تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار النساء» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)

باب تابعٌ لما قبله

وبالرّجال أعظم حاجةٍ إلى أن يعرفوه ويقفوا عليه، وهو الاحتراس من أن يلقى الخبر السّابق إلى السّمع لأنّه إذا ألقي دخل ذلك الخبر السّابق إلى مقرّه دخولاً سهلاً وصادف موضعاً وطيئاً، وطبيعةً قابلةً. ومتى صادف القلب كذلك رسخ رسوخاً لا حيلة في إزالته. ومتى ألقي إلى الفتيات شيءٌ من أمور الفتيان في وقت الغرارة وعند غلبة الطّبيعة وشباب الشّهوة، وعند قلّة الشّواغل، قوي استحكامه، وصعبت إزالته. وكذلك متى ألقي إلى الفتيان شيءٌ من أمورهنّ وهناك سكر الشّباب. فكذلك يكون حالهم، وإنّ الشّياطين ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له لا يكن الغلام فتىً أبداً حتّى يصادف فتىً. فما الماء البارد العذب بأسرع في طباع العطشان من كلمته إذا كان الغلام أدنى هوىً في الفتوّة. وكذلك إذا خلت العجوز بالجارية الحديثة.

وقيل لابنة الحسن: لم زنيت بعبدك ولم تزن بحرٍّ، وما أغراك به؟ قالت: طول السّواد، وقرب الوساد. ولو أنّ قبح النّاس وجهاً، وأخبثهم نفراً، وأسقطهم همّةً، قال: لامرأةٍ قد تمكن كلامها وأعطته سمعها: والله يا سيّدتي ويا مولاتي، لقد أتعبت قلبي، وأرقت عيني، وشغلتني عن مهمّ أمري، فما أعقل أهلاً ولا مالاً ولا ولداً. لنقض

طباعها، وفتح عقدها ولو كانت أبرع الخلق جمالاً، وأكملهم كمالاً. وإنّما قال عمر ﵁: أضربوهنّ بالعري لأنّ الثّياب هي الدّاعية إلى الخروج من الأعراس، والقيام في المناجاة، والظّهور في الأعياد. فمتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها، ولو كان بعلها أتمّ حسناً والذي رأت أنقص حسناً، لكانت بما لا تملكه أطرف ممّا تملكه. وكانت ممّا لم تملّه وتستكثر منه أشدّ الوجد وهي به أشدّ استقبالاً. كما قال:

وللعين ملعى في البلاد ولم يقدهوى النّفس شيئاً كاقتياد الطّرائف

وقيل لعقيل بن علقمة: أما تخاف على بناتك وقد عنسن ولم تزوّجهنّ؟ قال: كلّا، أجوّعهنّ فلا يأشرن، وأعرّيهنّ فلا ينظرن. فوافقت إحدى كلمتيه قول النّبي ﷺ، ووافقت الأخرى قول عمر ﵁. فإنّ النّبيّ ﷺ قال: " الصّوم وجاء. " وقال عمر بن الخطّاب ﵁: أضربوهنّ بالعري. قال:

وكان هارون بن عبد الله البردعيّ يقول لأهله: محرّمٌ عليك إن نظرت إلى سائلٍ يقف ببابك، وسمعت حلاوة نغمه. وكان ينهي الباعة إذا دخلوا سكنه عن النّداء على بضائعهم. ورأيته مرّةً يضرب عطّاراً سمعه يترنّم بوصف العطر وكان ينفق بضاعته حسن صوته، فيقول: العود المطريّ،

والمحلب واللبان والمسك والعنبر. ويردّد ذلك بصوته فيرجّعه.

فكان النّساء يستمعن إليه ويشرفن من المطالع ويتبعن الأبواب حتّى تصل عيونهنّ إلى النّظر إليه لو أراد الجماع لكفتهن الآذان وربما اشترين منه ما لا يحتجن إليه. قال: فقلت له: يا أبا وائل، فإنّك قد انعم الله بشيءٍ كنت تمنعه! قال: جعلت فداك، إنّما أمنع منعي لنفسي لئلاّ يسمعه من في منزلي. فإنّ النّساء أسرع شيءٍ ذهاب قلوبٍ إلى النّغمة الحسنة، فإن كان معه حسن وجهٍ برئت المرأة من الله أن لم تحتل في صرف قلبه إليها، ويصير الزّوج قوّاداً. قلت: لا، ولا كلّ هذا! قال: فأسألك ألا سألته أن يستعمل هذا الكلام مرّةً أو مرّتين أو ثلاثاً في غير هذه السّكّة. فذهبنا به إلى غيرها وجعل العطّار ينادي فما أتمّ الثّالثة حتّى تحرّكت أكتافي له طرباً وجعلت لا أمرّ ولا آجي لمّا سكرت من حسن صوته. فقال: كيف تراه؟ قلت: أراه يستولي على قلوب الرّجال. قال: فكم قلب الرّجل على ترك التّهتك من قلب المرأة؟ هذا إذا كانت بلغت من السّنّ مبلغاً ونقضت شهوتها فأمّا إذا كانت شابّةً ولها فضل جمالٍ، ومعها شدّة شهوةٍ، وكثرة لذّةٍ، وهي ذات حاجة، وخالية الذّرع من الفكرة في المعاش، وخالية القلب، وقد أمنت ضرب الزّوج وتطليقه، وغيرة الأخ، وقلّة صيانة الأب، وأصابت من يشجّعها على فعلها، ويفتح لها أبواب نظرتها، ويسعى لها في طلب الصّدّيق، ويحرّضها على التّهتّك، وقد قرب منها الصّوت، وخلت من الرّقيب، ولم يكن لها في الأرض أشرافٌ، ولا أهل عفافٍ،

فما يمرق السّهم من الرّمية كمروق هذه إلى الباطل.

وكانت هند بنت المهلّب من عقلاء النّساء وكانت تقول: شيئان لا تؤمن عليهما المرأة: الرّجال، والطّيب.

وأنشد إسحاق بن إبراهيم:

وإنّي بها في كلّ حالٍ لواثقٌولكنّ سوء الظنّ من شدّة الحبّ

وأنشد آخر:

لا تأمننّ على النّساء ولو أخاً،ما في الرّجال على النّساء أمين
للشاعر الإمام علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تأمننَّ من النساء ولو أخاً»
كلّ الرّجال وإن تعفّف جهدهلا بدّ أنّ بنظرةً سيخون

وقال عبد السّلام بن رغبان المشهور بديك الجنّ شعراً أديباً، ذا همّةٍ حسنةٍ. وكان له غلامٌ كالقمر، وجاريةٌ كالشّمس. وكان يهواهما جميعاً. فدخل ذات يومٍ بوجد الجارية معانقةً للغلام تقبّله، فشدّ عليهما فقتلهما جميعاً. ثمّ جلس عند رأس الجارية فبكاها طويلاً وقال:

يا طلعةً طلع الحمام عليهافجنى لها ثمر الرّدى بيديها
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «يا طلعة طلع الحمام عليها»
حكّمت سيفي في مجال خناقهاومدامعي تجري على خدّيها
رويت من دمها الثّرى ولطالماروّى الهوى شفتيّ من شفتيها
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «يا طلعة طلع الحمام عليها»
فوحق نعليها، وما وطئ الحصى،شيءٌ أعزّ عليّ من عينيها
ما كان قتليها لأنّي لم أكنأبكي إذا سقط الغبار عليها
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «يا طلعة طلع الحمام عليها»
لكن بخلت على الأنام بحسنهاوأنفت من نظر العيون إليها

ثم ّجلس عند رأس الغلام يبكي:

أشفقت أن يرد الزّمان بغدرهأو أبتلي بعد الزّمان بهجره
قمرٌ أنا استخرجته من دجنةٍلمودّتي وجلوته في خدره
فقتلته وبه عليّ كرامةًفلي الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميّتاً كأحسن نائمٍوالطّرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميّت ماذا بعدهبالحيّ منه بكى له في قبره
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أشفقت أن يرد الزمان بغدره»
غصصٌ تكاد تفيض منها نفسهويكاد يخرج قلبه من صدره

وأنشد الرّازي:

أما واهتزازك لو أستطيعلما لحظ النّاس بدر التّمام
ومن أين للبدر وجه يميتٍويحيى إذا شاء بالابتسام
فهبه حكاك بحسن الضّيافمن أين للبدر حسن القوام؟
أغار على حسنه إذ حكاك وكان بذلك عند الأنام

وأنشد لأبي تمّام:

بنفسي من أغار عليه منّيوأحسد مقلةً نظرت إليه
ولو أنّي قدرت طمست عنهعيون النّاس من حذري عليه

وأنشد الآخر:

أغار عليك من قلبيولو أعطيتني أملي
وأشفق أن أرى خدّيك نصب مواقع القبل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أغار عليك من قبلي»

ويروى أنّ جميل بن معمر قال لبثينة: ما رأيت مصعب بن الزّبير يخطر بالبلاد إلاّ أخذتني عليك الغيرة.

وعن علي بن عبد الله الجعفري، وكان شاعراً وأديباً، قال: كنت أجلس بالمدينة وأنشد أشعاري، فحجّ أبو نواس فلمّا صار إلى المدينة وأنا ذات يومٍ أنشد، والنّاس مجتمعون علي، إذ دخل أبو نواس. فرأيته من بين النّاس ثمّ قال: يا هذا ألا تنشد بيتيك اللذين تكشّحت فيهما؟ فقلت: وما هما. قال: اللذان تقول فيهما:

ولمّا بدا لي أنّها لا تحبّنيوأنّ هواها ليس عنّي بمنجلي
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
تمنّيت أن تبلي بغيري لعلّهاتذوق حرارات الهوى فترقّ لي

قلت: أفلا أنشدك بيتي اللذين أتغاير فيهما؟ قال: بلى. فأنشدته:

ربّما سرّني صدودك عنّيوطلابيك وامتناعك منّي
حذراً أن يكون مفتاح غيريفإذا ما خلوت كنت التّمني

قال: فسألت عنه. فقيل لي أبو نواس.

قال الأشعث بن قيس نزلت ببعض أصحاب النّبيّ، ﷺ، فقام إلى امرأته فضربها، فحجزت بينهما. قال: فرجع إلى فراشه، وقال: يا أشعث، احفظ شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ " لا تسألنّ رجلاً فيم ضرب امرأته؟ ".

قال ابن عائشة: كان أبو الأصبع العدوانيّ غيوراً، وكان له أربع بنات، فأبى أن يزوّجهنّ، فقالت واحدةٌ منهنّ: لتقل كلّ واحدةٍ منّا ما في نفسها. فقالت كبراهن:

ألا ليت زوجي من أناسٍ ذوي غنىًحديث الشّباب طيّب النّشر والذّكر
لصوقٌ بأكباد النّساء كأنّهخليفة جارٍ لا يقيم على الهجر

قلن لها أنت تريدين شابّاً غنيّاً:

وقالت الثّانية:

عظيم رماد القدر رحبٌ فناؤهله جفنةٌ يشقى بها النّيب والجزر
له خلقان: الشّيب من غير كبرةٍتشين، ولا وانٍ ولا صرع غمر

فقلن لها أنت تريدين سيّداً.

وقالت الثّالثة:

ألا هل تراها مرّةً وخليلهايضمّ كبعل المشرفيّ المهنّد
عليه رواءٌ لليسار ورهطهإذا ما انتمى من أهل بيتي ومحتدي

فقلن لها أنت تريدين ابن عمٍّ لك قد عرفته.

وقلن للصّغرى: ما تقولين أنت؟ فقالت: لا أقول شيئاً. فقلن لها: لن ندعك لأنّك أطّلعت على أسرارنا وكتمت سرّك. فقالت: لا أدري ما أقول، إلاّ أنّه زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود. قال: فخطبن، فزوّجهنّ جميعاً.

وروي عن سليمان بن داود ﵉ أنّه قال لابنه:

يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبةٍ، فترمى بالسّوء من أجلك وإن كانت بريئةً.

وقال بعض الظّرفاء: كنت شديدة الغيرة، فأخبرت بمجيء قبيحةٍ سوداء فذهبت مع إخوان لي عندها ليلةً فطفئ السّراج، فضربت بيدي إلى صدرها فإذا دون يدي أربع أيدٍ، فما أعلم أنّي خطرٌ ببالي امرأةً بعد ذلك.

قال: كان سليمان بن عبد الملك من أشدّ النّاس غيرةً. فحكي أبو زيدٍ الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك وهو على دكانٍ مبلّطٍ بالرّخام الأحمر، مفروشٌ بالدّيباج الأصفر في وسط بستانٍ قد أينعت ثماره، ورنت أطياره، وأزهر نبت الرّبيع؛ وعلى رأسه وصائف كلّ واحدةٍ أحسن من صاحبتها، فقلت: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وكان سليمان مطرقاً فرفع رأسه فقال: أبا زيد، في مثل هذا اليوم يصلب أحدٌ حيّاً. فقلت: يا سيّدي، يا أمير المؤمنين، أو قد قامت القيامة؟ قال: نعم على رأس أهل الهوى سرّاً.

ثمّ أطرق رأسه، وقال: أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا؟ فقلت: قهوةٌ حمراء، في زجاجةٍ بيضاء، تناولنيها مقدودةٌ هيفاء، مضمومةٌ لفاء دعجاء، أشربها في كفّها، وأمس فمي بفمها: فأطرق سليمان مليّاً ودموعه تنحدر. فلمّا رأى الوصائف ذلك تنحّين عنه فرفع رأسه وقال: يا أبا زيد، حللت والله في يومٍ فيه انقضاء أجلك، وتصرم مدّتك، وفناء عمرك. والله لأضربنّ عنقك أو تخبرني ما الذي أثار هذه الصّفة من قلبك؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كنت جالساً على باب أخيك سعيد بن عبد

الملك وإذا جاريةٌ قد خرجت إلى باب القصر عليها قميصٌ اسكندراني، يبين منه بياض ثدييها، وتدوير سرّتها، ونقش تكتها؛ وفي رجليها نعلاها، قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها؛ ولها ذؤابةٌ تضرب إلى حقويها وتسيّل كالعثاكيل على منكبيها؛ وطرّةٌ قد أسبلت على جبينها؛ ولها صدغان كأنّهما نونان على وجنتيها، وحاجبان قد تقوّسا على محجري عينيها، وعينان مملوءتان سحراً، وأنفٌ كأنّه قصبة درٍّ، وهي تقول: عباد الله ما الدّواء لما لا يشتكي، والعلاج ممّا ينتمي؟ طال الحجاب، وأبطأ الكتاب. العقل ذاهب، واللبّ عازب، والعين عبرى، والأرق دائم، والوجد موجود، والنّفس والهة، والفؤاد مختلس. فرحم الله قوماً عاشوا تجلّداً، وماتوا تبلّداً: لو كان في الصّبر حيلة، وإلى العزاء وسيلة، لكان أمراً جميلاً!.

فقلت: أيّتها الجارية أنسيّةٌ أنت أم جنّيّة سماويّةٌ أو أرضيّة، فقد أعجبني ذكاء عقلك، وأذهلني حسن منطقك؟ فسترت وجهها بكمّها كأنها لم ترني، وقالت: أعذر أيّها المتكلّم، فما أوحش الوجد بلا مساعد، والمقاساة لصب معاند. ثمّ انصرفت، فوالله يا أمير المؤمنين ما أكلت طيّباً إلاّ غصصت به لذكرها، ولا رأيت حسناً إلاّ سمج في عيني لحسنها. فقال سليمان: أبا زيد كاد الجهل يستفزّني، والصّبا يعاودني، والحلم يغرب عنّي. تلك الذّلفاء التي يقول فيها الشّاعر:

إنّما الذّلفاء ياقوتهأخرجت من كيس دهقان
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة

شراؤها على أخي ألف ألف درهمٍ، وهي عاشقةٌ لمولاها الذي باعها منه. والله لا مات إلاّ بحسرتها، ولا فارق الدّنيا إلاّ بغصّتها. وفي الصّبر سلوة، وفي توقّع الموت نهية. قم أبز زيد فأكتم المفاوضة، ويا غلام ثقّل يده ببدرةٍ. قال: فلمّا هلك سعيد بن عبد الملك صارت الجارية إلى أخيه سليمان ولم يكن في عصرها أجمل منها، فملكت قلبه، وغلبت عليه دون سائر جواريه. فخرجا يوماً إلى دهناء الغوطة بموقعٍ يقال له دير الرّهبان فضرب فسطاطه في روضةٍ خضراء مونقة، زهراء ذات حدائق وبهجة، حفّها أنواعٌ الزّهر الغضّ. فمن بين أصفر فاقع، وأبيض ساطع، مثل النّبات تحمل منه الرّيح نسيم المسك الأذفر، ويؤدي تضوّع عرفها فتيت العنبر.

وكان له مغنٍّ يأنس به، ويسكن إليه، ويكثر الخلوة معه، ويستمع حديثه، يقال له يسار. وكان أحسن النّاس وجهاً، وأظرفهم ظرفاً. فأمر بضرب فسطاطةٍ بالقرب منه وكانت الذّلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه. فلم يزل يسار يومه ذلك عند سليمان في أكمل سرورٍ، وأتمّ حبورٍ، إلى أن أتى الليل وحان انصراف يسارٍ إلى موضعه فوجد جماعةً قد أناخوا به، فسلّموا عليه، فردّ ﵈ جذلان بنزولهم، وفرحٍ بدخولهم. فأحضر الطّعام فأكلوا، وقدم الشّراب فنالوا منه. ثمّ قال: هل من حاجةٍ؟ قالوا: ما جئناك إلاّ للقرى. فقال: بالجانب الخصب نزلتم، وبالمنزل الرّحب حللتم. فقالوا له: أمّا الطّعام فقد أكلنا، وأمّا الشّراب فقد حضر، وبقي السّماع.

قال: أمّا السّماع فلا سبيل إليه مع غيرة أمير المؤمنين ونهيه إيّاي عن الغناء إلاّ ما كان في مجلسه. قالوا: فلا حاجة لنا في الطّعام عندك ما

لم تسمعنا. فلمّا رآهم غير موقلين عنه رفع عقيرته وغنّى بهذه الأبيات:

محجوبةٌ سمعت صوتي فأرقهافي آخر الليل حتّى ملّها السّهر
لم يحجب الصّوت أجراسٌ ولا غلقٌفدمعها لطوق الصّوت ينحدر
في ليلة البدر لا يدري مضاجعها،أوجهها عنده أضوا، أم القمر
لو خلّيت لمشت نحوي على قدميكاد من لينه للمشي ينفطر

قال فلمّا سمعت الذّلفاء صوت يسارٍ خرجت إلى صحن الفسطاط تسمع الصّوت، فجعلت لا تسمع شيئاً من خلقٍ، ولطافة قطٍّ، إلاّ الذي وافق المعنى. ومن نعت الليل واستماع الصّوت إلاّ رأت ذلك كلّه في نفسها، فحرّك ذلك ساكناً كان في قلبها فهملت عيناها، وعلا نشيجها. فانتبه سليمان فلم يجدها معه في الفسطاط فخرج إلى صحنه فرآها على تلك الحال، فقال لها: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

ألا ربّ صوتٍ رائعٍ من مشوّهٍقبيح المحيّا واضع الأب والجد
يروّعك منه صوته ولعلّهإلى أمةٍ يعزى معاً وإلى عبد

فقال سليمان: دعيني من هذا، فوالله لقد خامر قلبك منه ما خامر.

يا غلام، عليّ يسار. فدعت الذّلفاء خادماً لها وقالت: إن سبقت إلى يسارٍ فحذّرته فلك عشرة آلاف درهمٍ وأنت حرٌ. فسبق رسول سليمان فأحضره فلمّا وقف بين يديه؟ وسليمان يرعد غيرةً، قال: من أنت؟ فقال: يسار. فقال سليمان:

تثكل في الثّكل يساراً أمّهكان لها ريحانةً تشمّه
وخاله يثكله وعمّهذو شفة حياته تغمّه

فقال يسار:

واستبقني إلى الصّباح أعتذرإنّ لساني بالشّراب منكسر
فإن أكن أذنبت ذنباً أو عثرفالسيّد المولى أحقّ من غفر

ثمّ قال: يا يسار ألم أنهك عن مثل هذا الفعل؟ فقال: يا أمير المؤمنين حملني الثّمل وقومٌ طرقوني، وأنا عبد أمير المؤمنين. فإن رأى أن لا يضيع حظّه منّي فليفعل. قال: أما حظّ منك فلم أضيّعه، ولكن لا تركت للنّساء فيك حظّاً أبداً يا يسار. أما علمت أنّ الرّجل إذا تغنّى أصغت إليه المرأة؟ وأنّ الفرس إذا صهل تودّقت له الحصان؛ وأنّ الفحل إذا هدر صغت له النّاقة. يا غلام إئتني بختّان. فختنه، فعاش بعد ذلك سنةً ومات. فسمّي الدّير دير الخصيان وبه يعرف إلى الآن.

وكتب إلى عثمان بن حيّان المرّي عامله على المدينة: أن أحص من قبلك من المغنّين. فخصي الدّلّال فقال: الآن صرنا نساءً حقّاً.

وادّعى بعض بني مروان أنّ عمل المدينة صحّف. وإنّما رأى في الكتاب أخص من قبلك، فقال الكاتب الذي قرأ الكتاب: كيف يقولون ذلك ولقد كانت الخاء مبعجةً بنقطةٍ كأنّها سهيل؟.

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي قيل لعقيل بن علقمة وكان شديد الغيرة، وأراد سفراً: أين غيرتك على من تخلّف؟ قال: أخلّف معهنّ الجوع والعري، فإنّهنّ إذا جعن لم يمزحن، وإذا عرين لمم يبرحن.

وعن المغيرة بن شعبة أنّ سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربت رأسه بالسّيف. فبلغ ذلك النّبي، ﷺ، فقال: " لا تعجبوا من غيرة سعدٍ، فوالله إنّي لأغير من سعدٍ، والله أغير منّي، من أجل ذلك حرّم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ". فقال: " يا أبا ثابت أكنت ضاربه بالسّيف؟ " قال: نعم، والذي نزّل عليك الكتاب. فقال رسول الله، ﷺ: " كفى بالسّيف شا. " ولم يتمّها. أراد شاهداً لئلّا يبالغ فيه الغيران أو السّكران.

قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: كان امرؤ القيس بن حجر مئناثاً لا يولد له ذكر، وكان غيوراً شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت

قتلها. فلمّا رأى نساؤه ذلك غيّبن بناتهنّ في أحياء العرب. وبلغه ذلك فركب راحلته وخرج مرتاداً لهنّ حتّى أناخ على حيٍّ من أحياء العرب، وإذا جوار مجتمعاتٍ، فقال: أيّتكنّ تجيز لي هذا البيت ولها راحلتي؟ فسكتن عنه، وقالت ابنته: هات. فأنشأ يقول:

تبلت فؤادك إذ عرضت عشيةًبيضاء بهنكة عليها لؤلؤ

قال: فسكتت ساعة، ثمّ قالت:

لعقيلة الأدحي بات يحفّهاكنقا الظّليم وزال عنها الجؤجؤ

فضربها بالسّيف فقتلها. وسار حتّى نزل بحيٍّ آخر، فإذا بجوارٍ يلعبن فقال: أيّتكنّ تجيز لي هذا البيت ولها راحلتي؟ فسكتن عنه، وقالت ابنته: هات. فقال:

إذا بركت تعالى مرفقاهاعلى مثل الحصير من الرّخام

فسكتت ساعةً، ثمّ قالت:

وقاموا بالعصي ليضربوهافهبت كالفنيق من النّعام

قال: فقتلها، ثمّ سار حتّى نزل بحيٍّ آخر، فإذا بجوارٍ يلعبن. فقال: أيّتكنّ تجيز لي هذا البيت ولها راحلتي؟ فسكتن عنه. وقالت ابنته: هات. فقال:

وكأنّهنّ نعاج رملٍ هائلٍبدفٍّ يمدن كما يميد الشّارب

فسكتت ساعةً، ثمّ قالت:

بل هي أقرب في الخطا من خطوهاإنّ الخرائد مشيها متقارب

قال: فنزل إليها فقتلها وسار.

نزل أعرابيٌّ من طيء، يقال له المثنّى بن معروف، بأبي جبر الفزاري فسمعه يوماً يقول: لوددت أنّي بتّ الليلة خالياً ببنت عبد الملك بن مروان. فقال المثنّى: أحلالاً أم حراماً؟ فقال: ما أبالي. قال: فوثب إليه فضرب رأسه برحالةٍ فشجّه، ثمّ ارتحل وهو يقول:

أبلغ أمير المؤمنين رسالةًعلى النّأي إنّي قد وترت أبا جبر
نشرت على اليافوخ منه رحالةًلنصري أمير المؤمنين ولا يدري
وما كان شيءٌ غير أنّي سمعتهينادي نساء المؤمنين بلا مهر

قال، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فأهدر دم أبي جبرٍ وبعث إلى المثنّى بصلة جزيلة.

وعن عبد الملك بن عمير قال: كانت هند بنت النّعمان بن بشير الأنصاري عند روح بن زنباع، وكانت امرأةً فصيحةً أديبةً، برزةً؛ وكان رجلاً غيوراً، فرآها ذات يومٍ مشرفةً على وفدٍ من جذام. فجعل يضربها، ويقول. أتشرفين وتنظرين إلى الرّجال؟ قالت: ويحك، وهل أرى إلاّ جذاميّاً، والله ما أحبّ منهم الحلال فكيف الحرام؟ فقال روح في ذلك:

أثني عليك بأن باعك ضيّقٌوأنّ أصلك في جذامٍ ملتصق
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وفيه تقول هند؟

وهل أنا إلاّ مهرةً عربيّةًسلسلة أفراسٍ تحللها بغل
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فإن نتجت حرّاً كريماً فبالحرّاوإن يك أقرافٌ فما أنجب الفحل

فقال لها روح: اللهمّ إن متّ قبلها فابتلها بزوجٍ يلطم وجهها،

ويقيء في حجرها. ومات روح بن زنباع وتزوّجها بعده محمّد بن الحكم بن أبي عقيلٍ الثّقفي، وكان شابّاً جميلاً، شرّاباً للخمر؛ فأحبّته حبّاً شديداً، فكان يلطم وجهها ويقيء في حجرها. فقالت: رحم الله أبا زرعة، فقد استجيبت دعوته. وأنشدت للخذيمي: ما أحسن الغيرة في حينها إلى آخر الأبيات المتقدّمة.

وقال الشنفرى:

إذا ما جئت ما أنهاك عنهولم أنكر عليك فطلّقيني
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إذا أصبحت بين جبال قوو»
فأنت البعل يومئذٍ فقوميبسوطك لا أباً لك فاضربيني
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إذا أصبحت بين جبال قوو»

نزل عاصم بن عمر الخطّاب، ﵁، خيّمته بقديد. بفناء بيتٍ من بيوت قديد، وهو يريد مكّة معتمراً، فحطّ رحله، وكان رجلاً جسيماً من أعظم النّاس بدناً، وأحسنهم وجهاً. فأرسلت إليه ربّة البيت: يا هذا إنّ لي زوجاً غيوراً يمرّ الإنسان بجانب بيتي فيضربني، وإن رآك في هذا المنزل لقيت منه شرّاً، فأنشدك الله ألا تحوّلت عنّي! فأرسل إليها: إنّي قد نزلت وأنا مرتحلٌ عن قليل وليس عليك من زوجك بي بأس، والتّحويل يشقّ علي. قال فردّت إليه الرّسول حتّى تحوّل عنها. ومرّت به عجوزٌ خارجةٌ من عندها فدعاها وسألها عن المرأة، فقالت: هي خرديّة بن أكتم، وتزوّجها ربيع بن أصرم، ولها بنيٌّ صغيرٌ سمّته

باسم أبيها. ثمّ ذهبت العجوز. وقال عاصم بن عمر أبيات شعرٍ. ثمّ دخل زوجها واستقرّ في منزله، فلمّا فرغ من شعره سمعه وهو يضربها فصبر حتّى علم أنّه شفى غيظه ثمّ إنّه أتاه، فصاح به، فخرج، فقال له: بأبي أنت، ما عرضك لي؟ فأخبره خبره وخبرها، فقال: بأبي أنت، لو كنت معي في منزلي ما كان عليّ منك بأس.

قال كان عقيل بن علقمة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه أحد علمناه، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، فقال: أمّا إذا كنت فاعلاً فجنّبني هجناك. وخطب عقيل وقال:

رددت صحيفة القرشيّ لمّاأبت أعراقه إلاّ احمراراً

علي بن سليمان الأخفش قال: قال ابن الكلبي: كان لقمان بن عاد حكيم العرب غيوراً، فبنى لامرأته صرحاً وجعلها فيه، فنظر إليها رجلٌ من الحي فعلقها، فأتى قومه فأخبرهم وجده بها، وسألهم الحيلة في أمره. فأمهلوه حتّى أراد لقمان الغزو، فعمدوا إلى صاحبهم وشدّوه في حزمة سيوفٍ وأتوا إلى لقمان فاستودعوها إيّاه، فوضع السّلاح في بيته، فلمّا مضى تحرّك الرّجل في السّيوف، فقانت إليه المرأة تنظر فإذا هي برجلٍ، فشكا إليها حبّه إيّاها، فأمكنته من نفسها، فلم يزل معها مقيماً حتّى قدم لقمان فردّته في السّيوف كما كان، وجاء قومه فاحتملوه. وإنّ لقمان نظر يوماً إلى نخامةٍ في السّقف فقال: من تنخّم هذه؟ فقالت: أنا. قال: فتنخّمي. فقصرت فقال: يا ويلتاه والسّيوف دهتني. فقتلها ثمّ

نزل فلقي ابنته صخر صاعدةً فأخذ حجراً فهشّم رأسها فماتت. وقال: أنت أيضاً امرأة. فضربت العرب بذلك المثل. فكان يقول المظلوم منهم ما أذنبت إلاّ ذنب صخر.

ولّى عمر بن الخطّاب، ﵁، النّعمان بن نضلة العوي بميسان، وأراد رحيل امرأته معه، فأبت ذلك وكرهته. فلمّا وصل إلى ميسان أراد أن يغيرها فترحل إليه، فكتب إليها:

ألا هل أتى الخنساء أنّ خليلهابميسان يسقى في زجاجٍ وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍوصاحبه يجثو على خدٍّ مبسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقنيولا تسقني بالأصغر المتثلّم
للشاعر النعمان بن عدي بن نضلة، اقرأ القصيدة
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤهتنادمنا في الجوسق المتهدّم

فبلغت الأبيات عمر بن الخطّاب، فقال: أي والله، وأبي وأبيك، يسوؤني. يا غلام، اكتب بعزله. فلمّا قدم على عمر بكّته بهذا، فقال: يا أمير المؤمنين ما شربها قط، ولا قلت الأبيات إلاّ بسبب كذا. فقال عمر: أظنّ ذلك ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً.

ضرب البعث على رجلٍ من أهل الكوفة فخرج إلى أذربيجان

فاشترى فرساً وجاريةً وكان مملكاً بابنة عمّه فكتب ليغريها:

ألا بلغا أمّ المؤمنين بأنّناغنينا وأغنينا الغطارفة الجّرد
بعيد مناط المنكبين إذا جرىوبيضاء كالتّمثال زيّنها العقد
فهذا لأيّام الغدو وهذهلحاجة نفسي حين ينصرف الجّند

فلمّا ورد كتابه، دعت بالدّواة وكتبت إليه:

إذا شئت غناني غلامٌ مرجلٌونازعته في ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشئ مدّ كفّهإلى كبدٍ ملساء أو كفلٍ نهد
فما كنتم تقضون حاجة أهلكمشهوداً فتقضوها على النّأي والبعد
فعجّل علينا بالسّراح فإنّهمناناً ولا ندعو لك الله بالرّدّ
ولا قفل الجند الذي أنت فيهموزادك ربّ النّاس بعداً على بعد

فلمّا ورد كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف الجّارية ولحق بها، فكان أوّل شيءٍ بدأها به أن قال لها: بالله أكنت فاعلةً ما قلت؟ فقالت: الله في قلبي أعظم وأجلّ، وأنت في عيني أحقر وأذلّ من أن أعصي الله فيك. ثمّ قالت له: كيف ذقت طعم الغيرة؟ فوهب لها الجّارية، ورجع إلى مكانه.

قالت هند بنت النّعمان بن بشيرٍ لزوجها روح بن زنباع، وكان شديد الغيرة: عجباً منك كيف يسوّدك قومك وفيك ثلاث خصالٍ أنت من جذام وأنت جبان، وأنت غيور؟ فقال لها: أمّا في جذام فإنّي في أرومتها؛

وأمّا الجبن فإنّما لي نفسٌ واحدةٌ فأنا أحفظها، ولو كانت لي نفسٌ أخرى لجدت بها؛ وأمّا الغيرة فحقيقٌ لمن كانت له امرأةٌ حمقاء مثلك أن يغار عليها مخافة أن تجيئه بولدٍ من غيره فتقذف به في حجره.

حكى دعبل بن عليٍّ قال: عبث عطّارٌ اسمه فيروز بامرأةٍ من الشّام تسومه عطراً فعلقت بقلبه، فقعد لها على طريقها، فلمّا أضجرها قالت: والله لو أنّ عبد الله بن سيرة بقربي ما طمعت في هذا منّي. فبلغت عبد الله بن سيرة هذه الكلمة وهو في البعث بأرمينية، فترك مركزه وأقبل لا يلوي على أحدٍ، حتىّ وقف ببابها ليلاً، وكان يوصف بشدّة الغيرة، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها: أيّتها المرأة من هذا الذي عبث بك حتّى تمنّيت أنّي بقربك؟ قالت: رجلٌ عطّار. قال لها: فما ابتنى؟ قالت: لا. قال لها: فعديه الليلة القابلة وإنّي أسبقه إلى بيتك.

فبعثت إليه تقول له: إذ أبيت إلاّ ما تريد، فهلمّ إلى بيتي الليلة عندي. فأقبل إليها وقد سبقه ابن سيرة، فلمّا دخل وثب عليه وضربه ضربةً رمى برأسه، ثمّ قتل خادمها، وقال لها: إنّما قتلته لئلّا يطلع على الخبر أحدٌ من النّاس. ثمّ ناولها مائة دينارٍ، وقال لها: اشتري بها خادماً وانفقي باقيها على نفسك. ثمّ قال: هلمّي فأساً فقلع رأس البالوعة ثمّ جرّهما فألقاهما فيها، ثمّ سوّى رأس البالوعة، وقال للمرأة: أظهري

أنّ الخادم قد أبق. ثمّ خرج، ولم يعلم به أحد، ولم يأت منزله حتّى قدم أرمينيّة وقال في ذلك:

إنّ المنايا لغيرانٍ لمعرضةٌيغتاله النّحر أو يغتاله الأسد
أو عقربٌ أو شجى في الحلق معترضٌأو حيّةٌ في أعالي منتهى الزبد
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة

وكانت لابن الدّمينة امرأةٌ يقال لها حما، وكان مزاحم بن عمر السّلولي يأتيها ويتحدّث إليها، فمنعها ابن الدّمينة من ذلك فاشتدّ ذلك عليه، فقال مزاحم عند ذلك يذكرها:

يا ابن الدّمينة والأخبار تحملهاوخد النّجائب تبديها وتنميها
أمارةٌ، كيّةٌ ما بين عانتهاوبين سرّتها لا شكّ كاويها

فلمّا بلغ ابن الدّمينة ذلك عرف العلامة التي في زوجته وعلم أنّه لم ير ذلك منها إلاّ وقد أفضى إليها. فأتى امرأته فقال: قد بلغني غشيان مزاحم لك، وقد قال فيك ما قال. فأنكرت ذلك، وقالت: والله ما أرى ذلك الموضع قط. قال: فما أعلمه بعلامتك التي وصفها؟ قالت: النّساء رأين ذلك إذ كنت جارتهنّ، فتحدّثن بذلك، فسمعه مزاحم. وتغافل ابن الدّمينة عن مزاحم حتّى ظنّ أنّه ذهب من قلبه، ثمّ قال لامرأته: لئن لم ترسلي إليه الليلة يأتيك في موضع كذا لأقتلنّك. فأرسلت

إليه: إنّك قد سمّعت بي ولا أحبّ أن تأتيني وأنا سآتيك في موضع كذا. فقعد في الموضع ابن الدّمينة وأصحابه، وجاء مزاحم وهو يظنّ أنّها في الموضع الذي وعدته به، فخرجوا إليه وأوثقوه وصرّوا صرّةً من رملٍ في ثوبٍ وضربوا بها كبده حتّى مات، واحتملوه حتّى أتوا به ناحية دور قومه فطرحوه بها. وجاء أهله فأخذوه ولم يجدوا به أثر سلاح، فعلموا أنّ ابن الدّمينة قتله. ورجع ابن الدّمينة إلى امرأته فقتلها وقتل ابنه له منها، وطلبه السّلوليّون فلم يجدوه:

وحكى الثّوريّ: أنّ رجلاً من بني عقيل تعلّق جاريةً وأبى أهلها أن يزوّجوه إيّاها، وكانت من أجمل النّساء، وكان اسمها ليلى، فسمع بها رجلٌ موسرٌ من ثقيف يقال له حارثة بن عوف، فقدم على أهلها فأرغبهم، فزوّجوه وظعن بها. فقال العقيلي الذي كان تعلّقها:

ألا إنّ ليلى العامريّة أصبحتتقطع إلاّ من ثقيفٍ وصالها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
كأنّ مع الرّكب الذين تحمّلواغمامة صيفٍ زعزعتها شمالها

ثمّ اشتدّ شوقه وزاد ولعه، فخرج في أثرها حتّى قدم الطّائف، فانتسب أنّه أخٌ لها وصدّقت هي فأدخله زوجها، وذبح له ونحر، وكان صاحب خمرٍ. فجلس هو والثّقفي يشربان وهي تسقيهما فلمّا أخذت الخمر في العقيلي باح بسرّه، فلمّا سمعه الثّقفي همّ به ثمّ غلبه السّكر فخرج العقيلي تحت الليل وتبعه الثّقفي بأكلب له عقرٌ فأدركه وقد شارف

بلاد بني كليب، وقد غلبه العطش فمات. فخلى أكلبه على جيفته فأكلته. فسمعت بذلك الكلابيّون فرحلوا في أثر الثّقفي فأدركوه فقتلوه وخلوا عليه أكلبه فأكلته. وسمع العقيليّون بخبر الرّجلين فركبوا إلى المرأة فطرقوها في منزله فقتلوها، ورحلوا. فوثبت عليها أكلب زوجها فأكلتها. فقال جار الثّقفي:

لعمري لقد ساق العقيلي حتفهوما خبر ليلى كان عنها بأبعد
وخبر الفتى القيسيّ قد سيق نحوهوأمسى مقيماً بين أضلاع أزبد
أقاموا جميعاً رهن أجواف أكلبٍكذلك أمر الله في اليوم والغد

ويروى عن رسول الله، ﷺ، أنّه قال: " الغيرة من الإيمان، وأيما رجلٍ أحسّ بشيءٍ من الفجور في أهله فلم يغيره، إلاّ بعث الله إليه ملكاً يقول له غر أربعين يوماً، فإن لم يفعل مسح بجانحه على عينيه، فإن رأى حسناً لم يدره، وإن رأى قبيحاً لم ينكره ".

وعنه ﷺ أنّه قال: كتب الجّهاد على رجال أمّتي، والغيرة على نسائها، فمن صبرت منهنّ واحتسبت أعطاها الله أجر الشّهيد.

وعن علي ﵇ أنّه قال: من أطاع امرأته في أربع أكبّه الله في النّار على وجهه. أن يعطيها في أن تذهب إلى العرسات وإلى المعلّمات وإلى الحمّامات وإلى الجنائز.

وقال الأحوص يتشبّب بأم ّجعفر الحطميّة:

أدور، فلولا أن أمّ جعفربأبياتكم، ما درت حيث أدور
وما كنت دوّاراً ولكن ذا الهوى،إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفر،وإنّي إلى معروفها لفقير
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «لقد منعت معروفها أم جعفر»

فاستعدى أيمن، أخوها، عليه عامل المدينة وكان أيمن جسيماً ضخماً وكان الأحوص نحيفاً، فدفع إلى كلّ واحدٍ منهنّ سوطاً وقال لخالد: أضرب الأحوص. فقال بعض الشّعراء:

لقد منع المعروف من أمّ جعفرٍأخو ثقةٍ عند الحفاظ صبور
علاك بمتن السّوط حتّى لقيتهبأصغر من ماء الصّفاق يفور

قال الأحوص بعد ذلك:

إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبهفمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعدي
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه»
يسيء فأعفو ذنبه، فتردّنيأيادٍ يدانيها مباركةً عندي

تزوّج عبد الله بن يزيد الحنفي امرأةً حسناء، وكان رجلاً ثقيلاً جسيماً ظريفاً، فأحبّها حبّاً شديداً، وكان من أشدّ النّاس غيرةً. فدعاه حبّه لها، وشدّة غيرتها عليها، أن خرج بها إلى بعض البوادي فابتنى لها قصراً وسكن به وأقام معها مدّةً.

وخرج عمر بن سعيد العبدي يريد سفراً له، فأخذته السّماء في

بعض الطّريق فنظر، فإذا هو بقصرٍ عظيمٍ، فعدل إليه، وقرع بابه، فخرج إليه عبد الله بن يزيد فعرفه، فسلّم عليه وأنزله، وهيّأ له طعاماً ثمّ دعا بشرابٍ من خمرٍ عتيقٍ. فبينما هما يشربان إذ تطلّعت المرأة فرأت ابن سعيدٍ وكان غلاماً شابّاً، وسكر زوجها سكراً شديداً فخرجت المرأة إلى عمر بن سعيد فحدّثته وآنسته ودعته إلى نفسها فأبى، وقال: ما كنت بالذي أفعل برجلٍ أتاني منزله. ولم يزل يدافعها حتّى أفاق عبد الله بن يزيد من سكره، فأنشأ عمر يقول:

ربّ بيضاء خصرها يتثنّىقد دعتني لوصلها فأبيت
لم يكن شأني العفاف ولكنكنت ندمان زوجها فاستحيت

فعلم عبد الله بن يزيد ما أراد، فلمّا انصرف عمر بن سعيد عمد عبد الله إلى المرأة فجعل في عنقها حبلاً وعلّقها به إلى السّقف، فاضطربت حتّى ماتت. وعلم أنّ النّساء لا حفظ لهنّ، وآلى على نفسه أنّه لا يتزوّج امرأةً أبداً. وترك قصره وعاد إلى منزله.

وقال الفضيل بن الهاشمي: كنت مع ابنة عمّي نائماً على سريرٍ إذ ظهرت إليّ بعض جواري، فنزلت، فقضيت حاجتي، ثمّ انصرفت. فبينما أنا أراجع، إذ لدغتني عقربٌ فصبرت حتّى عدت إلى موضعي من السّرير، فغلبني الوجع، فصحت، فقالت لي ابنة عمّي: ما لك؟ قلت لها: لدغتني عقربٌ. قالت: وعلى السّرير عقربٌ؟ قلت: نزلت لأبوّل فأصابتني، ففطنت، فلمّا أصبحت جمعت خدمها واستحلفتهنّ أن لا يقتلن عقرباً في دارها إلى سنةٍ. ثمّ قالت:

إذا عصي الله في دارنافإنّ عقاربنا تغضب
ودارٍ إذا نام حرّاسهاأقام الحدود بها العقرب

قالوا وبينا ابن أبي ربيعة في الطّواف، إذ رأى جاريةً من أهل البصرة، فأعجبته، فدنا منها، فكلّمها، فلم تلتفت إليه. فلمّا كان في الليلة الثّانية عاودها، فقالت له: إليك عنّي أيّها الرّجل فإنّك في موضعٍ عظيم الحرمة! وألحّ عليها وشغلها عن الطّواف، فأتت زوجها، فقالت له: تعال معي فأرني المناسك. فأقبلت وهو معها وعمر جالسٌ على طريقها فلمّا رأى الرّجل معها عدل عنها فقالت:

تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتّقي مربض المستأسد الحامي
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «تعدو الذئاب على من لا كلاب له»

فحدّث المنصور هذا الحديث، فقال: وددت أنّه لم تبق فتاةٌ من قريش في خدرها إلاّ سمعت الحديث.

وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة بن الوليد سيف الله من فتيان قريشٍ جمالاً وشعراً، وهو الذي جاءت به قريش إلى أبي طالب قالوا: هذا عمارة، قد عرفت حاله، فخذه بدل ابن أخيك محمّداً نقلته. فقال لهم أبو طالب: ما أنصفتموني تعطوني ابن أخيكم أحفظه وأعطيكم ابن أخي تقتلوه؟ وبعثت قريش عمارة بن

الوليد، وعمرو بن العاص إلى النّجاشي في أمر من قدم إليه من المهاجرين، فلمّا كانوا في السّفينة ومع عمرو امرأته أمّ عبد الله فقال لها عمارة: قبّليني. فقال لها عمرو: قبّلي ابن عمّك. وقال عمرو في ذلك:

ليعلم عمّارٌ أنّ من شرّ شيمةٍلمثلك أن يدعى ابن عمٍّ له ابن ما
أإن كنت ذا بردين أحوى مرجلاًولست تراعي لابن عمّك محرّماً
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبّهولم ينه قلباً عارياً حيث يمّما
قضى وطراً منه وغادر سبةًإذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

وقعد عمرو على منجاف السّفينة لقضاء الحاجة، فدفعه عمارة، فألقاه في البحر، فما تخلّص حتّى كاد يموت. فلمّا صار إلى النّجاشي أظهر له عمرو أنّه لم يحفل بما أصابه منه، فجاده عمارة يوماً فحدّثه أنّ زوجة الملك النّجاشي علّقته وأدخلته إلى نفسها، فلمّا تبيّن لعمرو حال عمارة وشى به عند الملك واخبره خبره، فقال له النّجاشي: أئتني بعلامةٍ أستدلّ بها على ما قلت؟ فعاد عمارة، فأخبره عمرو بأمره وأمر زوجة النّجاشي فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلاّ أن تعطيك من دهن الملك الذي لا يدّهّن به غيره. فكلّمها عمارة في الدّهن، فقالت

له: أخاف من الملك. فأبى أن يرضى منها إلاّ أن تعطيه من ذلك الدّهن، فأعطته منه، فأعطاه إلى عمرو، فجاء إلى الملك، فأمر السّواحر فنفخن في إحليله، فذهب مع الوحش، فلم يزل متوحّشاً حتّى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعةٍ من أصحابه، فجعل له على الماء شركاً، فأخذه، فجعل يصيح به: أرسلني فإنّي أموت إن أمسكتني. فأمسكه، فمات في يده.

عروة بن الزّبير، عن عائشة ﵂، قالت: ما غرت على امرأةٍ لرسول الله، ﷺ، ما غرت على خديجة. ولقد هلكت قبل أن يتزوّجني بثلاث سنينٍ، لما أسمع من كثرة ذكره إيّاها. وكان يذبح الشّاة فيفرّقها على صدائق خديجة. قال ودخل رسول الله، ﷺ، على خديجة وهي في مرضها الذي توفّيت فيه فقال لها: " بالكره منّي يا خديجة ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً. أما علمت أنّ الله زوّجني معك في الجنّة مريم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ " قالت: وقد فعل الله ذلك برسوله؟ قال: " نعم ". قالت: فبالرّفاء والبنين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخبار النساء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.