من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تعليقات للْقَاضِي على مَا تقدم
قَالَ القَاضِي: قَول حَاتِم: الْبَيْت الظليم أَرَادَ: المظلم، ومفعل قد ينْصَرف إِلَى فعيل، وَمن ذَلِك عَذَاب أَلِيم أَي مؤلم، قَالَ الله ﵎: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ " يُونُس: وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر:
ونرفع من صُدُور شمردلاتٍيصك وجوهها وهج أَلِيم
وَمِنْه سميع بِمَعْنى مسمع، قَالَ الشَّاعِر:
أَمن ريحانه الدَّاعِي السَّمِيعيؤرقني وأصحابي هجوع
أَرَادَ المسمع. وَقد يُقَال سميع بِمَعْنى سامع، وَيَأْتِي على فعيل للْمُبَالَغَة مثل رَاحِم وَرَحِيم، وحافظ وحفيظ، وعالم وَعَلِيم، وقادر وقدير، وناصر ونصير، فِي نَظَائِر لهاذا كَثِيرَة جدا. وَقَول ذِي الرمة فلأياً قِيَامهَا أَي بطيء؛ وَقَالَ زُهَيْر:
وقفت بهامن بعد عشْرين حجَّةفلأيا عرفت الدَّار بعد توهم
وَقَول أبي قيس: " وكيرمنها جاراتها " هَكَذَا رُوِيَ لنا على لُغَة من يَأْتِي بعلامة الْجمع مَعَ تقدم الْفِعْل وفراغه من الضَّمِير، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
وَلَكِن ديافي أَبوهُ وَأمهبحوران يعصرن السليط أَقَاربه
الْأَفْصَح ويكرمها وَقد مضى فِي بعض مَا تقدم من مجالسنا هَذِه قَول لنا فِي هَذَا الْمَعْنى وتفريق بَين عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي العلاقة، وَبَين عَلامَة التَّأْنِيث، ويستغنى بِهِ عَن إِعَادَته فِي هَذَا الْموضع. وَقَول أَبِي قيس بْن الأسلت " كعنقود ملاحية " رُوِيَ لنا فِي هَذَا الْخَبَر ملاحية بتَشْديد اللَّام، ولغة الْعَرَب الفصيحة السائرة ملاحية يَقُولُونَ عِنَب ملاحي، وَرَوَاهُ الحَدِيث وَالْأَخْبَار الَّذين لَا علم لَهُم بِكَلَام الْعَرَب يغلطون فِي هَذَا كثيرا وَفِي مَا أشبهه، وَأرى أَن الَّذِي أوقعهم فِي هَذَا أَنهم لما رَأَوْا هَذَا الْبَيْت رَأَوْا ظُهُور الزحاف فِيهِ إِذا رُوِيَ مخففًا على الْوَجْه الصَّحِيح وسلامته من ذَلِك إِذا شدد، ثُمَّ لم يعلمُوا جَوَاز الزحاف واطّراده وَظُهُور اسْتِعْمَاله وَأَن أَكثر الشّعْر مزاحف، وَمَا لَا زحاف فِيهِ قَلِيل نزر جدا؛ وَهَذَا الْبَيْت من الطَّوِيل والزحاف فِيهِ ذهَاب يَاء مفاعيلن ورده إِلَى مفاعلن، وَيُسمى هَذَا النَّوْع من الزحاف قبضا لذهاب خَامِس حُرُوف الْجُزْء، وَيُسمى الْجُزْء الَّذِي لحقه هَذَا الزحاف مَقْبُوضا، وَقد يسقطون نون مفاعيلن على معاقبة الْقَبْض فِيهِ وَهُوَ ذهَاب الْيَاء وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي السُّقُوط، وَيُسمى هَذَا الزحاف الْكَفّ لذهاب السَّابِع من حُرُوف جزئه، وَيُسمى الْجُزْء مكفوفًا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع