خَليلَيَّ هَل ربعٌ بحُفّاثَ مُقفِرُ
الشاعر: محمد بن الحسن الكلاعي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر محمد بن الحسن الكلاعي، من العصر العباسي، وتقع في 320 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خَليلَيَّ هَل ربعٌ بحُفّاثَ مُقفِرُ ... برِق لشَكوى ذي الجوا أو يُخَبَّرُ
مَـــــتـــــى جَــــدّ بــــالحَــــيِّ الرحــــيــــلُ ... لطِيَّتِهِم للبَينِ أم قيل بكّروا
وهَل تُخبِرُ السفعُ الرواكِدُ سائلاً ... أم الأشعثُ المشجوجُ بالخَطب يشعُرُ
أمَنزِلُنا هَل عيشُنا بكَ راجعُ ... أم الشملُ دانٍ أم جنابُكَ يعمُرُ
فيَسلو ذو حزنٍ ويَبرا معمد ... ويُشفى غليلٌ بالنَوا يَتَسَعَّرُ
أم اليأسُ أولى من حبيبٍ موَدَّعٍ ... أتَــــت دون منأه شهورٌ وأعصُرُ
فلَولا اللواتي كُنَّ فيك قواطِناً ... لما كان دمعي دائباً يتحدّرُ
ليالينا إذ شملُنا بكَ جامِعٌ ... وغُصنِيَ أملودٌ مِنَ اللهوِ أخضَرُ
وفيكَ غزلانٌ كالبدور كواعِبٌ ... بها العَيشُ يصفو تارَةً ويُكَدَّرُ
إذا وصَلت فالأريُ ليسَ كوصلِها ... ولا الشريُ يحكي هجرها حين تهجُرُ
وإن فــــــــوَّقَــــــــت نــــــــبـــــــالَهـــــــا ... فــــمِنّا أسيرٌ موثَقٌ ومُقَطَّرُ
تــــقــــولُ إذا أتلَعُنَ أُدمٌ تدلها ... خــــيــــالٌ وإن أعــــرَضــــنَ بانٌ مُهَصَّرُ
وإنا أدبَرَت قلتُ العثاقل ما أرى ... وإن ضحكت فالأقحوانُ المنوِّرُ
فكَم ناهِدٌ نهدٌ وكم فاحِمٌ جعدٌ ... وكم ناظرٌ وردٌ لدَيهِنَّ ينظُرُ
وكــــم نــــاعــــمٍ غضٍّ وذي هيَفٍ نضٍّ ... لهَــــوتُ بــــه والليلُ داجٍ ومقمِرُ
وناعِمَةِ الأطرافِ مدمَجَةِ الشوا ... لها كفَلٌ رابٍ وأهيَفُ مضمَرُ
وأخــــثــــم الأطراف وأشنَبُ واضحٌ ... وأزرق فــــتــــان وخَــــدٌّ مــــعــــصــــفــــرُ
إذا عثَرَت في المرطِ قالت لفَتنةٍ ... أنا ابنةُ قسطنطينَ في الروم أشهَرُ
تقولُ أرى في عارضَيكَ بوادِراً ... من الشبيب حتى لم تكُن فيك تقدَرُ
وأنّي يشيبُ العارضانِ من امريءٍ ... وأعوامُهُ دون الثلاثينَ تقصُرُ
فقُلتُ لها لا تعجَبي للذي بَدا ... فشَيبُ فؤادي يا ابنةَ الرومِ أكثَرُ
إذا أصبَحت آباؤُكِ الغرلُ تنتَمي ... إلى آلِ إبراهيمَ جهلاً وتفخَرُ
فشَيبي قليلٌ إن تعَمَّمَني بما ... أتوا وأظُنُّ الشمسَ سوفَ تُكَوَّرُ
وما خلتُ أنَّ الرومَ تسمو لمَفخَرٍ ... ولا أنَّهُم في الناسِ ممّن يثقر
ومن عبَر الدنيا تكَبُّرُ جاهِلٍ ... يُفاخِرُ قحطانَ بمَن يتَنَصَّرُ
فلا غروَ إنّ العيرَ ينهَقُ خالياً ... فيُؤذي ويُؤذي إن رأى الليثَ يزأرُ
فَيا ابن ذوي الصلبان أقصر على القذى ... وأمسِك لساناً ظلَّ بالغَيِّ يهدر
صَهٍ أيُّها المغرور بالزعمِ صاغِراً ... فإنَّكَ من قومٍ أُذِلّوا وأُصغروا
فــــجَهلُكَ قد أرداكَ من رأسِ حالقٍ ... وألقاكَ في بحرٍ من الموتِ يزخَرُ
أمثلُكَ يسمو نحو أعراضِ حميَرٍ ... وطرفُكَ في سبلِ المكارمِ أعوَرُ
أثعلَبُ لؤمٍ صارَ كفُواً لضَيغمٍ ... وحفضُ مخازٍ عنّ للقَومِ يهدُرُ
أسَكرانُ يابنَ القلفِ كنتَ فقُلتَ ما ... رويت بهِ أم أنتَ وسنانُ تهجُرُ
لكَ الويلُ ما دلّاكَ في هوَّةِ الردى ... وفَــــرعُــــك مــــجذومٌ واصلُكَ أبتَرُ
بــــزَعمِك أنّ الرومَ والفُرسَ إخوَةٌ ... وأنّ أبــــا الكُلِّ الخليلُ المُطَهَّرُ
فكُنتَ كمَن يدعو الضبابَ قرابَةً ... منَ النونِ جهلاً أو بذي الجهلِ يسخَرُ
قَفاها لفيكَ اليومَ من ذي جهالَةٍ ... ولا زلتَ في ليل العَما تتحيَّرُ
إذا أنتَ بالأنباءِ لم تكُ خابراً ... فسائِل أخا علمٍ فإنَّكَ تُخبَرُ
ولادَة إبراهيم أبناءُ قيذَرٍ ... وأبناء إسرائيلَ والحَسقُّ أنوَرُ
وأمّا بنو ساسانَ فاسأل فجَدُّهُم ... كيو مرتَ وانظر أيّها المتحيّرُ
أبوهُ أمَيمٌ والمطَمطَمُ صنوهُ ... خرسانُ ثُمَّ الطالقانُ المُعَمَّرُ
وصنوهُمُ ملخٌ وكرمانُ والفَتى ... سجستانُ يبديهِ الكتابُ المشَجَّرُ
وجرجانُ لكن أصبهان فعدَّهُم ... ثمانِيَةٌ في الشرقِ ساسوا ومصَّروا
وعــــمَّهــــُم عــــمــــلاقُ وارِثُ مــــعشَرٍ ... فراعِنَةٍ كانوا قديماً تكبّروا
وجدّهُم جدُّ الحباب بن لاوذ بنِ ... سامِ بن نوحٍ فاستمِع ما يُفَسَّرُ
وللرومِ جـــــذمٌ فـــــي ولادَةِ يـــــافِـــــثٍ ... ووالدُهُــــم ليــــطِــــيُّ والعَــــمُّ جوهَرُ
وإخوَتُها يأجوجُ والتركُ والألى الص ... قالِبُ والنسناسُ منها وبَلغَرُ
وللخَــــزَرِ البُــــلقُ الأخُوَّةُ منهُمُ ... ويجمَعُمهم جدٌّ عنِ المجدِ يطحَرُ
أولاكَ العلوجُ الزرقُ ليسوا لِفارِسٍ ... بشَكلٍ ولا إخوانُها إن يُعَشّروا
ولا فارِسٌ مِن نسلِ اسحاق فاتّئد ... وأبصِر طريق الرشدِ إن كنتَ تبصِرُ
فإنَّكَ يابنَ القلفِ أعمى عنِ الهُدى ... كعَشواءَ أعشاها الظلامُ المُعَسكرُ
أتــــزعُــــمُ أنّ الحــــمــــيَــــريــــنَ أذِلَّةٌ ... وأنَّهُمُ عن غايَةِ المجدِ قصّروا
وأنسيتَ من أيامهِم أنَّهُم حمَوا ... أباكَ عنِ الدهماءِ والناسُ حضَّرُ
غــــداة ثَــــوى مولاهُ يصفَعُ رأسَهُ ... كان من طُغيانهِ وهوَ يقدِرُ
فأفلَتَ منه قابَ شبرٍ فصار في ... ذُري حــــمــــيَر الفراقد تنظرُ
حماه الحوالِيُّ الأميرُ الذي لهُ ... أقَرَّ بفَضلِ الفعلِ من يتأَمَّرُ
فلَولا ابنُ قحطان الأميرُ وصنعُهُ ... لعَمَّمَهُ السيف الأميرُ المُظَفَّرُ
فعاشَ إلى أن ماتَ وسطَ ديارِهم ... وأنتَ مقيمٌ بينَهُم تَتَبَختَرُ
بعِزِّهِمُ تنجو من البأسِ والردى ... وفي ظلِّهِم تحيا هُبِلتَ وتُقبَرُ
فكافَأتَهُمُ بالصالحاتِ إساءَةً ... وذو اللؤمِ ما إن زالَ يطغى ويكفُرُ
وأعراقُكُم بالصالِحاتِ إساءةً ... وذو اللؤم ما إن زالَ يطغى ويكفُرُ
ولو كنتَ كفواً كافأتكَ سيوفهُم ... بضَربٍ بهِ تقويمُ ما هوَ أصعَرُ
ولكِنَّكَ الجارُ الذليلُ حماهُ أن ... أن يحازي ذمام عندنا ليسَ تُخفَرُ
تــــوارَثَهُ آبــــاؤُنــــا عن أبيهِمُ ... وهمّاتُ أنجادٍ عن الرذلِ تكبُرُ
لك التعسُ هل حدِّثتَ عن ملكِ حميَرٍ ... فحاوَلتَ سترَ الصبحِ والصبحُ أسفَرُ
ألَم تدرِ يابنَ القلفِ أنّ سيوفَهُم ... لها أثَرٌ في غابِرِ الدهرِ يؤثَرُ
كسَرنَ بني كسرى قديماً وآخِراً ... وأقصَرنَ باعاً مدّهُ العلجُ قيصَرُ
وسارت لهُم نحوَ العدُوِّ مقانِبٌ ... إذا ما تقَضى عسكَرٌ جاء عسكَرُ
مع الحارث الملكِ المتَوَّجِ إذ سما ... إلى الشرقِ الجردِ العناجيجِ تصبِرُ
وراشَ بني قحطانَ أسلابَ فارسٍ ... فصارَ لهُ اسماً في البريّةِ يُشهَرُ
وَلَم يكُ عنها ذو المُنارِ بِعاجِزٍ ... ولا العبد لَمّا جاءَ بِالسَبي يُذعِرُ
وإفريقيس الباني مدينةً مُلكِهِ ... وَياسِرُ ذو الحًلمِ الذي لا يُعَيَّرُ
وَشَمَّرُ قد داخت سمرقند خيله ... وكان له في السُغدِ يومٌ مُدَعثَرُ
وألقى بها لَوحاً علَيه كتابَةٌ ... لهُ سيرةٌ فيها وذِكرٌ مسَطَّرُ
وآب بــــكَــــيــــقاويشَ مالكَ فارِسٍ ... وقَـــــد ضـــــمَّهــــُ غِــــلٌّ وكُــــلٌّ مُــــسَــــمَّرُ
فأسكَنَهُ في بِئرِ مأرِبَ فينَةً ... منَ الدهرِ مسجوناً والصفحُ ويزفر
على الرغمِ سبعاً من سنينَ تجَرَّمَت ... وأعتَقَهُ من بعدُ والصفحُ أفخَرُ
والأقــــــــرَنُ لمّــــــــا أن تَـــــــيَـــــــمَّمَ ... في بلادَ الرومِ حاموا وأدبَروا
فأسأرَ من خلفِ الخليجِ مآثِراً ... كما فعَل الأملاكُ قبلُ واسأروا
وكــــان لدى اليــــاقــــوت جــــمــــاعَــــةِ ... وكُـــــلٌّ له حـــــتـــــفٌ ويـــــومٌ مــــقَــــدَّرُ
وَتُبَعُ داخَ الصينَ حتى استباحً ما ... يَصونُ به المُلكَ المعظم يَعبُرُ
وأسعَدُ ذو الجدِّ السعيدِ فذاكَ لا ... يُـــــوازِنُهُ مـــــســــتــــقــــدِمٌ أو مُــــؤَخَّرُ
فتَاً سارَ للظلماءِ حتّى استَباحا ... فــــلَم يــــبق عود للأدلّاءِ يُزهِرُ
وعَبّا إلى الفُرسِ الجحافِلَ قاصِداً ... فضاقَ بهِم رحبُ الفلاحينَ سيّروا
مُـــــصَـــــنَّفـــــَةٌ الجـــــيــــادِ فــــأدهَــــمٌ ... وأبــــــلَقُ مـــــوشِـــــيٌّ ووَردٌ وأشـــــقَـــــرُ
وكُمتٌ وشُهبٌ ليسَ يُحصى عديدُها ... بحَصرٍ وهَل يُحصى الجرادِ المثوّرُ
يريد المرجّا الكلاع يمينها وشمرها ... ومن عترَةِ المُنتابِ سايقاً
وذومَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرّ ... وأسعَدُ مثلُ البدرِ حُفَّ بأنجُمٍ
أو الليثُ بينَ الأُسدِ وهوَ يُزَمجِرُ ... وكانَت لهُم فيهم ببابلَ وقعةٌ
بلابِلُهُم منها عَلى الدهرِ يعبَرُ ... بأسيافِنا خَرَّ ابنُ سابورَ ساجداً
لغَــــيــــرِ خــــشــــوعٍ يومَ ذاكَ وجؤذَرُ ... وطــــارَ قُباذٌ للمشارِقِ هارِباً
فــــشَمَّرَ في آثارِهِ القَيلُ شَمَّرُ ... وكــــان لهُ فــــي أرضِ كــــرمانَ صولَةٌ
وفي قندهارٍ جهرةً ليس يُسبَرُ ... فما زالَ في آثارِهِ وهَو هارِبٌ
إلى الشرقِ يقفو حيثُ كان ويقفِرُ ... إلى أن أتى من أرضِ بلخٍ برَأسهِ
على رأسِ رُمحٍ ظَلَّ بالبندِ يخطُرُ ... وقد حازَ ما صانوهُ من كُلِّ نضَّة
حــــرودٍ ومــــن مــــالٍ يُعَدُّ ويدخَرُ ... وكانَ لهُ في التركِ يومٌ عصَبصَبٌ
وفي الخَزَرِ الأعلاجِ والجَوُّ أغبَرُ ... وَوَجَّهَ نحوَ الصين جَيشاً عرَمرَماً
يقودهُمُ عمرو الذي يتحَبًّرُ ... وسارَ لأرضِ الشام بالخَيلِ قاصِداً
لزُرقِ بني ليطِيِّ ليس يفتر ... فوافَوهُ من قبلِ الوصولِ إليهِمُ
يــــخــــرِجِهــــم يُــــجبى لهُ ويُثَمَّرُ ... وأهدوا إليهِ كُلَّ بيضاءِ كاعِبٍ
وقـــــالوا تـــــاعُــــد فــــإنَّكــــَ أقــــدَرُ ... فأقسََ أن لا بُدَّ من وطىء أرضِكُم
وذلكَ نَذرٌ كانَ مِن قبلُ يُنذَرُ ... وإنّي على إمصاءِ ما كنتُ مضمِراً
منَ القسَمِ المذكورِ لا أتَأخَّرُ ... وقــــالوا لهُ قــــدِّم وخــــانوهُ غَدرَةً
وما زالَتِ الأعلاجُ تخزى وتَغدرُ ... فَقالَ لذاكَ الجيشِ ميلوا علَيهِمُ
فمالوا كما مالَت على عادٍ صرصَرُ ... فذاقَ بها موليس كيسان حتفَهُ
وجاؤوا بقِسطَنطينَ في القيدِ يعثُرُ ... وفاؤوا بَسبي منهمُ ومراكِبٍ
وأثــــوابِ قَــــزٍّ نــــســــجُهُــــنَّ مُــــنَــــيَّرُ ... وأنفَذَ نحوَ الغربِ ابناءَ مُرَّةٍ
فقال لهُم قَرّوا هناك وأعمِروا ... فهُم أهلُهُ حتّى إلى اليومِ سادَةٌ
لمَن حلَّه أيّامُهُم ليسَ تُنكَرُ ... كُتامَةُ ثم صنهاجَةٌ وزناتَةٌ
ولواتــــــــة ليــــــــس تــــــــقـــــــصُـــــــرُ ... وتُبَّعُ عمرو كانَ منهُ بيَثرِبٍ
عــــلى آل إســــرائيــــلَ يــــومٌ مُكَدَّرُ ... غُــــدَيَّةــــَ إلى أن يُــــحَــــرَّقَ مــــنهُمُ
ثــــلاثَ مــــئيــــنٍ والنيارُ تسعَّرُ ... فظَلّوا كأمثالش الأضاحيِّ قُرِّبَتِ
بشعبِ منىً من أهلِ نسكٍ تُنَحَّرُ ... أولَئِكَ أملاكي الأُلى وسمُ عزِّهِم
على الدهرِ باقٍ واضحٌ ليسَ يدثُرُ ... أقَــــرَّ لهُــــم بالشرقِ تركٌ وفارِسٌ
ودانَ لهُم بالغَربِ قِبطٌ وبَربَرُ ... وما رامَتِ الرومُ امتناعاً بشأنها
ولا الهندُ عمّا وظفوه تأخّروا ... مكارِمُ غُرٌّ لا يدافعُ كونها
سوى أغلَفِ المعقول لا يتفَكَّرُ ... ولا يستطيعُ العالمونَ مثالَها
ولو أنجدوا في السعي فيها غوّروا ... فهذا لهم في الشركِ والكفرُ غالِبٌ
فلَمّا دعا الهادي النذيرُ المُيَشِّرُ ... دعا بمُعاذٍ ثُمَّ قال ائتِ حميَراً
وخاطبهُمُ بالرفقِ يصغوا ويبصروا ... فقَد وعدَ الرحمانُ واللَهُ منجِزٌ
بأن سوفَ يعلو الدينُ فيهم ويُنشَرُ ... وثابوا إلى الدين الحنيفِ إنابَةً
لرَبِّهِم من بعدِ ما قد تجبّروا ... فلَمّا أتاهم سارعوه إجابَةً
وصــــلّوا وصــــامــــوا للإله وكبّروا ... وقالَ النبِيُّ المصطفى إنّ حميَراً
بهم يُعضَدُ الدينُ الحنيفُ ويُنصَرُ ... إذا أقبَلوا يوماً إليكُم بنَسلهِم
ونسوانهم فاستيقنوا ثُمَّ أبشِروا ... بِفَتح بلادِ الروم فهيَ أساسهم
تدينُ لهُم كرهاً وتحيى وتُعمَرُ ... وهُم أهلُها طولَ الليالي وسكنُها
مدى الدهر حتماً أو يموتوا ويُحشَروا ... وقال لهُ في لعنِ حميرَ بعضُ مَن
يكُنُّ لها البغضاءَ إذ يتمَضَّرُ ... فأعرَضَ عنهُ كارِهاً لمقالهِ
فــــعاودَ أخرى ثمَّ أُخرى يُكَرِّرُ ... وقال لهُم بل يرحم اللَه حميَراً
فما مثلُهم في سائرِ الناس معشَرُ ... مقاوِلُ أيديهم طعامٌ ولفظهُم
ســــلامٌ وهُم حَيٌّ كرامٌ تخيّروا ... وصلّى على الأملوكِ فضلاً يخُصُّهم
وفَخراً على الأيّام يبقى ويُذكَرُ ... وأجــــلسَ منّا سادَةً فوقَ ثوبهِ
لإكرامِهِم لمّا أتَوا وتَبَرّروا ... وأُنزِلَ جبريلٌ شبيهاً لبَعضِها
على أحمَدٍ بالوَحي إذ يتصوَّرُ ... ولمّا دعا الفاروقُ أيّامَ حريهِ
لقُلفِ النصارى نحونا وهو يذمُرُ ... تجهّز منّا ذو الكلاع مجاهداً
وسارِ بُجَيرٌ في الجيوشِ فشَمّروا ... يقودانِ أبناءَ الكلاع ويحصُباً
وذا أصبَح فيها كرَيبُ المُؤَمَّرُ ... وأبناءُ ذي الشَعّبَينِ لمّا يعرجوا
ومِــــن حــــضــــرَمــــوتٍ دارعــــونَ وحُــــسَّرُ ... إلى يثرِبٍ حتّى توافى بقاعِها
ثلاثونَ ألفاً منهمُ حينَ ينفِرُ ... وقالوا نريدُ القصدَ أبناءَ فارِسٍ
فقالَ لهُم بل للشامِ فأبكروا ... وقالوا له بل للعراقِ فلَم يزَل
يُلايِنُهُم حتّى أطاعوا وفكّروا ... فحَلّت بأرضِ الرومِ منهم سحايِبٌ
فظَلَّت علَيهِم بالمصائبِ تمطِرُ ... فكانَ لدى اليرموكِ منهُم مواقِفٌ
وقائِعُها فيهِم على الدهرِ تكبرُ ... هوَوا في هوىً كانوا أرادوا اتّخاذها
لمَكرٍ وكُلُّ هالِكٌ حيثُ يمكُرُ ... وما زالَ منهُم موقِفٌ بعدَ موقِفٍ
ورايَةُ نصرٍ بالهدايَةِ تُنشَرُ ... إلى أن حَووا أرضَ الشامِ وقتّلوا
علوجَ بني ليطِيّ فيها ودَمَّروا ... وجازوا بها حمصاً والأردن واغتدَت
على الحكمِ منهُم قنسرينَ وتدمُرُ ... وأرضُ فلَسطينَ وحازوا دمَشقِها
وأضحى هرَقلٌ وهوَ بالذُلِ مُجحَرُ ... وقَد سُلِبَت تيجانهُ وتُقُسِّمَت
مساكِنهُ فيها الصليبُ المُكَسَّرُ ... وأضحَت بناتُ الرومِ فيتا مغانِماً
مقَسَّمَةً فيها ضناكٌ ومعصِرُ ... تجالُ علَيهِنَّ السهامُ وتغتدي
عرائِسَ في عُزّابنا ليسَ تمهَرُ ... وما مهرُ أبكارِ الغرائِبِ عندَنا
لعِــــزَّتِــــنــــا إلّا حُــــســــامٌ وأسمرُ ... وفي عصرِ عثمان غزاهُم يزيدُنا
ومن حولِهِ أنجادُ حميَرَ تخطُرُ ... فوَلّى هِرَقلٌ منهُ إذ ذاكَ معصَماً
برومِيَّةٍ يَضوي إليها ويحضُر ... وتلكَ لعَمري عادَةٌ من أكفُفِّنا
لهُــــم كــــلَّ عــــامٍ لا تــــزالُ تكَرَّرُ ... لنا كلُّ عامٍ جحفَلٌ وكتيبَةٌ
تَباري مذاكيها ومجرٌ ومِنسَرُ ... أقَمنا على الثغرِ المخوفِ لحفظِه
فلَيسَ بحَمدِ اللَه ما دام يتغَرُ ... نسوقُهُمُ سوقَ القلاص ويغتدي
لنا مغنَمٌ منهُم به الدهر نحبَرُ ... إذا ما رأيت السبي منهُم بأرضِنا
مــــؤَنَّثــــُهُ مــــســــتجمِعٌ والمُذَكَّرُ ... تقولُ لذاتِ القُرطِ هاتلكَ ظبيةٌ
وذي الطرطُقِ المشدود ذلك جؤذُرُ ... ففي تلكَ إمتاعٌ لذي البرّ والثُقى
وفي ذاك إمتاعٌ لمَن كان يفجُرُ ... وقَرَّ قبيلٌ منهُم ببلادِهِم
لَدينا وقالوا الذُلُّ أعفا وأستَرُ ... فقال له الرحمان حوزوا جزاهمُ
فــــكُلٌّ يؤدّي وهوَ الكلبِ أصغَرُ ... وإخــــوتُنا ساروا إلى أرضِ فارِسٍ
أكــــارِمُ كــــهــــلانٍ ولَمّــــا يعذّروا ... أذاقوا بها مهراز كيسانَ علقَماً
ذُعافاً ونجلَ المرزبانِ وقطّروا ... وداخوا خُراساناً وأجبالَ فارِسٍ
فذاقَت بها وندُ النكالَ وديدَرُ ... وكانَت لهم بالقادسِيَّةِ وقعَةٌ
تكادُ لها شُمُّ الجبالِ تفَطَّرُ ... فسائِلٌ بيومِ الفيلِ إذ حزَّ رأسَهُ
حسامُ أبي ثورٍ وقد بان عنيَرُ ... فتلكَ المعالي لا سُلافةَ قهوَةٍ
لأعلاجِكُم فيها معاشٌ ومتجَرُ ... وأكلُكُم الخنزير والقُسُّ والذي
تــــرَونَ له أعــــمى وأدهى وأنكَرُ ... تزُفّونَ أبكاراً إلَيهِ نواعِماً
يُبارِكُ فيها والقمَدُّ مؤثَّرُ ... أجاوَلتَ يابنَ القلفِ قرناً لحميَرٍ
وقَد نزَلت بينَ السماكَينِ حميَرُ ... ولم يستطع أكفاؤُها نيلَ شأوِها
فكَيفَ وباعُ الرومِ أوهى وأقصَرُ ... وما ضرتُمُ إلّا كما ضارَ نابحٌ
نجومَ الثرَيّا إذ يهِرُّ ويكشُرُ ... وعـــــيَّرتَهُـــــم يـــــومَ الرعـــــاع فــــرَّةً
وهل أنت يابنَ القلفِ ممّن يعيِّرُ ... ألَم تدرِ يا مغرورُ ما كان شأنُهُم
فتُقصِرُ عمّا تفتَرِيَ وتُزَوِّرُ ... بَنو عمِّهم حاشوا إليهم فهَوّنوا
عَزيمَتَهُم والنبعُ بالنَبع يُقسَرُ ... يميلُ الكرَندِيُّ الهُمامُ وحولَهُ
مَضَت حميَرٌ تحت العجاج وعُفِّروا ... وشَمَّرَ فيها من قضاعَةَ سادَةٌ
لهُم من مجيدٍ فرعُ مجدٍ وعُنصُرُ ... وذاك لعمرِي كان بينَ معاشِري
منافَسَةً والأمرُ بعدُ مدَبَّرُ ... وتَمدَحُ آل الهَيثَمِ السادَةَ الأولى
نصيبُهُمُ في فخرِ كهلانَ أوفَرُ ... وهُــــم أهــــلُ مــــا حــــبّرتَ فيهم
لعَمرُكَ ممّا قلتَ أسنى وأبهَرُ ... ومدحُكَ لا يدني التميم زيادة
وقدرُهُمُ في قدرِ شعركَ يكبَرُ ... أتمدَحُ كهلاناً وتعضَهُ حميَراً
هُبِلتَ لقَد سيَّرتَ ما لا يُسَيَّرُ ... وهَل يقنِعُ الإنسانَ مدحٌ لنَفسهِ
ويُهــــجى أخوهُ إنّ هذا لمُنكَرُ ... أتدخُلُ ما بينَ العصا ولحائِها
بنَفسِكَ يا نجلَ العلوجِ تُغَرِّرُ ... بنو الهيثَمِ الساداتُ منّا ونحنُ من
ذُراهُم وذو الطغيان يعصى ويدحَرُ ... وحميَرِ كهلانٌ وكهلانُ حميَرٌ
يضُمُّهُما عندَ التناسُبِ جوهَرُ ... وصُــــلبٍ أبٍ عــــن كــــلِّ فــــحــــشٍ يــــطَهَّرُ
وتَزعُمُ أنّ الفرسَ فكّوا رِقابَنا ... عنِ الذُلِّ في غُمداننا إذ تجوّروا
فـــــعَـــــرَضـــــتَهُـــــم للذَمِ ولم نَــــكُــــن ... لنَبدأَ في قَرفٍ ولكِن سنَثأرُ
وها إنّنا نُنحي إليكَ جوابَنا ... قَذُف غِبَّ ما قدَّمتَهُ فهو مقمِرُ
كَذَبتَ ابنَ شرِّ الناس نفساً ووالداً ... والأمَ مــــن أضحى لشِعرٍ يُحَبِّرُ
أيقدِرُ جمعُ الجيشِ يدخُلُ بيضَةً ... منَ العزِّ تحميها سيوفٌ وضُمَّرُ
وأُسدٌ أذَلّوا الناسَ في كلِّ بلدَةٍ ... فكَيفَ إلى أبياتِهِم لم يغَيِّروا
وأنّا يُطيقُ الجيشُ يدخُلُ بلدَةً ... ومـــــن دونِهـــــا أطــــوادُ عِــــزٍّ تــــوَغَّرُ
ممالاه عن كلِّ جيشٍ عرَمرَمٍ ... كأنَّ الزها منهُ السحابُ الكنهورُ
وتخرجهُم أبناءُ فارسَ عنوَةً ... زعَمتَ وهُم جمعٌ لدى العدّ ينزُرُ
لكَ الويلُ لم تسأل لك العيش لم تُجل ... منَ الفِكر تمييزاً رآهُ المُفَكِّرُ
إذاً تكذيب ما قد ظنَنتهُ ... وثُبتَ عن الذلّاتِ إذ هيَ تخطِرُ
فغابَ عليك الرشد فيما حكَيتَهُ ... وأنتَ بجهلِ الرشدِ أحرى وأجدَرُ
فهاكَ اهتبلها من مفيدٍ كفاوَةً ... على كلّ من يمنى به متعذر
تعيب سيفٌ حين عاينَ زرعةً ... عليه لما في نفسه يتَنَمَّرُ
فأزمع فيه ذو نواسٍ عظيمَةٍ ... فنجّاهُ منهُ يومُهُ المُتَأخِّرُ
فجاءَ إلى كسرى وأظهَرَ سخطَهُ ... على قومِهِ فيما أتَوهُ وغَيّروا
فــــجَرَّمَ في أرضِ المدائِنِ إذ أتى ... إلَيها سنينَ تقتَفيهِنَّ أشهُرُ
إلى أن أتاهُ من مقاوِلِ حميَرٍ ... كتابُ ودادٍ خالصٍ حينَ أصدروا
يقولونَ عاود قد أتى لكَ أمرُنا ... بما كنتَ ترجوهُ وأنتَ المخَيَّرُ
وأشكَدَهُ كسرى لوَقتِ انصرافهِ ... أُناساً ووافى قاصِداً لا يغّررُ
فأصبحَ ربُّ الملكِ يملِكُ حميَراً ... ويوردُ في أرضِ الجنوبِ ويصدِرُ
وبــــــــيـــــــنَ مـــــــلوكِ الأرضِ آلٌ وذمَّةٌ ... بها بعضُهُم بعضاً يعينُ ويَنصُرُ
كما نصَر النعمان بهرامَ جورِهِم ... غداة أتاهُ وهوَ يشكو ويجأرُ
فقادَلَهُم عشرينَ الفاً كأنَّهُم ... أُسودٌ حماها الهيجتانِ وعثَّرُ
تخِبُّ بهِم مثلُ السعالي شوازِبٌ ... فقَحَّمَها وسطَ الأعاجمِ منذِرُ
فخازَلَهُم بالسيفِ ميراثَ جدِّهِ ... فأصبَحَ بعدَ الذُلِّ يحميَ ويقسِرُ
وفُرسانُ طَيٍّ يومَ ساتيدَما حمَوا ... بها أبرويزَ والأسِنَّةُ تقطُرُ
وكانت سيوفُ الرومِ قد أحدَقَت به ... وقد بلد السدان والنقعُ أكدَرُ
فــــأردَفَهُ ربُّ الضــــبيبِ وعاثَ في ... بني الروم يومٌ للمنَيِيَّةِ أحمَرُ
وكــــان لحــــسّانٍ يرجّيه عنده ... بــــذلك مــــعــــروفٌ يــــجَل ويُشكَرُ
فلا تجلونَ ما ليسَ يعرَفُ كنُهُ ... فأنتَ بنَفخِ الكيرِ أولى وأبصَرُ
أنا ابنُ الكلاعيّينَ أهلِ وحاظَةٍ ... بهِم يا ابنَ قلفِ الروم أزهى وأفخَرُ
أبونا أبو الملكِ العرنجَجِ والدِ ال ... مملوكَ ورب المعربينَ المُشَهَّرُ
لنا السبآنِ الأكرمان وأيمَنٌ ... وحيدانُ والغوثُ المغيثُ المُدَمِّرُ
وفــــخــــرُ عــــريبٍ ذي النوال ووائلٌ ... ولي من زهَيرٍ أبيضِ الوجهِ أزهَرُ
وفي قطَنِ العالي وجدي الهميسع ال ... متَوَّجُ لم يبرَح سناءٌ ومفخرُ
وفي عبد شمسٍ إرثُ ملكٍ ووُلدهُ ... إذا عُدَّ يوماً ملكُهُم فهوَ يكثُرُ
لذي العِــــزَّةِ الصوّارِ مجدٌ وسؤدُدٌ ... يــــظَــــلُّ لهُ عــــزَّ الورى وهــــوَ أصــــوَرُ
ذكَرتُ بنِيه التُبَّعيّينَ فارِطاً ... لأنَّهــــُمُ قــــامــــوا وَلَمّــــا يُؤَخّروا
وإخــــوتــــهــــم آل العــــلاقِ وموكِفٌ ... ومجدُ القفاعيّينَ يُروى ويُسطَرُ
وزُرعةُ منهم ذو مناخٍ وينكَفٌ ... وفي جشَمِ العُظمى السناء المُوَقَّرُ
ووالِدُنـــــا ســـــعـــــدٌ وعـــــوفٌ ومــــالِكٌ ... وكعبٌ وسهلٌ ذو العلاءِ الجمهورُ
بنوهُ الرعينيونَ عبد كلالهمِ ... وأملوكهم واليافِعِيُّ المعسَّر
وزيدٌ وعمرو ثم قيسٌ جدودنا ... بصيتهم سمعُ المنافسِ يُوقَرُ
وفي السلف الذرى كهول وفتيَةٌ ... كرامٌ بهم يستعصمُ المتجَوِّرُ
وأقيانُ منّا والخضارمُ قصرهُ ... وأبناءُ صيفِيٍّ وذو الملكِ خنفَرُ
وفي جرشِ الساداتُ والهجر الأولى ... لنا والقشيبَيّين نصرٌ مؤزَّرُ
وبـــــالحـــــجَـــــرات والذرى آلِ مـــــدركٍ ... وزرعتنا والماذنيّيَن أنقُرُ
وأصبَحُ منّا الأكرَمونَ ويحصِبُ ... وفي ذي حوالٍ واضِحُ الفخرِ يبهَرُ
وآســــادُنــــا آل الكــــلاعِ لخَــــوفِهِــــم ... تَرى الأسدَ في يومِ الكريهَةِ تحجِرُ
وفي الثُجَّةِ الأنجادِ آلُ مثَوَّبٍ ... وجبلانَ ضربٌ في الملاحمِ مبهِرُ
وذو جــــدَنٍ منّا وأبناءُ ترخُمٍ ... وذو يــــزَنِ الســــامي أعَزُّ وأقهَرُ
ومِنّا نضارٌ ثم تيسٌ وباقر ... وأبناءُ ذي الشعبَينٍ اسنا وأنضَرُ
وحَيُّ حُفاشٍ ثمَّ ملحانُ صنوهُ ... وفي العصَدِ الجَمُّ الكثيرُ المُجَمهَرُ
وهوزَنُ والأخروجُ فافخَر بعِزِّهِم ... وعِزُّ حرازِ احرز وما تحيّروا
وبعدانُنا أهلُ العلا وسحولُنا ... وعُنًَّةُ مِنّا الغاصِبُ المُتَجَبِّرُ
ومُـــــــقـــــــرا وألهــــــانٌ وعُــــــبــــــرة ... وعزوانُ منّا والوصابونَ أخطَرُ
وذويَهَــــرٍ مِــــنّــــا وشــــمــــرٌ وماطِخ ... ومــــأذنُ منّا والمحح المضَبَّرُ
ووازعــــنــــا والمــــعــــللي وصــــوفــــا ... نهيل وشعبانٌ لدى البأسِ أحضَرُ
ومنا الصهيبيّونَ فاسأل بفَخرِهِم ... وفــــي بُــــرَعٍ منّا تليدٌ معَزِّرُ
والأكلوبُ والأحول والصيد رنجَعُ ... وريمانُنا من رامها فهوَ يحسُرُ
وآلُ حضورٍ عترَةُ الفاضل الذي ... غدا وهوَ ينهيَ الأثمينَ وينذرُ
وإن حاش من حيّ الحواشَةِ عارِضٌ ... فهم سحبٌ فيها الحمامُ وأبحُرُ
وإخوانُنا الأدنونَ آل قُضاعَةٍ ... فعودُهُمُ ما فيه للعَيبِ مكسَرُ
بفُرسانِ نهدٍ ناهدينَ إلى الردى ... يرَدُّ شباعيلانَ حينَ تنَزَّرُ
وكلبٌ ذوُو الغاراتِ أكلَبُ في الوَغا ... لأنَّهــــُمُ فــــيــــه ضــــراغِمُ تهصُرُ
وساداتُ خولانَ بن عمروٍ نضالُهُم ... حتوفٌ لمَن ناواهمُ حينَ يحسُرُ
وجــــرمٌ وبــــهراءٌ وغُرُّ جهَينَةٍ ... وحَــــيُّ بلِيٍّ في البليّات أصبَرُ
وشُــــمُّ سُلَيح المالكون لعزِّهِم ... أزمَّةــــــ قـــــومٍ والخـــــدودُ تـــــصَـــــعَّرُ
وآلُ تــــنوخٍ والسراةُ خشَينُها ... وعُذرةُ سعدٍ في المكارمِ أعذَرُ
لنا كُلُّ ملكٍ من طريفٍ وتالدٍ ... يُرى الضدُّ من حوماته يتَحَسَّرُ
لنا في ذُرى الغُرُّ المثامِنَةِ الأولى ... همُ عضَّدوا الأملاكَ قدماً ودبّروا
لنا ذو خليلٍ ثمَّ عمروٍ وهم همُ ... وقيقانَ والقَيلُ المُكَلَّلَ حزفَرُ
ويــــحــــمــــد ذو مــــقــــار بــــرينة ... قواعِدُها حيثُ الغمامُ المُسَخَّرُ
وذو سحرِ العالي وذو عثكلانِنا ... وذو ثعلبانٍ كان يُروي ويُخمِرُ
لنا السادةُ الأقيال من كلِّ ماجدٍ ... يقودُ السرايا للملوكِ ويؤمِرُ
جحاجعُ منهُم ذو الكباسِ ويُعفِرُ ... وذو فــــــــائِشٍ عــــــــمـــــــرو النـــــــدى
ومِنّا سليلُ المكرثماتِ يهصدقٌ ... وشهرانُ بينونٍ وشعرانُ أوبَرُ
وشـــــــــمَّر تـــــــــارن وشـــــــــمـــــــــائِرٌ ... وشَمَّرُ أيضاً ذو الجناح وأشمَرُ
وعلهانُ نهفانٍ ونجرانُ ذو العُلا ... وعبدُ كلالٍ ثمَّ فهدُ الغضنفَرُ
وذو حُـــــرَثٍ مـــــنّــــا ومــــشــــروقُ وائلٍ ... ومن ذي سحيمٍ صادقُ البأسِ مسعَرُ
ومنّا الذي ابقى بضَهرٍ مكارِماً ... مؤَبَّدَةٌ أنباؤُها الدهرَ تظهَرُ
لهُ صدقاتٌ لا يوازي بمثلِها ... بها عاشَ ذو ضَرٍّ وأيسَرَ معسِرُ
ومنّا الفتى المدعوُّ للجودِ منهِباً ... أبو مرَّةٍ يمناهُ الغيثِ أغزَرُ
وأروعُ فــــاداهُ أبــــوهُ بــــســــبــــعَــــةٍ ... ألوفاً ولم يسمَع بمن كان يؤسَرُ
وأعتقَ كفّاذي الكلاعِ موالياً ... لإسلامِهِ عشرينَ الفاً فحُرّروا
لنــــــــا التــــــــاجُ تـــــــاجُ المـــــــلكِ ... تراثاً لنا عَن غيرِنا الدهرَ يحصَرُ
وفي عِزَّةِ الإسلامِ منّا مقاولٌ ... وكُلُّ أميرٍ كان يرجى ويُحذَرُ
مُــــلوكُ شامٍ من حوالٍ بعدلِهم ... تزَيَّنَت الدنيا فكادَت تمَرمَرُ
أطابوا بها نهجَ السبيل وأبدعوا ... مكارمَ ليسَت للإقامةِ تدثُرُ
مآثرُ منها منهَلٌ متغَطمِطٌ ... ومسجدُ أحيا وقصرق ومنبَرُ
وذو المثلةِ المشهورُ من نسلُهُ لنا ... مقاولٌ إبراهيمُ منهمُ وجعفَرُ
وعركَبَةٌ فيها الشراحةُ طيّبوا ... وكان بمُقرى تُرخُمِيٌّ عشَنزَرُ
ومنّا ملوك الأصبَحين بأبيَنٍ ... وفي جُبّإٍ منّا ملوكٌ تغَشمَرُ
ومِنّا بدَمثٍ فاعلَمَنَّ ومأرِبٍ ... وتــــنداحَةٍ أربابُ عزٍّ تأمّروا
وأربابُ هذا العصرِ من كلّ سيّدٍ ... وقــــيــــلٍ يُــــردّى بــــالعــــلا ويــــؤزَّرُ
أميرٌ بكَحلانٍ طويلٌ نجادهُ ... لهُ وَطَّدَ المــــلكَ المــــهَذَّبُ يعفِرُ
إذا ما ملوكُ الأرضِ عُدّوا رأيتُهم ... وهُــــم ضِلعٌ عما احتواه وحُسَّرُ
وفي منكِثٍ مِنّا أغَرُّ سمَيدَعٌ ... بُغرَّتهِ تجلى الخطوبُ فتُسفِرُ
تمُكَّنَ من سخطِ بن زرعةَ في ذَراً ... يَرى الطرفُ حاسِئاً حينَ ينظُرُ
وأبــــلَجُ خــــرقٌ بــــالزواحــــي مهَذَّبٌ ... يحامي على الأحسابِ أهيَسُ قسُوَّرُ
نماهُ يزيدٌ ذو الكلاعِ بنُ يعفِرٍ ... وعَــــرَّقَ فــــيــــه الأسدُوانِ وأغوَروا
ومنّا هزَبرٌ بالمعافِرِ أضبَطٌ ... ومحتِدُ صدقٍ في ثمامةَ أكبَرُ
لهُ مَــــنزِلٌ في آلِ أبيَضَ مُعرِقٌ ... وَمَحتِدُ صِدقٍ في ثُمامَةَ أكبَرُ
ومنّا بأعلى مسوَرٍ ليثُ غابةٍ ... بنا مجدَهُ المنتابُ والقَيلُ مسوَرُ
نماهُ العلافِيّونَ من عيصِ سادةٍ ... سروا في طلاب المكرماتِ وهجّروا
ومن ذي مناخٍ حلّ هرّانَ فاعلَمَن ... رئيسان في ملكٍ لهُمُ حينَ أزهَروا
نوالُهُما في كلّ محلٍ وأزمَةٍ ... به ينعَشُ المرءُ الكسيرُ ويُجبَرُ
وفي الموكِفِ المعمورِ من آل موكفٍ ... هصورٌ وغَيثُ بالقفاعَةِ ممطِرُ
محلُّهُما من عبدِ شمسٍ بمَرقبٍ ... يَرى ضوءَهُ في الحندسِ المُتَنَوِّرُ
وفي عُتمَةٍ من ذيَ رُعَينٍ ضراغِمٌ ... وفي ريمَةٍ منّا صقورٌ وأنسُرُ
بعُتمَة آلُ المهدي الكاليّون ... وبرَيمَةَ الأشبُطِ السبئيّونَ
بهِم يمنَعُ الثغرُ المخوفُ وعزَّهمُ ... لهُ حجرَةِ عن فاحِش الضيم تحجُرُ
وفي أرضِ غسّانٍ لناشيد حمى ال ... معالي كما حامي عنِ الخيسِ مخدِرُ
له في بيوتِ العزّ من سبَإٍ ذُرىً ... بناهُنَّ قيلٌ كان يردي ويعفِرُ
وأرضُ حرازٍ ثُمَّ ملحانَ فيهما ... أغَرٌّ أبي عن كلّ من يتَجَبَّرُ
وفــــي يــــزَنِ مــــنّــــا وحَــــنَّةَ سادَةٌ ... كــــرامٌ وآل البــــان أنــــدى وأجسَرُ
وفــــي حــــضــــرَمــــوت أشبا مهَذَّبٌ ... ومِنّا الفتى ابنُ العوامِ فيها يعمُرُ
ومِنّا لَدى الأسعا أميرٌ سيوفُهُ ... مجَرَّدَةٌ فيها الحمامُ المسَخَّرُ
لنا قصرُ غُمدانَ المنيفُ بناؤُهُ ... ترى كُلَّ قصرٍ دونَهُ وهوَ يقصُرُ
لنا قصرُ زيدان الشهيرُ وما حوَت ... ظفار التي فيها ذوو الملك ظفّروا
لنــــا ذو الأهجرِ الشامِخُ الذُرى ... وبينونَ إذا سقفاهُ ساجٌ وعَرعَرُ
وصرواحُ أيضاً والقشيبُ بمأربٍ ... وسلحينُها صيفان شيدَ ومرمَرُ
فما خُطَّةٌ في المجدِ إلّا وقَد غدَت ... وحظُّ قبيلي من عُلاها يُوَفَّرُ
ولستُ بمُحصٍ ما اختبته معاشري ... ولو أنّني عمر النسور أُعَمَّرُ
وأعمِلهُ في وصفِ ما فضلوا به ... لأفنيتهُ جهراً ولم تحصَ أنسُرُ
وما كنتَ يابنَ القلفِ أهلَ إجابةٍ ... لأنّكَ عن قدرِ المجازاةِ تحقَرُ
ولكـــــنّهُ نـــــذرٌ عــــلَيَّ حــــتــــمــــتــــهُ ... ومثلِيَ أوفى بالذي كان ينذُرُ
مدى الدهرِ لا أنفَكُّ أكعُمُ كُلَّ مَن ... تعَرِّضَ يهجو معشَري ويُصَغِّرُ
فدونكَ ذُق غبَّ الذي كنتَ صانِعاً ... ستَحصُدُ كفُّ المرءِ ما كان يبذُرُ
سيَكشِفُ عن عينَيك شعري دجى العَمى ... وتُصبِحُ من حرِّ الوسومِ تحَرَّرُ
ولم ينةِ ذابغي كمثلِ جزائِه ... وفي البطشِ إصحاءٌ لمَن هوَ مسكَرُ
وعنديَ أمثالٌ لها لا تعِزُّني ... وغَيريَ يعمى دونَ ذاكَ ويحصَرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجوا: جوأ:[[. قوله جوأ هذه المادة لم يذكرها في المهموز أحد من اللغويين إلا واقتصر على يَجُوءُ لُغَةٌ فِي يَجِيءُ وجميع ما أورده المؤلف هنا إنما ذكروه في معتل الواو كما يعلم ذلك بالاطلاع، والجاءة التي صدّر بها هي الجأي كما يعلم … (لسان العرب)
- السفع: سفع: السُّفْعةُ والسَّفَعُ: السَّوادُ والشُّحُوبُ، وَقِيلَ: نَوْع مِنَ السَّواد لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: السَّوَادُ مَعَ لَوْنٍ آخَرَ، وَقِيلَ: السَّوَادُ المُشْرَبُ حُمْرة، الذَّكَرُ أَسْفَعُ والأُنثى سَفْعاءُ؛ وَم … (لسان العرب)
- المشجوج: شجج: الشَّجَّة: واحِدَةُ شِجاجِ الرَّاْس، وَهِيَ عَشْرٌ: الحارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَقْشِرُ الْجِلْدَ وَلَا تُدْمِيه، والدَّامِيَة وَهِيَ الَّتِي تُدْمِيهِ، والباضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ شَقًّا كَبِيرًا، و … (لسان العرب)
- بالحي: (حَيَّ) الْحَاءُ وَالْيَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا خِلَافُ الْمَوْتِ، وَالْآخَرُ الِاسْتِحْيَاءُ الَّذِي [هُوَ] ضِدُّ الْوَقَاحَةِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَيَاةُ وَالْحَيَوَانُ، وَهُوَ ضِدُّ ا … (مقاييس اللغة)
- بالخطب: خطب: الخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وَقِيلَ: هُوَ سَبَبُ الأَمْر. يُقَالُ: مَا خَطْبُك؟ أَي مَا أَمرُكَ؟ وَتَقُولُ: هَذَا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأَمر الَّذِي تَقَع فِيهِ المخاطَبة، … (لسان العرب)
- بالنوا: نوأ: ناءَ بِجِمْلِه يَنُوءُ نَوْءًا وتَنْوَاءً: نَهَضَ بجَهْد ومَشَقَّةٍ. وَقِيلَ: أُثْقِلَ فسقَطَ، فَهُوَ مِنَ الأَضداد. وَكَذَلِكَ نُؤْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: ناءَ بالحِمْل إِذَا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا. وناءَ بِهِ الحِملُ إ … (لسان العرب)
- بحفاث: حفث: الحَفِثَة والحِفْثُ والحَفِثُ: ذاتُ الطَّرَائِقِ مِنَ الكَرش؛ زَادَ الأَزهري: كأَنها أَطْباقُ الفَرْثِ؛ وأَنشد اللَّيْثُ: لَا تُكْرِبَنَّ بَعْدَهَا خُرْسِيَّا، ... إِنَّا وجَدْنا لَحْمَهَا رَدِيّا: الكِرْشَ، والحِفْ … (لسان العرب)