من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
الباب الثامن والأربعون في ذكر السّراب، ولوامع البروق، ومتخيّلات المناظر ووصف السّحاب
(السّراب): هو الذي يتلألأ نصف النهار كأنّه ماء، لازقا بالأرض وهو الآل وقيل الآل يكون ضحوة، والسّراب نصف النّهار. وفي القرآن: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
وقيل في الفرق بينهما: إنّ الآل هو الذي يرفع كلّ شيء، وسمّي الآل لأنّ الشخص هو الآل، فلما رفع الشّخص قيل هذا آل. قال الأعشى:
حتّى لحقناهم تعدى فوارسناكأنّنار عن قف يرفع الآلا
وقيل: هذا من المقلوب، أراد كأنّنار عن قف يرفعه الآل، والآل يرتفع عن وجه الأرض، واللّعاب الذي يتساقط من السّماء كأنّه زبد في مرأى العين ويسمى ريق الشّمس.
قال:
يثرن الثّرى حتّى يباشرن بردهإذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
ويلمع اسم السّراب، وفي المثل: إنما أنت يلمع.
ويقال لبرق الخلّب: يلمع أيضا ولذلك قيل: أكذب من يلمع، واليلامع من السّلاح:
ما برق نحو البيضة، ولا معا المفازة جانباها.
ويقال: ما بها لا مع أي أحد، و (الرّقراق) مثل السّراب وقيل رقراق السّراب ترقرقه.
قال الشّاعر:
يدوم رقراق السّراب برأسهكما دوّمت في الأرض فلكة مغزل
وقد صحا السّراب أي انكشف ومصح الآل وتسعسع والذي تراه في الشّمس كأنه خيط ممتد يقال له مخاط الشّيطان. وقد كنّي عن السّراب بأبوال البغال قال شعرا:
وحمير أبوال البغال بأنّنيتسديت وهنا ذلك البينا
قال بشر يصف إبلا:
فقد جاوزن من غمدان أرضالأبوال البغال بها وقيع
يطان بها فروث مقصراتبقاياها الجماجم والضّلوع
وإنّما قالوا ذلك لأنّ البغال لا تتناسل فلا ينتفع بأبوالها كما لا ينتفع بالسّراب.
ويقال: فلان كثير البول إذا كان كثير، و (الوقيع) الخضر تكون في الأرض.
وقال ابن الأعرابي: البغال باليمن، فبيّن أنّ هذه الأرض تكون باليمن.
قوله بطان: يعني قوائم النّاقة، والمراد بالأرواث كروش إبل قصرن عن السّير فتركت مخلفات فأكلهنّ السبّاع.
ويقال للسّراب المسجهر الكذوب اللّون. وقال ذو الرّمة يصف الأظعان:
توارى وتبدو لي إذا ما تطاولتشخوص الضّحى وانشقّ عنها غديرها
(الشّخوص): تطاول في وقت الضّحى لأن السّراب يرفعها يقول تبدو لي الأظعان في ذلك الوقت إذا رفعها الآل وتواري إذا انشقّ عنها غديرها، يعني السّراب، وهذا الذي يشير إليه لتخيل الشّخوص في المناظر، لذلك قال ابن أحمر:
وازدادت الأشباح أخيلةوتعلّل الحرباء بالثّغر
وقال جرير
ومن دونه تيه كأنّ شخوصهايحلن بأمثال فهنّ شوافع
وقال ذو الرّمة في بيان السّراب يصف فلاة:
بها غدر وليس بها بلالوأشباح تحول وما تريم
تموت قطا الفلاة بها أواماويحسر في مناكبها النّسيم
قوله: (أشباح تحول): أي تتحرّك ولا تبرح بل يخيّل ذلك إليك. وقال الشّماخ وذكر ناقة:
إذا شرفات الآل زالت ونصفتتناطح ضبعاها به ويداهما
قوله: نصفت: صار السّراب إلى أنصافها، وقوله: ويداهما: جعل اليدين للضّبعين وقال:
وحومانة زرقاء يجري سرابهابمنسجة الآباط حدب ظهورها
(حومانة): أرض غليظة، و (المنسجة): المنصبّة أي ليست بضيقة الفروج وقال الكميت:
إذا ما الآل أعرض لم يجمحإليّ بأعين الخوف الغيوب
(يجمح): ينظر نظرا شديدا، و (الغيوب): جمع الغيب وهو المتخفّض. وقال ذو الرّمة:
ترى الريعة القوداء منه كأنّهامناد بأعلى صوته القوم لامع
الرّيعة: هضبة وهي الجبل الصّغير المفترش مع الأرض، أي كأنّها في السّراب، (مناد): يلمع بثوبه، وقوله يصف قنه. قوداء طائقها في الآل محزوم الطّائق حرف شاخص في القنّة وقوله: كأنّما الأعلام فيها سير. أي كأنّها تسير في السّراب. قال جران العود وذكر أرضا:
ببلقعة كأنّ الأرض فيهاتجهز للتّحمل والبكور
يريد أنّ السّراب يطرد فيها فكأنها تجهز. وقال ابن الدّمينة:
برماحة الأنضاد فماصة الصّوىتداوي المطايا من مروح العجازف
(الأنضاد): جمع النّضد وهو ما تراكم من الجبل. و (الصّوى): الأعلام وتقصمها في السّراب.
قال أبو النّجم:
بمهمة سابغة جلالهينفض في العين الضّحى أسماله
أراد ينفض الضّحى أسمال السّراب فيما ترى العين وقال:
حتى إذا الأكم طفت في آلهامثل طفو الحمّ في آهالها
وقال:
إذا السّراب استشخص الأجذالاواطّردت دياسقا أسمالا
واستنسج الآرام والتّلالا الأجذال: أصول الشجر، (واطّردت دياسقه): وهو السّراب الأبيض وشبهه بأسمال الثّياب. قال ابن مقبل:
ويوم يقسّم ريعانهرؤوس الأكام يغشّين آلا
ترى البيد تهدج من حرّهكأنّ على حزم راء بغالا
بغالا عقارى تغشّينهوكلّ تحمل منه فزالا
جعلها (عقارى): لأنّها لا تلد، و (ريعانه): أوّله، (تهدج): تتحرك يعني أنّ الآل يتحرّك فكأنّ (بغالا) على كل شرف توجف. ولأبي ذؤيب:
يستنّ في عرص الصّحراء فائزهكأنّه سبط الأهداب مملوج
وأنشد:
ونسجت لوامع الحرورسبائيا كسرق الحرير
فالمراد به السّراب يستدل من هذا البيت على أنّ السّرق يقع على الحرير الأبيض دون غيره. قال ذو الرّمة:
إذا تنازع جالا مجهل قذفأطراف مطّرد بالحرّ منسوج
تلوى الشّنايا بأحقيها حواشيهلي الملأ بأطراف التّفاريج
جعل أطراف السّراب المنسوج بالحرّ يتنازعها جانبا المفازة، وقد بالغ في الإبانة والتّصوير. وهذا كما قال الرّاعي:
وإذا ترقّصت المفازة غادرتزبدا يبغّل خلفها تبغيلا
ويعني بالزّبد حادي الإبل، وما أوردناه في السّراب ووجوه تشبيه كاف في هذا الموضع.
فأمّا البرق: فإنّ الأصمعيّ قال: أحسن ما قيل في وصف البرق والغيث قول عدي بن الرّفاع:
فقمت أخبره بالغيب لم يرهوالبرق إذانا محزون له أرق
قال أبو نصر: كذا رويناه عن الأصمعي، وهذا مما يعد من تصحيفه. ورواه أبو عمر والشيباني وابن الأعرابي وأبو عبيدة. والبرق إذانا محزوله أرق: أي مشترف مراقب.
وتصحيح رواية الأصمعي:
لا كلفته فيه وبعده مرنيسبح في ريح شآمية
مكلل بعمأ ألماه منتطق
معنى (يسبح): يعرض وروى يسبح أي الرّعد. وقال:
ألقى على ذات أحقاد كلاكلهوشتّ نيرانه وانجاب يأتلق
نارا يعاود منها العود حدّتهوالنّار تسفع عيدانا فتحترق
وبات تجتلب الجوزاء درتهابنوئها حين هاجت مربع نعق
يبكي ليدرك محلا كان ضيّعهيريق منبسط منه ومندفق
جون المسارب رقراق تظلّ بهشم المخارم والأثناء تصطفق
يكاد يطلع ظلما ثم يغلبهعز الشّواهق والوادي به شرق
ويقال في البرق: يشرى- ويومض- ويعن- ويعترض- ويوبض- ويستطير- ويستطيل- ويلمع- ويتبوج- ويخطف- ويخفو- ويبرق- ويتألّق- ويتلألأ- ويستشري- وينيض- ويخرق- ويسلسل- ويشتن- ويبتسم- ويضحك- ويبعق- وينشق- ويرتعص- ويقري- ويهص- ويثقب- ويلوّح- ويتهلّل- ويتكلّل. ومما يستحسن في وصف البرق وخفائه، والرّعد في حدائه، والثّلج ولألائه- قول بعضهم:
ينبض نبض العرق في استخفاءكأنّه في البعد والخفاء
شرارة تطرف من قصباءأو طرف طيرهم باقتداء
حتى إذا امتدّت على السّواءورجفت بزجل الحداء
وقعقعت بالرّعد ذي الضّوضاءكأنّ بين الأرض والسّماء
رجل جراد ثار في عماءأو سرعانا من دبا غوغاء
وكرسفا ينذف في الهواءتطيره الرّيح على قواء
أو حلبا ينطف من أطباءأو رغوة تنفش من غرلاء
أو كتفي الفضّة البيضاءأو كانتثار الدّر ذي اللّألاء
أو كانتظام الودع في الإخفاءفأشمطت الأرض على فتاء
واستوفت الآكام بالصّواء
وقال آخر:
وأرض أنست بأهوائهاوغيث سريت له إذ سرى
وشمت بوارق أقطارهفبرق يلوح وبرق خبا
وبات يعجّ عجيج القطاوباتت بجوالقها تمترى
وقد هدأ الصّوت من غيرهودارك بين البكا والفنا
وقلت له حين أبصرتهيراوح بين الخسا والزّكا:
أأنت القطار أم أنت البحار أم أنت قاسم المرتجى؟
فأنبت ما لم يكن نابتاوقلع من نبته ما عفا
ولم تلبث الأرض أن صرّحتعن النور واخصر أعلى الضّفا
وصار على الأرض من وبلهقناع السّيول وإزر الربى
شعر:
تأزّرت الأرض ثم ارتدتمن النّور حليا كساها الحيا
وصار سواء إذا جبتهامفاوز بربّها والقرى
قال العتابي:
أرقت للبرق يخبو ثمّ يأتلقيخفيه طورا ويبديه لنا الأفق
كأنّها غرّة شهباء لامحةفي وجه دهماء ما في جلدها يلق
أو ثغر زنجية تغترّ ضاحكةتبدو مشافرها طورا وتنطبق
أو غرّة الصّبح عند الفجر حين بدتأو في المساء إذا ما استعرض الشّفق
له بدائع حمر اللّون هائلةفيها سلائل بيض مالها حلق
والغيم كالثّوب في الآفاق منتشرمن فوقه طبق من تحته طبق
تظنّه مصمتا لا فتق فيه فإنسالت عزاليه قلت الثّوب منفتق
إن قعقع الرّعد فيه قلت ينخرقأو لألأ البرق فيه قلت تحترق
تستكّ من رعده أذن السّميع كمايغشي إذا نظرت في برقه الحدق
فالرّعد صهصلق والرّيح مختزقوالبرق موتلق والماء منبعق
غيث أواخره تحدو أوائلهأرب بالأرض حتى ماله لثق
قد حاك فوق الرّبى نورا له أرجكأنّه الوشي والدّيباج والسّرق
فطار في الأنف ريح طيب عبقونار في الطّرف لون مشرق أنق
من خضرة نبتها حمراء قانيةأو أصفر فاقع أو أبيض يقق
ولبعض بني مازنة:
إذا الله لم يسق إلّا الكرامفاسق ديار بني حنبل
ملثا مرباله هيدبصخور الرّواعد والأزمل
تكركره حصحصات الجنوب وتفزغه هزة الشّمال
كأنّ الرّباب دوين السّحابنعام تعلق بالأرجل
كأنّ الركية من فيضهإذا ما بدا فلكة المغزل
قال علي بن الجهم في السّحاب شعرا:
وسارية ترتاد أرضا تجودهاشغلت بها عينا قليلا هجودها
أتتنا بها ريح الصّبا وكأنّهافتاة ترجيها عجوزا تقودها
تميس بها ميسا فلا هي إن دنتنهتها ولا إن أسرعت تستعيدها
تقاربها في كلّ أمر تريدهليسرح في أكنافها من يريدها
إذا فارقتها ساعة ولهت لهكأمّ وليد غاب عنها وليدها
فلمّا أضرّت بالعيون بروقهاوكادت تصمّ السّامعين رعودها
دعتها إلى حلّ النّطاق فأرعشتيداها وخرّت سمطها وعقودها
وكادت تمسّ الأرض إمّا تلهفّاوإمّا حذارا أن يضيع فريدها
فلمّا رأت حرّ الثّرى متعقدابمازلّ عنها والرّبى تستزيدها
وأنّ أقاليم العراق فقيرةإليها أقامت بالعراق تجودها
فما برحت بغداد حتّى تفجّرتبأودية ما تستفيق مدودها
وحتّى رأينا الطّير في جنباتهاتكاد أكفّ الغانيات تصيدها
وحتّى اكتست من كل نور كأنّهاعروس عليها وشيها وبرودها
ودجلة كالدّرع المضاعف نسجهالها حلق تبدو وتخفي حديدها
فلمّا قضت حقّ العراق وأهلهأتاها من الرّيح الشّمال يريدها
فمرّت تفوت الطّير سبقا كأنّهاجنود عبيد الله ولّت بنورها
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع