تجاوز إلى المحتوى

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)

باب في أخبار الوحدة

هذا باب لا يختاره إلاَّ من فقد نديماً مساعداً وخليلاً موافقاً وتبرَّم من معاشرة ثقيل ممن قدمنا ذكره في الباب الذي قبل هذا، فلزم الوحدة ضرورةً، إذ كانت أدعى إلى السلامة من مخالطة الإنسان غير شكله ونظيره ممن يُخشى بوائقه، ألا ترى قول أبي نواس، وهو أمير هذا الشأن وفارسه، يقول:

خلوتُ بالرَّاحِ أُناجيهاآخذ منها وأُعاطيها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلوت بالراح أناجيها»
نادمتها إذ لم أجد مسعداًأرضاه أن يشركني فيها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلوت بالراح أناجيها»

فهذا مما يدلك على فضل النبيذ، وأنه لم ينفرد بالنبيذ مختاراً، وإنما توجد بشربه ضرورةٌ إذ كانت أدعى إلى السلامة من مخالطة الإنسان غير شكله، ولقوله: إذ لم أجد مسعداً، أو ليس هو القائل:

والراح طيبة وليس تمامُهاإلا بطيب خلائق الجلاَّسِ

وقال آخر:

لما عدمت رفيقاًجعلت زقيّ رفيقي
فتىً إذا جف ريقيبريقه بلَّ ريقي
قالوا: اتخذت صديقافقلتُ: زقيّ صديقي

وقال كُشاجم:

إذا بدا لي من أخي ودٍّ جَنَفْوراح في أثواب تيهٍ وصَلَف
خلوتُ وحدي بمناجاة الصُّحففكان لي فيهنَّ لهوٌ وطُرف

وكن لي من كلِّ ما شئت خَلَفْ

وله:

إذا وجدتَ المُدام فاغْنَ بهاعن كل من في نِدامهِ سُخُفُ
فيها لنا من نِدلمه خَلَفٌوليس فيه من شربها خَلَفُ
فلا يُشاركَ في السرور بهامشاركٌ، كلُّ شِركةٍ أَسَفُ

وقال آخر:

لم أجد فيما تصرَّفت على الكأس كريما

فشربت الكأس وحدي ثم أقصيت النديما

وقال آخر:

أيها اللائم الذي لام في الوحدة أقصر فقد لهجتَ بِعَذْلِ

كيف لي بامرئٍ توافق روحيروحَهُ عند كل جدٍّ وهزلِ

وقال أبو الهندي:

يدي لا تعاف الكأس أُنساً بشربهاولكن تعاف الكأس مع دنسٍ وغد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
على مثلها مثلي يكون منادميفإن لم أجد مثلي خلوت بها وحدي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وكان أبو نواس مع استهتاره بالنبيذ ومحبته للأخوان والمنادمة كثيراً ما يستعمل الخلوة ويغيب الغيبة المنقطعة منفرداً.

حكى يوسف بن الداية قال: غاب أبو نواس عن إخوانه فلم يعرفوا له خبراً، ولا وقعوا منه على أثر حتى مضت له سنة فظنوا أنه قد قتل، وبلغ ذلك الرشيد فقال والله لئن صحَّ عندي أنه قتل لأقتلن قاتله ولو كان محمداً، انظروا كلَّ من كان هجا من الناس فاكتبوا اسمه وارفعوه إليَّ، فارتجت بذلك بغداد، فلما كان على رأس الحول إذا نحن به قد وافى فقلنا يا أبا عليّ، غبت هذه الغيبة، فغممتنا، وظننا بأمرك الظنون. قال: كنتُ في موضع أرتضيه وأشتهيه، قلنا: ألم تسمع بافتقادِنا لك وقول الرشيد فيك، ولم يبق أحدٌ من إخوانه إلاَّ عَذَلَهُ وعنَّفه، فأشأ يقول:

إني لفي شُغلٍ عن العاذلينبالراح والريحان والياسمين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إني لفي شغل عن العاذلين»
عند غلامٍ حسنٍ وجههُقلبي حبيسٌ في هواه رهين
قولي إذا صِرتُ على ظهرهِكقولِ قومٍ رحلوا ظاعنين
سبحان من سخَّر هذا لنامنه وما كنَّا له مُقرنين

فلما أنشدنا قال: بحياتي من يساعدني منكم ختى أريه إياه فيعذرني أو فيحسدني، فمضى بنا إلى الموضع فإذا بغلام من أحسن الناس وجهاً، فقال له: بحياتي غنِّ، فإذا هو أحسن الناس غناءً، فقال: من يلومني أن أنقطع عن أهل الدنيا وأعتكف على هذا الوجه، وقد جُمع لي فيه كل شيءٍ أشتهيه.

ولو لم تسحبَّ الوحدة على النبيذ إلاَّ لِما امتحن الإنسان به من مثل ما قدمناه من ذكر الجليس الثقيل [لكفى]، بل تركُ النبيذ بالجملة آنسُ من منادمته، والصبرُ على الوحشة أخفُّ من مؤانسته، فقال أبو نواس:

لنا نديم لا أُسميهِلكنني أكني وأعنيه

إذا انتشى خاصم في الدين إن صادف إنسناً يماريه

ويدَّعي الشرب بلا غايةٍوالقدح الواحد يكفيه
يحبس كأسَ القوم في كفِّهِحتى إذا قالوا [له] إيهِ
أفضل ثلثَ الكأسِ في قعرهاومجَّ ثلث الكأس من فيه

وقال آخر:

ظهروا فكانوا للعيون مدامعاًوخَفَوا فكانوا للنفوس هموما
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «اشرب فما لؤم الزمان وإنما»
فلذلك آثرتُ التفرد والنوىوغدوت للراحِ المدامِ نديما

الأمير تميم بن المعز:

اِشرب فما لَؤم الزمان وإنماأبناؤه مَسخوا المكارم لوما
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «اشرب فما لؤم الزمان وإنما»
قومٌ تناهى الجهل فيهم، وانتهىبهم، وعوَّج منهم التقويما
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «اشرب فما لؤم الزمان وإنما»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.