيم": تنفس من الريح ضعيف، أول ما تهب. فيقول: يهلك النسيم في جوانبها من سعة الأرض. ويروى: "ويحسر في مناكبها .. "، أي: تحسر الريح في "مناكبها": مناكب هذه الفلاة. وروى أبو عمرو: "في مهالكها النسيم".
١٢بِها غُدُرٌ وَلَيسَ بِها بِلالٌ
وَأَشباحٌ تَحولُ وَلا تَريمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "بها": بهذه المفازة "غدر": وهو جمع غدير. و"الغدر": مناقع الماء. وإنما يعني: غدرًا من السراب. "وليس بها بلال" أي: ماء. و"الأشباح": الشخوص، الواحد شبح. "تحول": تحرك. "وما تريم": ما تبرح. يقال: "استحل هذه الشخوص"، أي: انظر أتتحرك أم لا؟. ويروى: "وأعلام تحول .. "، أي: جبال كأنها في رأي العين من السراب تحول.
١٣قَطَعتُ بِفِتيَةٍ وَبِيَعمَلاتٍ
تُلاطِمُهُنَّ هاجِرَةٌ هَجومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: وروى أبو عمرو: " .. وبيعملات* يصد وجوهها وهج أليم". "يعملات": نوق عوامل، يعمل عليها، والواحدة يعملة. قال أبو عمرو: "ويعملات": تعمل في سيرها، أي: تسرع فيه. "هاجرة هجوم": حلوب للعراق. "يهجمه": يسيله. ويقال: "هجم ما في ضرع الناقة هجمًا شديدًا"، إذا حط ما في ضرعها.
١٤نَلوثُ عَلى مَعارِفِنا وَتَرمي
مَحاجِرَنا شَآمَيَةٌ سَمومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "نلوث": نطوي ونلوي. يقول: نتلثم. "معارف وجهه": ما عرف منه. "محاجرنا": جمع "محجر": وهو فجوة العين، وما بدا من ثقب البرقع. "يمانية"، أي: ريح حارة، وهي الهيف.
١٥وَنَرفَعُ مِن صُدورِ شَمَردَلاتٍ
يَصُكُّ وُجوهَها وَهَجٌ أَليمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: نرفع من صدورها في السير. "شمردلات": وهي نوق طوال سراع. "يصك": يضرب. ويروى: " .. خدودها". "وهج"، أي: حر شديد.
١٦تَلَثَّمَ في عَصائِبَ مِن لُغامٍ
إِذا الأَعطافُ ضَرَّجَها الحَميمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: يعني: الإبل، يقول: هذه الإبل تعتم بالزبد، ضربه مثلًا. و"الأعطاف": النواحي، أي: الأعناق. و"ضرجها"، أي أسالها ولطخها. وأصل "الضرج": الشق في غير هذا الموضع. و"الحميم": العرق. فيقول: تشققت جلودها من العرق، وليس ثم شق.
١٧وَقَد أَكَلَ الوَجيفُ بِكُلِّ خَرقٍ
عَرائِكَها وَهُلِّلَتِ الجُرومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "الوجيف": ضرب من السير و"عرائكها": أسنمتها. و"هللت"، أي: تعقفت كأنها هلال. و"الجروم": جمع جرم، وهي الأجسام، صارت مثل الأهلة.
١٨وَقَطعُ مَفازَةٍ وَرُكوبُ أُخرى
تَكِلُّ بِها الضُبارِمَةُ الرَّسومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: أكل عرائكها قطع مفازة وركوب أخرى و"تكل"، أي: تعيا. و"الضبارمة" الغليظة الشديدة. و"الرسوم": التي ترسم في سيرها، وهو فوق العنق.
١٩وَمُعتَقِلَ اللِسانِ بِغَيرِ خَبلٍ
يَميدُ كَأَنَّهُ رَجُلٌ أَميمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: رب "معتقل اللسان": لا يقدر على الكلام، أي: اعتقل لسانه بغير خبل. أي: بغير فالج. "الخبل": ما خبل الجسد، أي: أفسده وأضعفه. "يميد": يميل ويضطرب، كأنه مغشي عليه من النعاس. "أميم": ضرب ضربة على أم رأسه، وهو الأميم والمأموم.
٢٠تَبَلَّغَ بارِحِيٌّ كَراهُ فيهِ
وَآخَرُ قَبلَهُ فَلَهُ نَئيمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "تبلغ" أخذ فيه النوم كل مأخذ، واشتد دخوله فيه. "بارحي كراه"، أي: كرى البارحة، أي: نعاس الليلة الماضية. و"آخر قبله": ليلة أخرى. سئل الأصمعي: لأي شيء قال: "بارحي كراه" والبارحي هو النعاس. فقال: لأنه لما قال: "بارحي" فقد يكون من إعياء وتعب. فقال: "كراه" حتى يعلم أنه من السهر، ليبين أنه منسوب إلى النوم. و"النئيم": الأنين.
٢١أَقَمتُ لَهُ سَراهُ بِمُدلَهِمٍّ
أَمَقَّ إِذا تَخاوَصَتِ النُجومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: أي: أقمت لهذا المعتقل اللسان سراه، أي: لم أنم. "بمدلهم: بالليل. "أمق": طويل. و"تخاوصت": مالت. قال: هذا في آخر الليل، كادت النجوم تغور. ويقال: "تخاوصت"، إذا كانت في السماء غبرة أو غيم، فلا يستبين كل ذلك، وإنما الخوص في العين.
٢٢مَلِلتُ بِهِ الثَواءَ وَأَرَّقَتني
هُمومٌ لا تَنامُ وَلا تُنيمُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: هذا مثل، أي: لا ينام لما به. و"لا ينيم"، أي: لا ينام من يليه. وهذه الهموم لا تسكن، ولا تبرح من يليها فينام، فهي تسهره. و"الثواء": المقام.
٢٣أَبيتُ بِها أُراعي كُلَّ نَجمٍ
وَشَرُّ رِعايَةِ العَينِ النُجومُ
أبو نصر الباهلي، برواية ثعلب: "أراعي كل نجم"، أي: أفكر متى يزول. وذلك أنه أحب أن يذهب الليل. ثم قال: وشر ما يرعى النجوم.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.