أَفي نَجدٍ تُحاوِرُكَ القَبولُ
الشاعر: ابن سنان الخفاجي · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر ابن سنان الخفاجي، من العصر الفاطمي، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَفي نَجدٍ تُحاوِرُكَ القَبولُ ... أَظُنُّ الرّيحَ تَفهَمُ ما تَقولُ
تَغَنَّتـ في رِحالِ الرَّكبِ حَتّى ... تَشابَهَتِ الذَّوائِبُ وَالذُّبولُ
صَحِبنا في دِيارِكُمُ صَباها ... تَناوَبها التَّنَفُّسُ وَالنُّحولُ
وَأَمطَرنا سَحابَ الدَّمعِ حَتّى ... حَسِبنا أَنَّهُ مُهَجٌ تَسيلُ
وَعُجنا ذاهِلينَ فَما عَلِمنا ... أَنَحنُ السّائِلونَ أَمِ الطُّلولُ
وَأَعدَينا بِذِكرِكُمُ الخُزامى ... فَمالَ مَعَ النَّسيمِ كَما يَميلُ
وَفي الأَظعانِ لَيِّنَةُ الثَّنِيِّ ... عَصِيُّ الرِّدفِ مانِعَةٌ بَذولُ
سَأَلناها تُحَيِّينا فَضَنَّت ... وَذَلِكَ لَو تَجودُ بِهِ جَزيلُ
سَقَت أَرضَ السَّوِيَّةِ وَالغَوادي ... تَهاداها الأَباطِحُ وَالسُّهولُ
يَمانِيَةٌ تُصَفِّقُها النَّعامى ... إِذا خَطَرَت وَتَلحَقُها القَبولُ
كَأَنَّ يَدَ المُعِزِّ حَنَت عَلَيها ... مَخافَةَ أَن تَضُرَّ بِها السُّيولُ
شَفى مَرَضَ العَواصِمِ عامِرِيٌّ ... تَنمُّ عَلى خَلائِقِهِ الشَّمولُ
جَلا صَدأَ القَذى عَنها وَصَحَّت ... فَلَيسَ سِوى النَّسيمِ بِها عَليلُ
وَآمَنَ سِربها مِن كُلِّ خَطبٍ ... فَأمُّ النّائِباتِ بِها ثُكولُ
كَريمٌ يَستُرُ المَعروفَ حَتّى ... كَأَنَّ كَثيرَ ما يُعطي قَليلُ
تَغيرُ عَلى سوابِقِهِ الفَيافي ... وَتَضرِبُ في صَوارِمِهِ الفُلولُ
تَزورُ جِيادُهُ أَرضَ الأَعادي ... وَأَطرافُ الرِّماحِ لَها دَليلُ
طَلَعنَ مِنَ الجَزيرَةِ في هَناتٍ ... تَقاضاها الطَّوائِلُ وَالدُّخولُ
وَجُبنَ مَعاقِلَ الأَعداءِ حَتّى ... تَناذَرَتِ الرَّكائِبُ وَالخُيولُ
إِذا خَدَعَتهُمُ بِالنَّقعِ قالوا ... نَعامُ الدَّوِّ أَفزَعَها الرَّعيلُ
وَإِن صَدَقَتهُمُ الخُرصانُ عَنها ... وَلاحَت في عَجاجَتِها النُّصولُ
أَجارَهُمُ الفِرارُ مِنَ العَوالي ... وَقَد يَنجو مِنَ القَدَرِ الذَّليلُ
وَحَلّوا بِالسَّماوَةِ في شِعابٍ ... يُذَمُّ لَها مِنَ الطَّلَبِ الخُمولُ
رَعوا فيها الهَشيمَ وَقَد تَباهَت ... بِزينَتِها المَخازِمُ وَالهُجولُ
إِذا سَرَحَت قِلاصُ الحَيِّ أَمناً ... وَسارَت عَن مَنازِلها الحُمولُ
ثَوَوا أَسرى الخِدارِ وَقَد أَريحَت ... مَطِيُّهُمُ وَسالَمها الذَّميلُ
طِــــلابٌ لا يُــــرَوِّعُهُ عِــــثــــارٌ ... وَعَــــزمٌ لا يُنَفِّرُهُ نُكولُ
وَمُلكٌ شادَهَ ظَعنُ الهَوادي ... تَزولُ الرّاسِياتُ وَلا يَزولُ
حَماهُ مِن مُخاتَلَةِ اللَّيالي ... فَتىً مِثلُ المُرادِ بِهِ جَليلُ
تُحاذِرُ بَأسَهُ سُمرُ العَوالي ... فَفيها مِن مَهابَتِهِ ذُبولُ
وَيُطلِعُ في ظَلامِ النَّقعِ مِنها ... نُجوماً في النُّحورِ لَها أفولُ
مِنَ القَومِ الَّذينَ لَهُم أَكُفٌّ ... يُبادِرُها فَتَنجابُ المُحولُ
كُهولُهُم إِذا غَضِبوا شَبابٌ ... وَمُردُهُم إِذا حَلِموا كُهولُ
إِذا راعَت سُيوفُهُمُ المَطايا ... تَمَنَّتــ أَنَّ مالِكَها بَخيلُ
غَدَت غُرَراً عَلى هامِ الأَعادي ... وهُزَّ عَلى مَناسِمِها حُجولُ
وَقَفرٌ قُيّدَت فيهِ الدَّياجي ... فَما لِخِضابِها عَنهُ نُصولُ
تَسَتَّر فيهِ ضَوء الصُّبحِ خَوفاً ... فَنَمَّ بِسِرِّهِ السَّيفُ الصَّقيلُ
تَمُرُّ بِهِ السَّحائِبُ خائِفاتٍ ... فَلَيسَ لَها بِساحَتِهِ هُمولُ
أَقاموا في غَياهِبِهِ العَوالي ... مَناراً ما يَضِلُّ بِهِ سَبيلُ
حَذارِ فَإِنَّ في حَلَبٍ لُيوثاً ... وَآجامُ الرِّماحِ لَهُنَّ غيلُ
وَمِن بَطنِ الشآم إِلى دُجَيلٍ ... مَراتِعُ نَبتُها الأَسَلُ الطَّويلُ
يُشَيَّدُ دونَها لِبَني كِلابٍ ... بُيوت ما يُضامُ لَها نَزيلُ
تَسيلُ شِعابُها بِنَدى ثِمالٍ ... فَلَيسَ لَها إِلى كَلأ رَحيلُ
تَغَمَّدَ جُرمَها إِن طاحَ حِلمٌ ... وَضَلَّت عَن هِدايَتِها عُقولُ
وَصُنها فَهيَ في يُمناكَ عَضبٌ ... يُزينُكَ حَملُهُ وَبِهِ تَصولُ
فَدونَكَ عاجَلَت وَخزَ العَوالي ... كَأَنَّ الرُّمحَ يَطعَنُهُ التَّليلُ
وَتَحتَ لِوائِكُم صَعبٌ أَباء ... فَلَم يَركَب لَها ظَهرٌ ذَلولُ
أَرى إِبلي شَوارِعَ من قُنوعي ... مَوارِدَ ما يُبَلُّ بِها غَليلُ
وَلَم تَعرِف لِمُصعَبِها قُيودٌ ... وَلَم يَملِك لِشارِدِها جَديلُ
وَآمالي مُطرحَةٌ بِطاء ... يُنازِعُ دونَها قَدَرٌ مَطولُ
أعيذُ نَميرَ وُدِّكَ مِن أَوامي ... وَقَد أَودى بِجِمَّتِهِ النُّهولُ
فَهَل يَرضى لَكَ الكَرَمُ اطِّراحي ... وَلَو أَنّــــي لجــــودِكُمُ عَذولُ
فَما يَسمو الزَّمانُ إِلى قِراعي ... وَظِلُّ جَنابِكُم أَبَداً ظَليلُ
وَلا تَسطو عَلَيِّ يَدُ اللَّيالي ... وَظَنّي في رَجائِكُمُ جَميلُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التنفس: نفس: النَّفْس: الرُّوحُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذَا الكتاب، قال أَبو إِسحق: النَّفْس فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَجْرِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحدهما قَوْلُكَ خَرَجَتْ نَفْس فُلَانٍ أَي رُو … (لسان العرب)
- الثني: ثني: ثَنَى الشيءَ ثَنْياً: ردَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ تَثَنَّى وانْثَنَى. وأَثْنَاؤُه ومَثَانِيه: قُواه وَطَاقَاتُهُ، وَاحِدُهَا ثِنْي ومَثْنَاة ومِثْنَاة؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وأَثْنَاء الحَيَّة: مَطاوِيها إِذا تَحَوّ … (لسان العرب)
- الردف: ردف: الرِّدْفُ: مَا تَبِعَ الشيءَ. وَكُلُّ شَيْءٍ تَبِع شَيْئًا، فَهُوَ رِدْفُه، وَإِذَا تَتابع شَيْءٌ خَلْفَ شَيْءٍ، فَهُوَ التَّرادُفُ، وَالْجَمْعُ الرُّدافَى؛ قَالَ لَبِيدٌ: عُذافِرةٌ تَقَمَّصُ بالرُّدافَى، ... تَخَوّ … (لسان العرب)
- السائلون: سيل: سالَ الماءُ والشيءُ سَيْلًا وسَيَلاناً: جَرَى، وأَسَالَه غيرُه وسَيَّله هُوَ. وَقَوْلُهُ عز وجل: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: القِطْرُ النُّحاس وَهُوَ الصُّفْر، ذُكِر أَن الصُّفْر كَانَ لَا ي … (لسان العرب)
- الطلول: طلل: الطَّلُّ: المَطَرُ الصِّغارُ القَطر الدائمُ، وَهُوَ أَرْسخُ الْمَطَرِ نَدًى. ابْنُ سِيدَهْ: الطَّلُّ أَخَفُّ الْمَطَرِ وأَضعفه ثُمَّ الرَّذاذُ ثُمَّ البَغْش، وَقِيلَ: هُوَ النَّدى، وَقِيلَ: فَوْقَ النَّدى وَدُونَ ال … (لسان العرب)
- بذكركم: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- بذول: ذول: الذَّالُ: حَرْفُ هِجَاءٍ، وَهُوَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، يَكُونُ أَصلًا لَا بَدَلًا وَلَا زَائِدًا، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وإِنما حَكَمْتُ عَلَى أَلفها أَنها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ لأَن عَيْنَهَا أَلف مَجْهُولَةُ الِانْقِل … (لسان العرب)