أَما إِنَّهُ لَولا الحِسانُ الرَعابِيبُ
الشاعر: ابن أبي حصينة · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي حصينة، من العصر الفاطمي، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَما إِنَّهُ لَولا الحِسانُ الرَعابِيبُ ... لَما كانَ لِلأَرواحِ هَمٌّ وَتَعذيبُ
تَمَنَّعنّ بُخلاً فاستَزَدنَ مَحَبَّةً ... أَلا كُلُّ مَمنوعٍ إِلى النَفسِ مَحبُوبُ
وَكَم جَلَبَت مَجلوبَةٌ سُقمَ مُهجَةٍ ... فَهَل كُلَّ مَجلوبٍ بِهِ السُقمُ مَجلُوبُ
خَلِيلَيَّ لا عَصرٌ بِيَبرِينَ عائِدٌ ... فَأَبرا وَلا وَصلٌ بِوَهبينَ مَوهُوبُ
فَما لَكُما لا تَعذُرا بِي عَلى الجَوى ... وَحَبلِيَ مِن حَبلِ الأَحِبَّةِ مَقنُوب
حَلَمتُ بِهَجرٍ مِن سُعادَ فَلَيتَهُ ... كَما قِيلَ إِنَّ الحُلمَ بِالشَرِّ مَقلُوبُ
يَمانِيَةُ مَحجُوبَةُ الشَخصِ مِثلُها ... رَسِيسٌ بِها ما بَينَ جَنبَيَّ مَحجُوبُ
إِذا قُمُتُ يَومَ البَعثِ أَخفَيتُ حُبَّها ... فَلَم يُرَ في اللَوحِ الَّذي هُوَ مَكتُوبُ
سَقَت دارَها الأَنواءُ أَو صَوبُ أَدمُعِي ... فَكُلٌّ سَواءٌ مُستَهِلٌّ وَمَسكُوبُ
إِلى أَن يَبِيتَ الرَوضُ فِيها كَأَنَّهُ ... إِذا ما زَها نَوّارَهُ لِمَمٌ شِيبُ
وَقَفنا بِها نَشكُو الجَوى فَيُجِيبُنا ... صَداها وُورُقُ الأَيكِ وَالجُردُ وَالنِيبُ
بُــــكــــاءٌ وَإِرزامٌ وَسَجعٌ مُبَرِّحٌ ... بِنا وَصَهيلٌ لِلجِيادِ وَتَهوِيبُ
أَخِــــلّايَ مالِي لا يُغَرِّدُ طائِرٌ ... عَلى فَنَنٍ إِلّا وَقَلبِيَ مَرغُوبُ
حِذاراً وَإِشفاقاً مِنَ البَينِ أَن تُرى ... مُخَبِّرَةً عَنهُ النِجاحُ الغَرابِيبُ
فَلا لَومَ لِي إِن طارَ قَلبِي صَبابَةً ... لِأَنّي مِن شَحطِ الأَحِبَّةِ مَنحُوبُ
إِذا فارَقُوا فارَقتُ قَلبِي كَأَنَّما ... فُؤادِي إِلى تِلكَ الهَوادِجِ مَجنُوبُ
أَصاحِ تَرى بَرقاً يَلُوحُ كَأَنَّهُ ... سُلافٌ بِرَقراقٍ مِنَ المُزنِ مَقطُوبُ
بَدا يَمَنِيّاً في الظَلامِ كَأَنَّما ... ظَلامُ الدُجى عَبدٌ مِنَ الزِنجِ مَخضُوبُ
وَلَو لاحَ شامِيّاً لَخِلناهُ أَنَّهُ ... سَنا قَبَسٍ فَوقَ الثَنِيَّةِ مَشبُوبُ
لِأروَع يَهدِي الطارِقِينَ بِوَجهِهِ ... وَلَو لَم يَلُح ضَوءٌ مِنَ النارِ مَثقُوبُ
إِذا زارَهُ الزُوّارُ فَــــــرَّت قِــــــلاصُهُ ... لِتَنجُو فَخانَتها الشَوى وَالعَراقِيبُ
تَراهُنَّ يَكرَهنَ الوُفُودَ وَواجِبٌ ... كَراهَةُ حَيٍّ لِلرَدى وَهوَ مَغصُوبُ
خُلِقنَ قِرىً لِلطارِقِينَ بِصارِمٍ ... تَعَوَّدَ أَن يُقرى بِهِ النَسرُ وَالذِيبُ
لَقَد مُتنَ مَوتاً أَكسَبَ الحَمدَ أَهلَهُ ... أَلا كُلُّ حَمدٍ بِالمَشَقَّةِ مَكسُوبُ
إِذا زادَ بِالزّادِ الثَناءُ فَبُورِكَت ... عِشارٌ عَلى لَبّاتِها الدَمُ مَسرُوبُ
أَتاجَ مَعَدٍّ صُغ لَكَ التاجَ مُرغِماً ... عِداك بِأَنَّ التاجَ بِالتاجِ مَعصُوبُ
وَبُردُكَ لا تَسحَبُهُ في الأَرضِ إِنَّهُ ... لَبُردٌ عَلى وَجهِ السِماكَينِ مَسحُوبُ
وَقُل لِشَآبِيبِ السَماءِ تَهَمَّرِي ... أَو اِنقَطِعي إِنّي وَأَنتِ شَآبِيبُ
قَضى اللَهُ لِي مِنكَ الغِنى وَتَسَبَّبَت ... سَعادَةُ جَدِّي وَالسُعُودُ تَسابِيبُ
وَهَل أَنا إِلّا مِن جَماعَةِ أُمَّةٍ ... لَها مَشرَبٌ مِن حَوضِكَ الجَمِّ مَشرُوبُ
لَكَ الخَيرُ إِن يُجرِم رَعاياكَ فاغتَفر ... جَــــرائِمَهُم إِنَّ المُدَبَّرَ مَربُوبُ
هَفَوا هَفوَةً مِن غَيرِ بُغضِ فَأُدِّبُوا ... بِعَفوِكَ إِنَّ العَفوَ لِلحُرِّ تَأَديبُ
وَلَو شِئتَ حاشا طِيبَ أَصلِكَ أَن تُرى ... مُسِيئاً لَخاضَت في الدِماءِ اليَعابِيبُ
وَعادَت سُيوفُ الهِندِ ما لِنُصُولِها ... شِفارٌ وَما لِلمارِناتِ أَنابِيبُ
خُلِقتَ كَرِيماً لَم يَفتُكَ تَفَضُّلٌ ... وَطَولٌ وَلا أَخطاكَ حَزمٌ وَتَهذِيبُ
بَرَزتَ إِلَيهِم مُغضَباً فَتَضَرَّعُوا ... إِلَيكَ وَما بَعدَ التَضَرُّعِ تَثرِيبُ
لَئِن رَهِبُوا لَمّا رَأَوكَ لَقَد رَأَوا ... بِكَ الهَولَ إِنَّ المَنظَرَ الهَولَ مَرهُوبُ
فَعَفواً عَفا عَنكَ الإِله وَرَأفَةً ... فَعَفوُكَ مِن عَفوِ المُهَيمِنِ مَحسُوبُ
فَإِنَّهُمُ لَم يَعهَدُوا مِنكَ جَفوَةً ... وَلا ذُبَّ مِنهُم في جَنابِكَ مَذبُوبُ
تَرَبّى عَلى إِنعامِكَ الطِفلُ مِنهُمُ ... وَشَبَّ عَلى إِحسانِكَ المُردُ وَالشَيبُ
وَأَنسى وَلا أَنسى نَصِيحاً وَخادِماً ... مُسِنّاً لَهُ حَقُّ عَلى المَلكِ مَوجُوبُ
فَجُد بِالرِضا عَنهُم فَإِنَّكـ يُوسُفٌ ... وَعَبدُكَ شَيخُ الدَولَةِ الشَيخُ يَعقُوبُ
فَأَقسِمُ لَو حَوَّلتَ وَجهَكَ مُعرِضاً ... عَنِ الأَرضِ ما دَرَّت عَلَيها الأَهاضِيبُ
وَلَو قِيلَ لِلأَطوادِ إِنَّكَ واجِدٌ ... تَدَكدَكَتِ الأَطوادُ وَهيَ شَناخِيبُ
وَلَو بِتَّ لِلشُهبِ المُنِيرَةِ طالِباً ... بِسُوءٍ لَما أَعياكَ ما هُوَ مَطلُوبُ
كَذاكَ وَلَو أَضمَرت لِلصُبحِ إِحنَةً ... لَحالَ وَأَضحى وَهوَ أَسوَدُ غِربِيبُ
وَما أَنتَ إِلّا الدَهرُ مُذ كُنتَ غالِباً ... وَكُلُّ عَدُوٍّ مِن أَعادِيكَ مَغلُوبُ
وَأَنتَ رَبيعُ الناسِ بِرُّكَ واصِلٌ ... وَعِرضُكَ مَوفُورٌ وَمالُكَ مَوهُوبُ
تَيَمَّمَكَ القُصّادُ مِن كُلِّ وَجهَةٍ ... كَما أَمَّتِ البَيتَ الحَرامَ المَحارِيبُ
كَأَنَّكَ شَمسٌ مِن جَميعِ جِهاتِها ... تَمُدُّ شُعاعاً وَالشُعاعُ أَسالِيبُ
فَلا الرَفدُ مَمنُوعٌ وَلا العَهدُ حائِلٌ ... وَلا الفِعلُ مَذمُومٌ وَلا المَدحُ مَكذُوبُ
وَطالَت فَنالَت جَبهَةَ النَجمِ أُسرَةٌ ... لَها نَسَبٌ في الصالِحيِّينَ مَنسُوبُ
فَتىً فَخُرَت قَيسٌ بِهِ كَيفَ عامِرٌ ... وَطالَت بِهِ الأَحباشُ كَيفَ الأَعارِيبُ
فَلَستَ تَرى فِيهِ وَلا في عَشِيرِهِ ... مَعاباً إِذا ما مَعشَرٌ غَيرُهُم عِيبُوا
جَزى اللَهُ فَخرَ المُلكِ عَمَّنـ أَعادَهُ ... إِلى العِزِّ خَيراً وَهوَ لِلعِزِّ مَسلُوبُ
فَما كانَ إِلّا يُونُسَ الحُوتِ إِذ دَعا ... إِلى رَبِّهِ في سِرِّها وَهوَ مَكرُوبُ
وَأَيُّوب إِذ نادى وَقَد طالَ ضُرُّهُ ... فَفُرّجَ ما يَشكُو مِنَ الضُرِّ أَيُّوبُ
يُعَقِّبُهُ الجَدُّ السَعِيدُ وَرُبَّما ... يَكُونُ لِجَدِّ المَرءِ بِالسَعدِ تَعقِيبُ
فَلا تَعجَبِي مِمّا رَأَيتُ فَإِنَّها ... قُلُوبٌ لَها بِالخَيرِ وَالشَرِّ تَقلِيبُ
وَلِلناسِ في الدُنيا نَزُولٌ وَرِفعَةٌ ... وَلِلمُلكِ إِبعادٌ وَلِلمُلكِ تَقرِيبُ
وَرُبَّ قَــــصِــــيٍّ جُــــرِّبَ الوُدُّ عِــــنــــدَهُ ... وَلِلناسِ في الدُنيا اِمتِحانٌ وَتَجرِيبُ
وَمَن عاشَ في الدُنيا فَلا بُدَّ أَن يَرى ... عَجائِبَ شَتّى وَالزَمانُ أَعاجِيبُ
أَبا صالِحٍ لا يُعدَمِ اسمٌ وَكُنيَةٌ ... فَقَد شَرُف اسمٌ وَاكتِناءٌ وَتَلقِيبُ
بَقِيتَ عَلى ما أَنتَ بانٍ مِنَ العُلى ... وَباني المَعالي المُشمَخِرّاتِ مَتعُوبُ
فَإِن كُنتَ لا تَشكُو عَياءً فَقَد شَكا ... حُسامٌ وَعَسّالٌ وَسَهمٌ وَيَعبُوبُ
وَهامٌ عَلى البَيداءِ مُلقىً كَأَنَّهُ ... صِحافُ قِرىً مِنها سَوِيٌّ وَمَكبُوبُ
وَلَولا اجتِنابُ الإِثمِ قُلتُ صَحائِفٌ ... تُفَضُّ وَآثارُ الجِيادِ مَحارِيبُ
لِيَسمُ بِكَ البَيتُ الكِلابِيُّ إِنَّهُ ... لَبَيتٌ بِكُم فَوقَ المَجَرَّةِ مَنصُوبُ
رَفِيعُ الذُرى لَم يَضرِبِ العَبدُ وَدَّهُ ... وَلَكِــــنَّهــــُ وَدٌّ مِــــنَ اللَهِ مَضرُوبُ
رَسا تَحتَ أَطباقِ الثَرى وَلِحَبلِهِ ... إِلى مُنتَهى السَبعِ الطَوالِعِ تَطنِيبُ
وَجَدتُ مَقالاً في مَعالِيكَ مُمكِناً ... فَقُلتُ وَواتانِي مَدِيحٌ وَتَشبيبُ
فَدُونَكَ جِلباباً مِن الحَمدِ قَلَّما ... يَرِثُّ وَيَبلىحِينَ تَبلى الجَلابِيبُ
يُغاظُ بِهِ شانِيكَ حَتّى كَأَنَّما ... عَدُوُّكَ بِالمَدحِ الَّذي فِيكَ مَنسُوبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الشخص: شخص: الشَّخْصُ: جماعةُ شَخْصِ الإِنسان وَغَيْرِهِ، مُذَكَّرٌ، وَالْجَمْعُ أَشْخاصٌ وشُخُوصٌ وشِخاص؛ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبي رَبِيعَةَ: فكانَ مِجَنِّي، دُونَ مَنْ كنتُ أَتّقي، ... ثَلاثَ شُخُوصٍ: كاعِبانِ ومُعْصِرُ فإِن … (لسان العرب)
- بالشر: (شَرَّ) الشِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالتَّطَايُرِ. مِنْ ذَلِكَ الشَّرِّ خِلَافَ الْخَيْرِ. وَرَجُلٌ شِرِّيرٌ، وَهُوَ الْأَصْلُ ؛ لِانْتِشَارِهِ وَكَثْرَتِهِ. وَالشَّرُّ: بَسْطُكَ الشَّ … (مقاييس اللغة)
- بخلا: خلأ: الخِلاءُ فِي الإِبل كالحِرانِ فِي الدَّوابِّ. خَلأَتِ الناقةُ تَخْلأُ خَلْأ وخِلاءً، بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ، وخُلُوءاً، وَهِيَ خَلُوءٌ: بَرَكَتْ، أَو حَرَنَتْ مِنْ غَيْرِ علةٍ؛ وَقِيلَ إِذَا لَمْ تَبْرَحْ مَكانَها، … (لسان العرب)
- بهجر: هجر: الهَجْرُ: ضِدُّ الْوَصْلِ. هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وَهُمَا يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، وَالْاسْمُ الهِجْرَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثلاثٍ؛ يُرِيدُ بِهِ الهَجْر ضدَّ الوصلِ، يَعْ … (لسان العرب)
- بوهبين: وَهَبَ: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الوَهَّابُ. الهِبةُ: العَطِيَّة الخاليةُ عَنِ الأَعْواضِ والأَغْراضِ، فإِذا كَثُرَتْ سُمِّي صاحِبُها وَهَّاباً، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالغة. غَيْرُهُ: الوَهَّابُ، مِنْ صفاتِ اللَّهِ … (لسان العرب)
- بيبرين: (يَبْرِينَ) وَهُوَ مَوْضِعٌ، وَ (مقاييس اللغة)