من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
أنبأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ المقرئ, قَالَ: سمعت بنانًا الطفيلي يَقُول
دعاني صديق لي وعنده قوم من التجار, فاشتيهيت عَلَيْهِ عصيدة, فجاءني بدوشاب خام سيلان لن تصبه النار, ودقيق من هَذَا المحور, قَدْ نخل بمنخلين دقيق وجليل, فتراه كَأَنَّهُ سحالة, الذهب فِي البوتقة, وسمن عربي بصري, وطنجير واسع مجلي, وساعد قوي, وعلامة الإنضاج من الدقيق أَن يَقُول: (تف تف), وعلامة الإنضاج من السمن أَن يَقُول: (بق بق), ثُمَّ أتيت بجون قحفي مقشور, وطرح فيها وحرك واختلط, ثم أتيت بطيفوية رحراحة, فأقليت وصيرت فِي وسطها قبرا فِيهَا سمن, فقعد معنا عليها قوم مجان لَمْ يعرفوني إلا بَعْد, فأخذ بَعْضهم لقمة, فألقاها فِي السمن, وَقَالَ: (فَكُبْكِبُوا فيها والغاون). وجر إِلَيْهِ السمن, وَقَالَ الآخر: إذا لقوا فِيهَا (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا). وجر إِلَيْهِ السمن, فَذَهَبَ, قُلْت: (وبئر معطلة وقصر مشيد). وخرقت السمن إلي, فقال الآخر: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ
أهلها لقد جئت شيا إمرا). وجر السمن, فَقُلْتُ: (أَنَّا نَسُوقُ الماء إلى الأرض الجرز). وخرقت السمن إلي, فَقَالَ آخر: (فيهما عينان نضاختان) وجر السمن إِلَيْهِ, فَقُلْتُ أنا: (فيها عينان تجريان) وخرقت السمن إلي, فَقَالَ آخر: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قدر) وجر السمن إِلَيْهِ, فَقُلْتُ أنا: (فقسناه إلى بلد ميت), وخرقت السمن إلي, فلم أر أحدًا يتكلم, فَقُلْتُ أنا: (وَقِيلَ يا أرض ابلعي ماءك وبسماء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ واستوت على الجودي وقيل بعد للقوم الظالمين). وخلطت السمن بِمَا بقي من العصيدة, فضحكوا, واختنق واحد مِنْهُم, فما زالوا يلطمون حَتَّى نزلت اللقمة, والحمد لِلَّهِ على سلامته كثيرا.
أبنأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ حسين بْن جَعْفَر الكوفي, حَدَّثَنِي بنان الطفيلي, قَالَ: عمل مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن طاهر وليمة. قَالَ: فجئت, فدخلت مَعَ من دَخَلَ, فقصدنا إِلَى مائدة أجل مائدة, عَلَيْهَا بنو هاشم, قَالَ: فدعا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بشر بْن هَارُون كاتبه, فَقَالَ لَهُ: ويلك! من صاحب الكمة- يَعْنِي: قلنسوة طويلة سوداء- عَلَى رأسه كانت وطيلسان أخضر لَيْسَ أعرفه؟ قال: فقال: ياسيدي! هَذَا رجل يقال لَهُ: بنان, يشهد هذه الولائم, دعي أَوْ لَمْ يدع. فَقَالَ مُحَمَّد بْن عبد الله بن طاهر: يابشر! إِذَا تغدى جئني بِهِ. فلما جاء بِهِ قَالَ: إيش أَنْتَ؟ - يَعْنِي: مَا أَنْتَ؟ - قَالَ: أطال اللَّه بقاء الأمير! أنا
رجل أشهد هذه الولائم دعيت أَوْ لَمْ أدع؛ فَقَالَ: سلني حاجتك. قَالَ: يا سيدي! حاجتي تكتب لي منشورًا لا يدخل عَلِي أحد فِي هذه الصناعة- أَوْ قَالَ: العمل- إلا ويدي عَلَيْهِ مطلقة؛ قَالَ: فكتب لَهُ منشورًا بِمَا يحب, وأمر لَهُ بمئة دِينَار.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن الْحَسَن: فأنا قرأت المنشور عنده بخط بشر النَّصْرَانِي.
النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع