تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لصخر بن عمرو بن الشريد

وقال صخر بن عمرو بن الشريد، يعني معاوية أخاه، وكان قتله هاشم ودريد ابنا حرملة المريان من غطفان، فقيل لصخر: اهجهم، فقال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، ولو لم أمسك عن هجاءهم إلا صوناً لنفسي عن الخنا لفعلت ثم قال:

وعاذلة هبت بليل تلومنيألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
تقول: ألا تهجو فوارس هاشموما لي إذا أهجوهم ثم ما ليا
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة

وتقول العرب للرجل: رواية ونسابة، فتزيد الهاء للمبالغة، وكذلك علامة وقد تلزم الهاء في الاسم فتقع للمذكر والمؤنث على لفظ واحد، نحو ربعةٍ ويفعةٍ وصرورةٍ. وهذا كثير لا تنزع الهاء منه، فأما رواية وعلامة ونسابة فحذف الهاء جائز فيه، ولا يبلغ في المبالغة ما تبلغه الهاء.

وقوله:

"وحلبت الأيام والدهر أضرعا"

فإنه مثلٌ، يقال للرجل المجرب للأمور: فلان قد حلب الدهر أشطره أي قد قاسى الشدة والرخاء، وتصرف في الفقر والغنى، كما قال القائل:

قد عشت في الناس أطواراً على طرقٍشتى، وقاسيت فيها اللين والفظعا
كلا بلوت، فلا النعماء تبطرنيولا تخشعت من لأوائها جزعاً
لا يملا الهول صدري قبل موقعهولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

ومعنى قوله:" أشطره" فإنما يريد خلوفه.، يقال: حلبتها شطراً بعد شطرٍ.،وأصل هذا من التنصف، لأن كل خلفٍ عديلٌ لصاحبه. وللشطر وجهان في كلام العرب.، فأحدهما النصف كما ذكرنا، من ذلك قولهم: شاطرتك مالي، والوجه الآخر القصد، يقال: خذ شطر زيدٍ، أي قصده، قال الله ﷿: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي قصده، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.

قال أبو العباس: وأنشدني التوزي عن أبي عبيدة قول الشاعر:

إن العسير بها داءٌ مخامرهافشطرها نظر العينين محسور

يريد ناحيتها وقصدها، والعسير: التي تعسر بذنبها إذا حملت، أي تشيله وترفعه، ومنه سمي الذنب عوسراً، أي تضرب بذنبها. ومعنى ذلك أنه ظهر من جهدها وسوء حالها ما أطيل معه النظر إليها حتى تحسر العينان. والحسير: المعيي، وفي القرآن: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.

وقوله:

"سقاها ذوو الأرحام سجلاً على الظما"

فالسجل في الأصل الدلو، وإنما ضربه مثلاً لما فاض عليها من ندى أقاربها، يقال للدلو- وهي مؤنثة: سجل وذنوب، وهما مذكران، والغرب مذكر وهو الدلو العظيمة، ويقال: فلان يساجل فلاناً، أي يخرج من الشرف مثل ما يخرج الآخر، وأصل المساجلة أن يستقي ساقيان، فيخرج كل واحدٍ منهما في سجله مثل ما يخرج الآخر، فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب مثلا للمفاخرة والمساماة. وبين ذلك الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في قوله:

من يساجلني يساجل ماجداًيملأ الدلو إلى عقد الكرب
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

ويقال: إن الفرزدق مر بالفضل وهو يستقي، وينشد هذا الشعر، فسرا الفرزدق ثيابه عنده، ثم قال: أنا أساجلك- ثقةً منه بنسبه- فقيل له: هذا الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب. فرد الفرزدق ثيابه عليه ثم قال: ما يساجلك إلا من عض بأير أبيه. يقال: سرا ثوبه ونضا ثوبه في معنى واحد، إذا نزعه، ويقال: سرى عليه الهم إذا أتى ليلاً، وأنشد:

"سرى همي وهم المرء يسري"

وسرى همه إذا ذهب عنه. والمواضخة مثل المساجلة، قال العجاج:

"تواضخ التقريب قلواً مخلجاً"

أي تخرج من العدو ما يخرج.، قال الله ﷿ على مخرج كلام العرب وأمثالهم ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ وأصل الذنوب الدلو كما ذكرت لك.

وقال علقمة بن عبدة للحارث بن أبي شمر الغساني: "قال أبو الحسن: غير أبي العباس يقول شمرٌ، وبعضهم يقول شمرٌ "وكان أخوه أسيراً عنده، وهو

شأس بن عبدة أسره في وقعة عين أباغ. [قال أبو الحسن: غيره يقول إباغ، بالكسر] في الواقعة التي كانت بينه وبين المنذر بن ماء السماء، في كلمةٍ له مدحه فيها:

وفي كل حي قد خبطت بنعمةٍفحق لشأسٍ من نداك ذنوب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

فقال الملك: نعم وأذنبةٌ.وقوله:

"وقد كربت أعناقها أن تقطعا"

يقول: سقيت هذا السجل وقد دنت أعناقها من أن تقطع عطشاً، وكرب في معنى المقاربة، يقال: كاد يفعل ذلك، وجعل يفعل ذلك، وكرب يفعل ذلك، أي دنا من ذلك. ويقال: جاء زيد والخيل كاربته، أي قد دنت منه وقربت. فأما أخذ يفعل، وجعل يفعل، فمعناهما أنه قد صار يفعل، ولا تقع بعد واحدة منهما: "أن" إلا أن يضطر شاعرٌ، قال الله ﷿: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي لم يقرب من رؤيتها، وإيضاحه: لم يرها ولم يكد، وكذلك: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾، وكذلك: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ بغير "أن". ومن أمثال العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميراً، وكاد المنتعل يكون راكباً وقد اضطر الشاعر فأدخل "أن" بعد "كاد"، كما أدخلها هذا بعد "كرب" فقال:

"وقد كربت أعناقها أن تقطعها"

وقال رؤبة:

"قد كاد من طول البلى أن يمصحا"

فكاد بمنزلة كرب في الإعمال والمعنى، قال الشاعر:

أغثني غياثاً يا سليمان إننيسبقت إليك الموت، والموت كاربي
خشية جورٍ من أميرٍ مسلطٍورهطي، وما عاداك مثل الأقارب!

وقوله: "لما أوشكت أن تضلعا": يقول: لما قاربت ذلك، والوشيك القريب من الشيء والسريع إليه، يقال: يوشك فلان أن يفعل كذا وكذا، والماضي منه أوشك، ووقعت بأن وهو أجود، وبغير "أن" كما كان ذلك في" لعل"، تقول: لعل زيداً يقوم، فهذه الجيدة، قال الله ﷿: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾، و ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ و ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وقال تميم بن نويرة:

لعلك يوماً أن تلم ملمةٌعليك من الآئي يدعنك أجدعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وعسى، الأجود فيها أن تستعمل بأن، كقولك: عسى زيد أن يقوم، كما قال الله ﷿: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ وقال جل ثناؤه ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز طرح "أن "وليس بالوجه الجيد، قال هدبة:

عسى الكر بالذي أمسيت فيهيكون وراءه فرجٌ قريب

وقال آخر:

عسى الله يغني عن بلاد ابن قادرٍبمنهمرٍ جون الرباب سكوب
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة

وحروف المقاربة لها باب قد ذكرناها فيه على مقاييسها في الكتاب المقتضب بغاية الاستقصاء.

وقوله: "أن تضلعا"،معناه أن تمتلئ، وأصله أن الطعام والشراب يبلغان الأضلاع فيكظانها،كذلك قال الأصمعي في قولهم: أكل حتى تضلع.

وأما قول أبي وجزة: "راحت بستين وسقاً" فالوسق خمسة أقفزةٍ بملجم البصرة، وفي الحديث عن النبي ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" فما كان أقل من خمسة وعشرين قفيزاً بالقفيز الذي وصفنا، وهو نصف القفيز البغدادي في أرض الصدقة فلا صدقة فيه، وإنما أراد: أنه أخذ الكتاب بهذه الأوسق، فلذلك قال:

ما إن رأيت قلوصاً قبلها حملتستين وسقا ولا جابت به بلدا
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

وأما قوله:

يقرون ضيفهم الملوية الجددا

فإنما أراد السياط، وجمع جديدٍ جددٌ، وكذلك باب "فعيل" الذي هو اسم، أو مضارع للاسم، نحو قضيب وقضيب، ورغيفٍ ورغفٍ، وكذلك سرير وسررٌ وجديدٌ وجددٌ، لأنه يجري مجرى الأسماء، وجريرٌ وجررٌ، فما كان من المضاعف جاز فيه خاصةً أن تبدل من ضمته فتحة لأن التضعيف مستثقلٌ، والفتحة أخف من الضمة، فيجوز أن يمال إليها استخفافاً، فيقال: جددٌ وسررٌ، ولا يجوز هذا في مثل قضيب لأنه ليس بمضاعفٍ، وقد قرأ بعض القراء: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾، ويقال للسوط: الأصبحي، ينسب إلى ذي أصبح الحميري، وكان أول من اتخذ هذه السياط التي يعاقب بها السلطان، ويقال له: العرفاص والقطيع. وقال الشماخ:

تكاد تطير من رأي القطيع

وقال الصلتان العبدي:

أرى أمة شهرت سيفهاوقد زيد في سوطها الأصبحي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة

وقال الراعي:

أخذوا العريف فقطعوا حيزومهبالأصبحية قائما ًمغلولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «مَا بَالُ دَفِّكَ بالْفِرَاشِ مَذِيلاَ»

وقال الراجز:

حتى تردى طرف العرفاص

وقوله: "ولا جابت به بلدا"، يقول: ولا قطعت به، يقال: جبت البلاد، وقال الله ﷿: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. ويقال: رجل جواب جوالٌ. وأنشدني علي بن عبد الله، قال: أنشدني القحذمي:

ما من أتت من دون مولدهخمسون بالمغدور بالجهل
فإذا مضت خمسون عن رجلٍترك الصبا ومشى على رسل

وأمر مصعب بن الزبير رجلاً من بني أسد بن خزيمة بقتل مرة بن محكان السعدي، فقال مرة في ذلك:

بني أسد إن تقتلوني تحاربواتميماً إذا الحرب العوان اشمعلت
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة
ولست وإن كانت إلي حبيبةبباكٍ على الدنيا إذا ما تولت
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

قوله: "إذا الحرب العوان" فهي التي تكون بعد حربٍ قد كانت قبلها، وكذلك أصل العوان في المرأة إنما هي التي قد تزوجت، ثم عاودت فخرجت عن حد البكر، وقول الله ﷿ في كتابه العزيز: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ هو تمام الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والفارض ههنا: المسنة، والبكر الصغيرة، ويقال: لهاةٌ فارضٌ أي واسعة، وفرض القوس موضع معقد الوتر، وكل حز فرضٌ، والفرضة متطرقٌ إلى النهر، قال الراجز:

لها زجاجٌ ولهاة فارض

وقوله" اشمعلت، إنما هو ثارت فأسرعت، قال الشماخ:

رب ابن عم لسيلمى مشمعلأروع في السفر وفي الحي غزل

طباخ ساعات الكرى زاد الكسل

وقوله:

ولست وإن كانت إلي حبيبةٍبباكٍ على الدنيا

إنما هو تفديم وتأخير، أراد: ولست بباكٍ على الدنيا وإن كانت إلي حبيبة. ولولا هذا التقدير لم يجز أن يضمر قبل الذكر، ومثله:

إن تلق يوماً على علاته هرماًتلق السماحة منه والندى خلقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وكذلك قول حسان بن ثابت:

قد ثكلت أمه من كنت واحدةأو كان منتسباً في برثن الأسد

ويقول: من كنت واحده قد ثكلت أمه، وكذلك:

شر يوميها وأخزاه لهاركبت هندٌ بحدجٍ جملا

يقول: ركبت هند بحدج جملا في شر يوميها.

وقال رجل من مزينة:

خليلي بالبوباة عوجا فلا أرىبها منزلاً إلا جديب المقيد
نذق برد نجدٍ بعد ما لعبت بناتهامة في حمامها المتوقد

قوله: "بالبوباة"، فهي المتسع من الأرض، وبعضهم يقول: هي الموماة بعينها، قلبت الميم باء لأنهما من ااشفة، ومثل ذلك كثير، يقولون: ما اسمك وبا اسمك? ويقولون: ضربة لازم ولازب، ويقولون: هذا ظأمي وظأبي، يعنون السلف، قال أبو الحسن: الجيد سلف، وما قال ليس بممتنع، ويقولون: زكبة سوءٍ وزكمة سوءٍ، أي ولد سوء ويقولون: عجم الذنب وعجب الذنب، ويقولون: رجل أخرم وأخرب، وهذا كثير. وقال عمر بن أبي ربيعة:

عوجا نحيي الطلل المحولاوالربع من أسماء والمنزلا
بجانب البوباة لم نعدهتقادم العهد بأن يؤهلا

وقوله: "إلا جديب المقيد"، يقال: بلد جدبٌ وجديبٌ، وخصب وخصيب، والأصل في النعت خصيبٌ ومخصبٌ، وجديبٌ ومجدب، والخصب والجدب إنما هما ما حل فيه، وقيل: خصيبٌ وأنت تريد مخصب، وجديبٌ وأنت تريد مجدبٌ، كقولك: عذاب أليم وأنت تريده مؤلم، قال ذو الرمة:

ونرفع من صدور شمردلاتٍيصك وجوهها وهج أليم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أحادرة دموعك دار مي»

ويقال: رجل سميع، أي مسمعٌ، قال عمرو بن معد يكرب:

أمن ريحانة الداعي السميعيؤرقني وأصحابي هجوع
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»

وأما قوله: "المقيد" فهو موضع التقييد: وكل مصدر زيدت الميم في أوله إذا جاوزت الفعل من ذوات الثلاثة فهو على وزن المفعول، وكذلك إذا أردت اسم الزمان واسم المكان، تقول: أدخلت زيداً مدخلاً كريماً. وسرحته مسرحاً حسناً، واستخرجت الشيء مستخرجاً، قال جرير:

ألم تعلم مسرحي القوافيفلا عياً بهن ولا اجتلابا

أي تسريحي، وقال ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً﴾ ويقال: قمت مقاماً، واقمت مقاماً وقال ﷿: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ أي موضع، وقال الشاعر:

وما هي إلا في إزارة وعلقةٍمغار ابن همام على حي خثعما

يريد زمن إغارة ابن همام.

وأما قوله: "نذق برد نجدٍ"، فذاك لأن نجداً مرتفعة وتهامة غورٌ منخفض، فنجدٌ باردة.

ويروى عن الأصمعي أنه قال: هجم علي شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم بها هرباً من حر مكة فلقيني أعرابي فقلت له: أين تريد? فقال: أريد هذا البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك فيه. فقلت له: أما تخاف الحر? فقال من الحر أفر.

وهذا الكلام نظير كلام الربيع بن خثيم، فإن رجلاً قال له - وقد صلى ليلةً حتى اصبح - أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب: إن أفره العبيد أكيسهم.

ونظير هذا الكلام قول روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب - ونظر إليه رجل واقفاً بباب المنصور في الشمس - فقال: قد طال وقوفك في الشمس! فقال روحٌ: ليطول وقوفي في الظل.

ومثله من الشعر قوله: قال أبو الحسن: هو عروة بن الورد:

تقول سليمى لو أقمت بأرضناولم تدر أني للمقام أطوف
لعل الذي خوفتنا من ورائناسيدركه من بعدنا المتخلف

ويروى: "لسرنا".

وقال آخر:

سأطلب بعد الدار منكم لتقربواوتسكب عيناي الدموع لتجمدا

وهذا معنى كثير حسن جميل.

وقال حبيب بن أوس الطائي:

أآلفة النجب كم افتراقٍأجد فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلالموقوفٍ على ترح الوداع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

وقال رجل - واعتل في غربةٍ فتذكر أهله:

لو أن سلمى أبصرت تخدديودقةً في عظم ساقي ويدي
وبعد أهلي وجفاء عوديعضت من الوجد بأطراف اليد

قوله: "أبصرت تخددي"، يريد ما حدث في جسمه من النحول، وأصل الخد ما شققته في الأرض، قال الشماخ:

فقلت لهم خدوا له برماحكمبطامسة الأعلام خفاقة الآل

ويقال للشيخ: قد تخدد، يراد قد تشنج جلده، وقال الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، وقيل في التفسير: هؤلاء قوم خدوا أخاديد في الأرض، وأشعلوا فيها نيراناً فحرقوا بها المؤمنين.

وقوله:

عضت من الوجد بأطراف اليد

فإن الحزين، والمغيظ، والنادم والمتأسف يعض أطراف أصابعه جزعاً، قال الله ﷿: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾.

وفي مثل ما ذكرنا من تخدد لحم الشيخ، يقول القائل:

يا من لشيخ قد تخدد لحمهأفنى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء حالكةً وسحق مفوفٍوأجد لوناً بعد ذاك هجانا
صحب الزمان على اختلاف فنونهفأراه منه كراهةً وهوانا
قصر الليالي خطوة فتدانىوحنون قائم صلبه فتحانى
والموت يأتي بعد ذلك كلهوكأنما يعنى بذاك سوانا

قوله:

أفنى ثلاث عمائم ألوانا

يعني أن شعره كان أسود، ثم حدث فيه شيب مع السواد، فذلك قوله: مفوف، والتفويف: التنقيش، وإنما أخذ من الفوف، وهي النكتة البيضاء التي تحدث في أظفار الأحداث، وسميت بذلك لشبهها بشجرة يقال لها الفوفة وجمعها فوفٌ، والسحق: الخلق، يقال: عنده سحق ثوبٍ، وجرد ثوبٍ، وسمل ثوبٍ.

وقوله: أجد أي أستجد لوناً، والهجان الأبيض، وهي العمامة الثالثة يعني حيث شمله الشيب.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.