كوَّنتَ ألباباً وسستَ عقولا
الشاعر: أحمد زكي أبو شادي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر أحمد زكي أبو شادي، من العصر الحديث، وتقع في 134 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
كوَّنتَ ألباباً وسستَ عقولا ... فتلقَّ أنت وفاءها المعقولا
ودرست فلسفة (الحياة) وزدتها ... شرحا، فحيِّ بيانها المأهولا
في العيش مثل الموت عمرك هكذا ... عمرٌ يزيد على التألق طولا
إن أنس لا أنس الوداع وحرقة ... في النفس أورثت الجنان ذهولا
فسخطت من غدر (الطبيعة) ناسيا ... سنن (الطبيعة) والحياة الأولى
وأنا الذي ناجاك طول حياته ... وقد انتقلتَ ولم أزل مشغولا
بالأمس حيرني الفراقُ وهدني ... واليوم تلهمني الصوابَ حلولا
فأراك في هذا الوجود أشعة ... وعــــقــــيــــدة ومآثرا وميولا
صورٌ تبين لباحثٍ متبصر ... وتعاف من خذل الحياة جهولا
صرّوفُ والدنيا حديث ضيافة ... قد كنت للبذل العظيم رسولا
مــــنــــح من الآداب والعلم الذي ... ترك الوجود مهذبا مصقولا
دعــــنــــي أحــــدث عــــن خــــلالك أولا ... فالمرء كان بخلقه مكفولا
لا خير في أدب لمن لم يتخذ ... من طبعه طبعا ومنه أصولا
وحييتَ أنت بنهج خلقك مؤمنا ... وعرفت للقول السديد فعولا
فسكنتَ في برج الجلال مؤهلا ... ورقيت إيمانا، وجزت فحولا
خلق ينم عن الأزاهر للنهى ... عزما، ولكن لا يصيب ذبولا
يفتر بالإخلاص في إحسانه ... فندوم نعشق حسنه المبذولا
جم التواضع في كرامة عالم ... تخذ التواضع ستره المقبولا
مبتسم لجليسه في هزة ... تسقى الحديث مرنقا معسولا
شم الخلال وديعة وكريمة ... مثل الجبال إذا انحدرن سهولا!
مثل الطبيعة في تبسط لطفها ... نشرت على بسط المروج غسولا
وحبت مجملة الثمار شهية ... عرضا ولم تترك لنا مأمولا
كــــان المــــحدث لا يمل إطالة ... وعصمت من طبع يعد ملولا
كالنبع جياشا بمتعة عاشق ... لحديثهــ، أو كالبواسق طولا
تحنو على النظار عند تأمل ... وتجيب ما بقي السؤال سؤولا
لم ينسك المال الذي أحرزته ... بالفضل حقا للورى مجهولا
فوضعت مالك جنب علمك نفحة ... للناس في صحف وقين نحولا
وجعلتها مثل الزكاة سخية ... تحيي مواتا أو تعيد طلولا
ما كنت في هذي الحياة ممثلا ... بل كنت من وضع الفخار فصولا
خمسون عاما بل أجل بذلتها ... بذل الكواكب نورها المسؤولا
ما بين معركة وبين سكينة ... تركت بشتاتك العدو خجولا
وكسبت بالإخلاص كل مكرم ... شيم الرجال عقيدة وميولا
درر مــــن الأخلاق كانت ثروة ... كبرى ولم تسب الورى لتحولا!
صروف ما فينا المعزيـ: كلنا ... فقد العزاء ودمعه المطلولا
عشت (المسيحـ) لنا، وكنا كلنا ... رسلا، ودمت على الهدى مجبولا
وشكرتنا قبل الوداعـ، ولم يكن ... شكر الوداع بظننا (اليوبيلا)
هذي صحائفك اليتيمة لم تجد ... شرفا تخص بها وكنت بخيلا
عصمتك أحكام العلوم من الهوى ... وحبتك من حسب الجنان أثيلا
نقبت في الأجيال عن أسرارها ... ونشرتها جيلا لديك فجيلا
لا (آدمــ) المأثور صدك عن هدى ... بحثا، ولا أغني اليقين فتيلا
من كل (مقتطفـ) تنوع بحثه ... وتــــوحــــدت أبحاثه تنزيلا
من كل سفر حجة بفنونه ... ما فيه فن قد يراك دخيلا
ما كان منطقك الحكيم مسخرا ... للوهم مهما سامنا تقتيلا
هيهات يذعن للمظاهر وحدها ... ولكم أقام على الدليل دليلا
عـــــلم وفـــــلســــفــــة وفــــن ســــائغ ... حولتها لنعيمنا تحويلا
بــــعــــبــــارة خــــلابــــة غــــلابــــة ... تروي المدارك كوثرا وشمولا
وتبحر يعيا الجريء بجهده ... ما فات للبحث الجريء سبيلا
في ذورة الأفلاك أو بطن الثرى ... أو عالم الأحلام كان نزيلا
لا شيء يحسبه الحقير وإنما ... وجد الوجود بما حواه جليلا
فيرتل الآيات ملء بلاغة ... تستأهل الإصغاء والترتيلا
داع إلى أقصى التأمل مثلما ... جعل التفاؤل للحياة دليلا
وإذا الحياة كبت فذاك لأنها ... فقدت قبيل عثورها التأميلا
عشرات آلاف الصحائف قد شدت ... بحجاك واستبقت حجاك زميلا
آراء جــــبــــار وحــــكمة كاهن ... وكتاب إعجاز يشع مديلا
نظرت له (الأحقابـ) من أسفارها ... في حيرة مما وصفن رحيلا
فكأنما (...) كنت مصاحبا ... أسفارها فرسمتها تحليلا!
ومفاخر (الآثار) وهي شهيدة ... فخرت بعلمك موئلا ومقيلا
ومظاهر (العمرانـ) وهي كثيرة ... في (الشرقـ) لم تعدم لديك خليلا
و (الفكر) وهو لنا قوام حضارة ... بجلته حتى استعز نبيلا
لم تلقه عرضا، ولم تأنس به ... طمعا، ولم تبذل له تطفيلا
بل كنت ملجأه الحصين ومبعثا ... للنور في بلد أسيء طويلا
تغذوه بالذهن البصير مصارحا ... للحق لا تتصيد التهليلا
متتبعا نهج الصوابـ، مجافيا ... نهج الغلو، وإن أصبت قليلا
حتى تركت مني (الحقيقة) وحدها ... تهدي لرأسك شكرها إكليلا
ما ضر مثلك أن يخص بحبها ... لو فات من حب الأنام قبيلا
لكن ظفرت بحبها وبحبنا ... وعدمت في القدر الأعز مثيلا
من عهد (إسماعيل) في إجلاله ... مسعاك زدت بشبل (إسماعيلا)
وطويت عمرك دون من أو منى ... إلا الوفاء لما غرست ظليلا!
يا ابن (الصحافة) ثم شيخ قضاتها ... والمحسن التبيين والتدليلا
ومعلما بشبابه ومشيبه ... تسمو بسيرته الأيادي الطولى
(لبنانـ) (كالحدثـ) الذي ولدت به ... هذي الشمائل لا يباهي النيلا
كلا ولا (بردى) ولا (الدنيا) التي ... أمتعتها مما منحت جزيلا
إن أنــــت إلا عــــالميٌّ:ـــ مهده ... كل (الوجود) فلم يعش مغلولا
بل كان أهلا للبرية كلها ... لا يعرف الإيثار والتفضيلا
إلا الرعاية للفقير المجتبي ... جدواهــ، لا يبقى بها مخذولا
كم أمة هذبتها ووهبتها ... محض الشهاد وزدتها تأهيلا
فإذا انتسبت فما انتسبت حقيقة ... إلا لفضل لم يكن مجهولا
أما الممالك والعباد فإنهم ... عرفوك جَمْعاً فاتحا ورسولا
كل يراك زعيمه وصديقه ... ومواطنا وسلاحه المسلولا
وأرى خيالك ما يزال عزيزهم ... يأبى عن النهج القويم مميلا
متمثلا في همهم وشؤونهم ... فيحل معضلة ويصلح قيلا
وبريق عينيه يشف كعزمه ... عن حد ذهن لن يموت قليلا
وجبينه الوقاد مطلع نورهم ... وجلالة حفظوا لها التكليلا
أعددت ثورات وقدت كتائبا ... للرأي ثم نصرتها موصولا
ما خانك الإقدام يوما والألى ... عشقوك إن خان الزمان ذليلا
فبلغت مجدك بالمواهب وحدها ... تقتاد شبانا بها وكهولا
أين الذين يتابعونك حاملا ... علم الشباب فيزدهي محمولا؟!
ما كنت تغفل جهدنا وحقوقه ... بل كنت ترعى حرمة وأصولا
وتشجع البطل الصغير ليعتلي ... وتصغر الرجل الحسود مهولا
لك في دمي حق الوفاء فخلني ... أحيي كما يرضى الوفاء جميلا
كرّمت لي أدبا كأنك موجدي ... أو عشت للأدب الجديد كفيلا
فــــي جــــم إخــــلاص وجــــم صراحة ... لا تقبل التغرير والتمثيلا
ولكم تحكم جاهل أو عابث ... ومن المصائب أن نطيع كليلا
و (الجهل) في دست الزعامة نكبة ... لن تنمحي عذرا ولا تأويلا
تخذ (الصحافة) للمهازل مهنة ... فأثار داء في النفوس وبيلا
فــــمحرما طورا زهور مؤلف ... ومحاربا همم الشباب عجولا
ومــــرتــــلا آنــــا مديح نقائص ... لولا المدائح لم تكن لتجولا
قد كنت عونا (للنبوغـ) وطالما ... أردى (النبوغـ) الحاسدوه قتيلا
أبكيك في شعريـ، وفي نثري وفي ... فكريـ، كما أبكي الرياض حيولا
وأكفكف العبراتـ، لكن شأنها ... باقــ، فدمعي لن يزال همولا
ومن المدامع ظاهر ومحجب ... مــــا كــــل وجــــه نــــائح مــــبــــلولا
تجري الدموع الخافيات بخاطري ... وبكل إحساسي هوى مبذولا
وتفيض من قلمي فأنظم هكذا ... هذا النظيم عواطفا متبولا
وأؤبــــن (الفــــضل) الذي لإبائه ... لا فاضلا نلقى ولا مفضولا!
والآن هل تكفي شؤون يراعتيـ؟ ... حبس العواطف قد يكون قتولا
هيهات تكفي فالنظيم وحرقتي ... يتبادلان مناحة وعويلا
أرثي فأرثي فيك أنفس ما ارتقى ... ذهني وأحلامي له تبجيلا
من بهجة (الإنسانـ) في استعلائه ... خلقا وفكرا مسعفا وجميلا
ومن انتهاء (العبقرية) و (الحجى) ... لنهاية تستوجب التنزيلا
ومن (التسامحـ) في الحياة وقلما ... عرف (التسامحـ) في الحياة خليلا
أسفي على هذا الفراق وإن يعد ... هذا (النبوغــ) مجددا تشكيلا
وأقلب الطرف الحزين فما أرى ... إلا الورى والموت والترميلا
يا جنة (الفيومـ) كيفـ، جزيتنا ... نارا وحزنا فادحا وثقيلا
قد راح يلتمس الشفاء فخنته ... كــــم كــــان روضــــك (...) مليلا
أسفيـ! أجل أسفي يدوم فلا تطل ... عتبا علي فلم تكن لتطيلا
ما فاتني قبل (التفاؤل) هكذا ... أو كنت أشعر بالحياة ذليلا
ولقد بدأت إلى (العلى) مستغفرا ... ثم انتهيت إلى الشجون عليلا
عبثا أحاول أن أهدّئ لوعتي ... هيهات أشفي للدموع غليلا
سخطي على (الدنيا) وأقبح هزلها ... سخط يثير تأججا وصليلا
وأنا الذي يا طالما غازلتها ... طربا، وكنت لها كذاك وصولا
مرت شرابا بعد حلو مذاقها ... وجنت على أشهى الثمار أصيلا
لم أشك قبلك من يقيني هكذا ... وكأنما صار (اليقينـ) مهيلا
وكأنما هذا (الوجود) بأنسه ... أمسى بداجية المصاب محيلا!
لم لا أنــــوح في رثائك حسرة ... أرثي لها نفسي وأرثي الجيلا؟!
ما كنت أجزع (للمماتـ) وإن قسا ... حتى رحلت فسامني تذليلا
أرثي العصامي العظيم المبتني ... مثل (الثباتـ) لمن يهون ملولا
أرثي الخلود وما الخلود بدائم ... في صورة، بل يتبع التعديلا
ما بين إيمان به وبضده ... كم نتعب التفسير والتعليلا
أرثي وأبكي والأنام جميعهم ... كالنبت يهضمه الزمان أكولا
الفيلسوف كجاهل، وكلاهما ... يفنيـ، وما عرف الممات ذهولا
وقليل ثأري أن مثلك فقده ... جعل (القضاء) المستعز خجولا!
وعظيم صبري أن وحيك ملهمي ... صبرا، وعلمك لم يزل منقولا
سقراط قبلك والمسيح كلاهما ... ضحكا من الموت الخؤون مهولا
وضحكت أنت من الأساة معزيا ... همما تناجيك المدى وعقولا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- بيانها: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)
- حيرني: حرن: حَرَنتِ الدابةُ تَحْرُن حِراناً وحُراناً وحَرُنَتْ، لُغَتَانِ، وَهِيَ حَرونٌ: وَهِيَ الَّتِي إِذا استُدِرَّ جَرْيُها وقَفَتْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ خاصَّة، ونظيرُه فِي الإِبل اللِّجانُ والخِلاءُ … (لسان العرب)