تجاوز إلى المحتوى

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)

ذكر ما جاء في التداعي

يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من دخل على غير دعوةً دخل سارقاً، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وعنه " ص " أنه قال: إذا دُعيَ أحدكم فجاء مع رسولٍ فإن ذلك له إذنٌ. ودعا رجل عليَّ بن أبي طالب " رض " إلى طعامٍ فقال: نأتيك على ألاَّ تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تدَّخِر عنا ما عندك. وكان يقول: شرٌ الإخوان من تُكُلِّفَ له. وقال ابن عباس (رض): من نقل قدمه إلي فله الفضل عليَّ، وكان بعضهم يقول: بليَّةٌ تضني البدنن؛ رسولٌ بطيء، وسراج لا يضيء، وانتظار من لا يجيء. وقال ابن عباس (رض): دعاني رجل إلى وليمة يوم جمعة، فبكَّرت إلى المسجد، فلم أنصرف إلى العشيِّ، فلقيني الرجل فقال: عصَيْتَ الله في هذا اليوم ثلاث مرات؛ قال الله ﷿: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، فسعيت قبل النداء، وقال: إذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، فتركت الانتشار إلى العشي، ووعدتني فأخلفت، فلم يكن لي جواب إلاَّ أن قلتُ: لا أعود.

وكتب العدوي إلى صديق له:

كنتَ المُعَزِّي بفقديوعِشْتَ ما عِشت بعدي
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت المعزى بفقدي»
أَهدي إليَّ أخٌ ليسُلَيْلَ مِسْكٍ وورد
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت المعزى بفقدي»
أرقَّ من دمع صَبٍّيشكو صبابة وجدِ
فاخلع عليَّ سروراًبكونك اليوم عندي
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت المعزى بفقدي»

وكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى صديق له:

صباحٌ مطيرٌ، ووجهٌ نَضيرُوقدرٌ تفور، وكأسٌ تدورُ
وبيني وبينك ما قد علمتببيتٍ يَسُرُّ وشعرٍ يَسيرُ
فقم نصطبح قبل فوت الزمانِفإن زمان التلاقي قصير

وكتب البحتري إلى المبرِّد:

يوم سبتٍ، وعندنا ما كفى الحُرَّ، طعامٌ، والوردُ منّا قريبُ

ولنا مجلس على النهر فيَّاح فسيحٌ، ترتاح فيه القلوبُ

ودوامُ المُدام يدنيكَ مِمَّنكنت تهوى، وإن جفاك الحبيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «يوم سبت وعندنا ما كفى الحر»
فأْتِنا يا محمدُ بن يزيدٍفي استتارٍ كي لا يراك الرقيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «يوم سبت وعندنا ما كفى الحر»
تطرد الهمَّ باصطباح ثلاثٍمُترَعاتٍ، تُنفي بِهِنَ الكروبُ

إن في الراح راحةً من جوى الحب وقلبي إلى الأديب طَروبُ

لا يرعك المشيب منِّي فإنيما ثناني عن التصابي المشيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «يوم سبت وعندنا ما كفى الحر»

إبراهيم بن إسماعيل:

صباح مطيرٌ، وعيش نضيرُوقدرٌ تفور، وكأس تدور
وفينا مساعدة جمَّةٌيتمُّ بها لي فيك السرورُ

فإن كان هذا كما قد وصفت فإنَّالتفرُّقَ خطبٌ كبيرُ

فقم نصطبح قبل فوت الزمانفإن زمان التلاقي قصير

قال إسحق: وكتب إلي العباس بن جرير: لو لم يكن في الاجتماع عندنا إلاَّ طرح الحشمة، وتأكيد المودَّة، لكان كافياً، فكيف وفيها من مفارقة الأحزان ما أنت عارف والسلام.

وقال آخر:

اليوم يوم كتابِويوم إغلاق بابِ
ويوم ناي وعودٍونرجس وشرابِ

وقال آخر:

يومنا طيب ولو شاء ربيزادني فيه باقترابك طيبا

ليس يصفو إلاَّ بقربك لي عيشٌ، ومن لي بأن تكون قريبا

ولعمري لو شئت زرتَ، ولو زرت، لما كان ذاك منك عجيبا

وكتب ذيك الجن، إلى بعض إخوانه:

لك عندي من طِّيب الورد أطباق ملاحٌ تدني بعيد سرورِكْ

وشرابٌ كطِيب نشرك يلقيفوق أيدي السقاة نوراً كنورِك
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «لك عندي من طيب الورد أطبا»
فبحقي، أهدِ السرور إلى منلا يلذُّ الدنيا بغير حضورك
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «لك عندي من طيب الورد أطبا»

وكتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندي سكباج يرغب [فيه] المحبون، وحديث يطرب المحزون، وإخوانك المحبُّون فلا تعلُ عليَّ وأأتونْ. فكتب إليه أبو العيناء: اخسأُوا فيها ولا تكلِّمون.

وكتب كُشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك:

هو يوم شكٍّ يا عليُّ وأَمرُهُ قد كان يُحذَرْ

والجوُّ حُلَّتُه مُمسكةٌ ومُطرَفُهُ مُعنبرْ

ولنا فضيلات تكون ليومنا قوتاً مُقدَّرْ

ومدامة صفراءَ أدرك عمرَها كسرى وقيصر

فانشط بنا لنَحُثَّ من كاساتنا ما كان أكبر

أو لا فإنك جاهل إن قلت إنك سوف تُعْذَرْ

وكتب العباس بن جرير: يومنا طاب أولُه ودجا آخرُهُ، مستقبلٌ ذو سماءٍ قد أقشعت بعد أن أروت، وأنت تُكثِّر القليل، ونشفي الغليلَ، فلا توحشنا بتخلفك عنا، ولا تستوحش بتفردك منا فإنك إن تأتنا نشكرُ وإن تخلفت عنا لا نعذر.

الفضل بن جعفر: يومنا يوم رقيق الحواشي، ليِّن النواحي وأنت موضع السُّرور، ونظام العيش والحبور، فأقبل إلينا وكن جواب رقعتنا، نَسْعد بك وتسعد بنا.

وكتب آخر: يومنا قد أشرق نوره، وكمل سروره، ذو سماءٍ قد هطلت، وجادت بوبلها وأسبلت، وبك تمام كل لذة، فأجمع شملنا بقربك.

وكتب آخر: رؤيتك أحسن من العافية وأزين من المال والولد، وقد اشتقت إلى نِعَمِكَ العذاب، فبحف العشرة وعظيم حق الخدمة، إلا مننت برد الجواب فكنته.

وكتب آخر: أنا ظمآنٌ إلى رؤيتك، صادٍ إلى تكرار الطرف في غُرَّتك، فإن رأيت أن تبرِّد غليل أخيك، وتبهج وجهه بماءِ وجهك، وتؤنس وحشته بقربك، وتؤثره على كل شغلك، وتدفع همومه بمحاضرتك.

سعيد بن حميد: قد جعلك الله للشمل نظاماً، وللسرور تماماً، وجعل مشاهد الأُنس إذا خلت منك رثة المنظر، وجعلها بك محمودة الأُر، فرأيك في إيجاب المنة على أخيك، االزيارة موفقاً.

علي بن عبده: الإبطاء ينتج القطيعة، وإدمان العهد ينمي المودة، وعلى حسب تشاكل الأخلاق يدوم التواصل، والحديث يبهج القلوب ويزيد في الأُنس، كما أن المنظر المُونق متنزَّه الأبصار.

الصنوبري:

تعالَ، عندي مجلسٌ مونِقٌيزيد أضعافاً على المونقِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ونرجسٌ أبلقُ والنفس لاتمَلُّ قرب النرجس الأبلق
وكلنا من نمطٍ واحدٍفي الرأي والمذهب والمنطق
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وكتب كشاجم:

عندي معتَّقة كودِّك صافيةونديمك الدَّمِث الرقيق الحاشية
للشاعر كشاجم، من قصيدة «عِنْدِي معتّقَة ٌ كودّكَ صافِيهْ»
وإذا طربتَ إلى السماعِ ترنَّمتبيضاء زاهية تسمىَّ زاهية
وتجيبها سوداء تُعمِلُ نايَهافتريك كافوراً يقاوم غالية
للشاعر كشاجم، من قصيدة «عندي معتقة تودك صافيه»

ف - احضُر فقد حضر السرور ولا تدع يوماً يفوتك، فهي دنيا فانية وقد آثر الظرفاء في إسقاط التصنع في هذا الباب ما هو أليق بالمؤانسة وأنفى للانقباض والحشمة، ولو لم يكن في الاحتفال من النقيصة، و [في] الاقتضاب من الفضيلة إلاَّ أن المحتفل قد ضيَّق على نفسه العذر في تقصير كان منه، والمقتضب مُغتفرٌ له ذلك، وكفى ذلك.

وكتب محمد بن الحسين إلى صديق له:

قم بنا نقتضب صبوحلً مليحاًيُسعِدُ الله فيه لي بك جَدِّي

لم أُبيتْ له اعتزاماً من الليل ولا قلت كُنْ فديتك عندي

فهو طيباً وموقعاً كحبيبٍجاءَني زائراً على غير وَعْدِ

وكان محمد بن نصر بن بسَّام يقول: قبَّح الله علياً - يعني ابنه - فما أخوفنا من هجائه، وأَنشَد قوله:

خبيصةٌ تُعقد من سُكرةوبرمة تطبخ من قُبرَّة
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة
وليس ذا في كل أيَّامِهِلكنه في الدعوة المنكرة
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة

فأما الأول فإنه يدل على ظرف الطبَّاخ، وظرف يده لأنه من مدحه أن يوصف بأنه يطبخ من الطائر ألواناً، وأما الدعوة المنكرة فإنه جعلني متصنعاً محتفلاً، ولعلَّ نعمتي وهمتي تشهدان بغير ذلك.

وكان آخر لا يسرع في شيءٍ من الدعوة حتى يحضر إخوانه ويأمنَ تخلّفهم فحينئذ يأمر بإصلاح ما يقدره لمن حصل منهم، فلا يلحقُ طعامهم حتى يتصرم يومُهم وتضطرم نار الجوع في أحشائهم. وقال فيه بعضهم:

خاف الضياع على شيءٍ يعجلهمن المطاعم إن إخوانُه ثقلوا
فليس تعلو على الكانون برُمتهحتى يرى أنهم في البيت قد حَصَلوا

قال: حدثني من أثق به عن بعض البخلاءِ أنه دعا قوماً فابتاع لهم جدياً وأشفق أن يذبحه ولا يحضرُه كهيئة المسموط وإن تأخروا استحياه وكفله وربَّاه، وانتهى إليهم الخبر من جهةٍ لطيفةٍ فدعوه إلى منزل بعضهم واحتالوا عليه حتى ظفروا بالجدي فجاؤوه به مُنوراً، فأخجلوه، وفضحوه، وقال بعضهم فيه:

ومستظهر مفرط الاحتياطبخيل بمذهبه مغتبطْ
دعا مرَّة بعض إخوانهعلى غير عمدٍ ولكن غَلطْ
فجاء بجديٍ كبعض الجداءأعظم من جسمِهِ جسمُ قِط
فقال لغلمانهِ نَوِّروهعلى أنه أجردٌ ممتعط
فإن جاء من نتقي أن يجيءرأى أَنَّه ذابحٌ قد سُمِط
وإلا أَمِنا على جديناوكان حقيقاً بأن يرتبط

وليس هؤلاء بإفراطهم في الاستظهار القبيح والنظر الدقيق بأَذَمَّ ممَّن يدعى فيجيب، ويوثق منه بالوفاءِ ثم يتثاقل عن الداعي الملهوف حتى يجيعه ويجيع إخوانه وينغص عليهم يومَهم ويبرد طعامهم، ويرد غلامه، ويطيل التشوف إليه، ويوغر بذلك الصدور عليه فجزاء هذا عندي بعد الاستظهار بالحجة، وإعادة الغلام إليه بالرسالة، أن يستأثر إخوانه بالمؤاكلة متعمدين بذلك الاستخفاف به ليؤدبوه بذلك إن كانت به مسكة، وينبهوه إن كانت له فطنة.

وكان بدمشق شاعران يتشاعران فكان أحدهما يكثر [الجلوس] عند الآخر، ولا يدعوه ذلك إلى منزله، فكتب إليه:

أبداً تحصلُ عنديثم لا أحصل عندك
إن تناصفنا وإلاَّبت يا طائيُّ وحدك

فبلغ بعض الأدباء فقال:

أرى الدعوات قد صارت قروضاًوأمراً في البرية مستفيضا
وحالي ربما نهضت وحيناتضيق فلا أرى فيها نهوضا
وأكره أن أجيب فتىً دعانيولا أدعوه، أن أُلفى بغيضا

وقال العطوي:

قِدران عندي ما للمسك طعمهماونشوةٌ لهما من طبخ بيضاء
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
ودرهم بين ريحانٍ ومنتقلٍجهدُ المقلّ، ولا كفرٌ بنعماء
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

وكتب بعضهم:

أنا في البيت وحيدواشتياقيك شديد

ولدينا الراح والريحان والعيش الحميد

فأْتِ من يبدا بذكراك اشتياقاً ويعيد

وكتب كشاجم إلى آخر وقد دعاه فتثاقل عليه:

جُعلت فداءك ماذا الجفاءقل لي متى كنت عنِّي صبورا
رددت الرسول بذلّ الحجابفحجبتَ عن مرسليه السُّرورا
وقد حضروا كلُّهم كالنجومولو قد رأوك لصاروا بدورا
وقد أحكم الطبخَ طبَّاخُناوأعجله واستتم القدورا
وفاحت بمثل ثناء العفاةِغداة انتحوا لِنداك الغزيرا
وبُلَّ لنا الخَيْشُ في قبَّةٍتعيد الشتاء وتنفي الحرورا
وحبلٌ تساقَطَ قطرُ المياهعنه إلى الأرض دراًّ نثيرا
فلو أنها نُصبت في الجحيملغادرها بردُها زمهريرا
وعندي ثلجٌ توهَّمتُهبياض أيادٍ أصابت شكورا
يريك بياض ثغور القيانرأين برأس محبٍّ قتيرا
ويعدل عن شاربيه المزاجويعدل صفراءَهم أن تثورا
وساقٍ أغنّ ومشمولةٌغدا المسكُ من ريحها مستعيرا
ومسمعةٍ تطرب السامعينبرنَّات طفل يشوق الكبيرا
وتُهدي إلى القلب زور السرورإذا حركت منه مثنىً وزيرا
فلا تُخلِنا منك يا سيديوكُنْ بالمسير إلينا جديرا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.