بِي مِن رَسِيسِ الحُبِّ ما تَرَيانِ
الشاعر: ابن أبي حصينة · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي حصينة، من العصر الفاطمي، وتقع في 53 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بِي مِن رَسِيسِ الحُبِّ ما تَرَيانِ ... فَذَرا مَلامِي أَيُّها الرَجُلانِ
يَكفِيكُما دُونَ المَلامَةِ في الهَوى ... تَسهِيدُ عَيني وَاختِفاقُ جَناني
عُوجا المَطِيَّ وَساعِداني بِالبُكا ... في الرَبعِ أَو فَتَرَوَّحا وَدَعاني
وَصِفا غَرامي لِلبَخيلَةِ وَاعلَما ... أَنَّ الَّذي بِي فَوقَ ما تَصِفانِ
فَلَعَلَّ هِنداً أَن تَرِقَّ لِبائِسٍ ... يَرضى بِزُورِ مَواعِدٍ وَأَماني
يا دِمَنَةً ضَنِيَت وَجِسمي مِثلُها ... مُضنىً بِشَحطٍ النَأيِ مُنذُ زَمانِ
أَنا مِثلُ رَبعِكِ لا أَبُوحُ بِما حَوى ... قَلبي وَلا أَشكُو مُلِمَّ زَماني
وَبِجانِبِ العَلَمِ المُطِلِّ عَلى الحِمى ... ظَبيانِ مُقتَرِبانِ مُبتَعِدانِ
يُؤؤِيهِما قَلبي وَفِيهِ صَبابَتي ... لَولا البُكاءُ لَخِفتُ يَحتَرِقانِ
يا صاحبَيَّ قِفا عَليَّ فَما أَرى ... شَملي وَشَملَ الحَيِّ يَجتَمِعانِ
بانُوا بِخَرعَبَةٍ تَمِيلُ مِنَ الصِبا ... وَالدَلِّ مَيلَ نَواعِمِ الأَغصانِ
مَخلُوقَةٌ خَلقَ الذَوابِلِ نِسبةً ... في اللَونِ وَالتَثقيفِ وَالعَسَلانِ
تَرنُو بِطَرفٍ كُلُّ مَنبِتِ شَعرَةٍ ... مِن هُدبِهِ مَحسُوبَةٌ بِسِنانِ
وَكَأَنَّ حاجِبَها حَنِيَّةُ ثائِرٍ ... بِأَخِيهِ فَوَّقَ سَهمَهُ وَرَماني
حَسُنَت فَهَلّا أَحسَنَت بِوصالَها ... فَالحُسنُ مُنتَسِبٌ إِلى الإِحسانِ
وَلَقَد خَفِيتُ عَنِ العُيونِ وَزارَني ... طَيفُ الكَرى فَعَجِبتُ كَيفَ رَآني
لَولا الزَفِيرُ يَدُلُّهُ لَمّا سَرى ... ما كانَ يَدري الطَيفُ أَينَ مَكاني
مَن لَم يُساعِدهُ الشَبيبَةُ وَالغِنى ... أَمسى الغَواني عَنهُ جِدَّ غَواني
وَحَلِيلَةٍ بَكَرَت تَلُومُ وَتَشتَكي ... حَيفَ السِنين وَقِلَّةَ الإِمكانِ
ناهَبتُها سَمعي وَقُلتُ لَها اقصِري ... لَومي فَمالي بِالمَلامِ يَدانِ
إِن كُنتِ فاقِدَةَ الغِنى فَتَذَكَّري ... نَفَحاتِ مَبسُوطِ اليَدَينِ هِجانِ
إِنَّ البِلادَ يُغِبُّها صَوبُ الحَيا ... وَيَجُودُها بِمُثَجَّجٍ هَتّانِ
ما اِشتَدَ بِي زَمَنِي وَلا ضاقَت يَدي ... إِلّا وَوَسَّعَها أَبُو العُلوانِ
مَلِكٌ إِذا شِمنا بَوارِقَ كَفِّهِ ... أَمسَينَ غَيرَ كَواذِبِ اللَمَعانِ
تَندى أَنامِلُهُ وَيُشرِقُ وَجهُهُ ... حَيثُ الوُجُوهُ نَواقِصُ الأَلوانِ
وَلَرُبَّ مَرتٍ قَد رَمَيتُ فِجاجَهُ ... تَحتَ الدُجى بِحَنِيَّةٍ مِرنانِ
تَنزُو بِراكِبِها إِذا مَتَعَ الضُحى ... مَرَحاً كَما يَنُزو فُؤادُ جَبانِ
وَتَهُرُّ بازِلَها إِذا طالَ السُرى ... وَوَنَت صَريرَ مَثالِثٍ وَمَثاني
وَكَأَنَّ مَوضِعَ ما يَخُطُّ زِمامُها ... فَوقَ التُرابِ مَراغَةُ الثُعبانِ
وَتَسيلُ ذِفراها وَقَلتُ حَجاجِها ... عَرَقاً كَلَونِ عُصارَةِ الرُمّانِ
كَلَّت فَقُلتُ لَها كَلالُكِ مُعقِبٌ ... تَرفِيهَ ظَهرِكِ غابِرَ الأَزمانِ
مَلِكُ العَواصِمِ عاصِمٌ لَكِ أَن تُري ... مَخزُومَةَ بِنسائعٍ وَبِطانِ
أَو تَفرَعي رُوسَ الإِكامِ وَتَقطَعي ... تَحتَ الظَلامِ أَباطِحَ الغِيطانِ
فَتَيَمَّمي حَلَباً فَإِنّي آمِنٌ ... أَبَداً عَلَيكَ طَوارِقَ الحَدَثانِ
في ظِلٍّ أَروَعَ مِن سُلالَةِ صالِحٍ ... حَــــلّالِ رُوسِ شَــــواهِــــقٍ وَرِعــــانِ
ضَرّابِ أَعناقِ المُلوكِ وَمُنتَهى ... فِعلِ الجَميلِ وَفارِسِ الفُرسانِ
لا حامِلٌ حِقداً وَلا مُتَسَربِلٌ ... كِبراً وَلا مُتَعَثِّرٌ بِلِسانِ
مُستَوطِنٌ وَطَني عُلاً وَنَباهَةٍ ... شُرُفاتِ حِصنٍ أَو سَراةِ حِصانِ
هَذا مُعَدٌّ مُنذُ حَلَّ بَرَبعِهِ ... لِقرى الضُيوفِ وَذاكَ لِلأَقرانِ
مِن مَعشَرٍ بِيضِ الوُجُوهِ كَأَنَّهُم ... وَسطَ النَدِيِّ مَصابِحُ الرُهبانِ
شادُوا العُلى بِسِنانِ كُلِّ مُثَقَّفٍ ... قاني الشَبا وَغِرارِ كُلِّ يَماني
وَثَنَوا أَنابِيبَ الرِماحِ كَأَنَّما ... يَقطُرنَ مِن عَلَقِ سُلافَ دِنانِ
وَكَأَنَّ مُعوَجَّ الأَسِنَّةِ بَعدَما ... طَعَنُوا بِهِنّ مَخالِبُ العِقبانِ
وَكَأَنَّما قِطَعُ الرِماحِ تَدُوسُها ... أَيدِي الجِيادِ سَبائِكُ العِقيانِ
قَومٌ إِذا لَبِسُوا التَرِيكَ لِحادِثٍ ... غَطُّوا بِهِنَّ مَواقِعَ التِيجانِ
وَإِذا هُمُو دَسُّوا الوَعيدَ لِمُجرِمٍ ... وَخَزُوا بِمثلِ أَسِنَّةِ المُرّانِ
جَعَلُوا نُفُوسَهُمُ لِبُنيانِ العُلى ... ثَمَناً لَقَد صَبَرُوا عَلى الأَثمانِ
وَوَفَوا بِما وَعَدُوا العُفاةَ كَأَنَّما ... قامُوا لِسائِلِهِم بِعَقدِ ضَمانِ
يا مَن بَنى لِبَني أَبِيهِ مَراتِباً ... لَم يَبنِهِنَّ مِنَ البَرِيَّةِ باني
ما العِيدُ لَولا حُسنُ وَجهِكَ طالِعاً ... فِيهِ وَلَولا سُنَّةُ الرَحمَنِ
جَمَّلتَهُ لَمّا بَرَزتَ مُعَيِّداً ... فِيهِ كَأَنَّكَ فِيهِ عيدٌ ثاني
فَاسعَد بِهِ لا زِلتَ حِلفَ سَعادَةٍ ... وَعُلُوِّ مَرتَبَةٍ وَرِفعَةِ شانِ
وافخَر فَإِنَّكَ في أَوانٍ أَهلُهُ ... قَد فاخَرُوا بِكَ أَهلَ كُلِّ زَمانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الرجلان: رجل: الرَّجُل: مَعْرُوفٌ الذكرُ مِنْ نَوْعِ الإِنسان خِلَافُ المرأَة، وَقِيلَ: إِنما يَكُونُ رَجلًا فَوْقَ الْغُلَامِ، وَذَلِكَ إِذا احْتَلَمَ وشَبَّ، وَقِيلَ: هُوَ رَجُل سَاعَةَ تَلِدُه أُمُّه إِلى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَ … (لسان العرب)
- المطل: مطل: المَطْلُ: التَّسْوِيفُ والمُدافَعة بالعِدَة والدَّيْن ولِيَّانِه، مَطَلَه حَقَّه وَبِهِ يَمْطُلُه مَطْلًا وامْتَطَلَه ومَاطَلَه بِهِ مُمَاطَلَةً ومِطَالًا وَرَجُلٌ مَطُول ومَطَّال. وَفِي الْحَدِيثِ: مَطْلُ الغنيِّ ظ … (لسان العرب)
- بالبكا: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى … (لسان العرب)
- بزور: زور: الزَّوْرُ: الصَّدْرُ، وَقِيلَ: وَسَطُ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: أَعلى الصَّدْرِ، وَقِيلَ: مُلْتَقَى أَطراف عِظَامِ الصَّدْرِ حَيْثُ اجْتَمَعَتْ، وَقِيلَ: هُوَ جَمَاعَةُ الصَّدْرِ مِنَ الخُفِّ، وَالْجَمْعُ أَزوار. والزَّوَ … (لسان العرب)
- بشحط: شحط: الشَّحْطُ والشَّحَطُ: البُعْدُ، وَقِيلَ: البُعْدُ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ، يُثَقَّلُ وَيُخَفَّفُ؛ قَالَ النَّابِغَةُ: وكلُّ قَرِينةٍ ومَقَرِّ إِلْفٍ ... مُفارِقُه، إِلى الشَّحَطِ، القَرِينُ وأَنشد الأَزهري: والشَّحْطُ … (لسان العرب)
- ترق: ترق: التِّرَقُ: شَبِيه بالدُّرْج؛ قَالَ الأَعشى: ومارِد مِنْ غُواةِ الْجِنِّ، يَحْرُسها ... ذُو نِيقةٍ مُسْتَعِدٌّ دُونَهَا تَرَقا دُونَهَا: يَعْنِي دُونَ الدُّرَّة. والتَّرْقُوَتانِ: الْعَظْمَانِ المُشْرِفان بَيْنَ ثُغْ … (لسان العرب)
- تريان: تري: التَّهْذِيبُ خَاصَّةً: ابْنُ الأَعرابي تَرَى يَتْرِي إِذَا تَراخَى فِي العَمَلِ فعَمِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. أَبو عُبِيدٍ: التَّرِيَّة[[. قوله [الترية] بكسر الراء مخففة ومشددة كما في النهاية]]. فِي بَقِيَّة حيضِ ا … (لسان العرب)
- تسهيد: سهد: اللَّيْثُ: السُّهْدُ والسُّهادُ نَقيضُ الرُّقاد؛ قَالَ الأَعشى: أَرِقتُ وَمَا هَذَا السُّهادُ المُؤَرِّقُ الْجَوْهَرِيُّ: السُّهادُ الأَرَقُ. والسُّهُدُ، بِضَمِّ السِّينِ وَالْهَاءِ: الْقَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ. وسَهِ … (لسان العرب)